الرئيسية / عالمية/

العامل الديني في الموقف الأميركي من فلسطين

سامية حلبي - العامل الديني في الموقف الأميركي من فلسطين

لم يكن دور الولايات المتحدة الأميركية في إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين هامشيا، فقد بدأ مبكرا قبل نشوء الحركة الصهيونية مع الصهيونية المسيحية التي تبنّت فكرة قيام دولة إسرائيل، باعتبارها ترتيبا إلهيا، ودعت إلى إقامتها ودعمها. كان الرئيس الأميركي، جون أدامز، قد دعا عام 1818 إلى إعادة اليهود إلى فلسطين وإقامة حكومة يهودية مستقلة، وتبنّى الرئيس الأميركي، توماس وودرو ويلسون، وعد بلفور، بعد أن أضاف كلمة قومي إلى النص الأصلي للوعد، ليعني قيام كيان سياسي، دولة، وليس مجرّد مكان للعيش، حيث كانت الصيغة التي عرضها عليه وزير خارجية المملكة المتحدة، آرثر جيمس بلفور، تقول بإقامة وطن لليهود في فلسطين، وقيادة جنرال أميركي برتبة عميد بقيادة عمليات العصابات الصهيونية، الهاغانا وشتيرن والبالماخ، في حرب الـ 48، وسياستها الثابتة إزاء الصراع العربي الإسرائيلي القائمة على تمكين إسرائيل، وضمان تفوقها العسكري على الدول العربية مجتمعة، ودعمها اقتصاديا بجعالة سنوية ثابتة تفوق الثلاثة مليارات دولار، قدّمت لها منذ قيامها عام 1948 ما بين 130 و270 مليار دولار، وقرارها خصم قيمة تبرّعات الشركات والأفراد لإسرائيل من الضرائب السنوية المستحقة عليهم، بالإضافة إلى حمايتها سياسيا باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، استخدمته 43 مرة لمنع إدانتها ومعاقبتها. وكان موقفها في كل الحروب العربية الإسرائيلية إلى جانب إسرائيل، بذريعة “حق الدفاع عن النفس” لدولة صغيرة محاطة بأعداء يفوقونها عددا بمئات المرّات؛ وتعويضها ما تخسره في هذه الحروب من أسلحة وذخائر، وجديدها أخيرا مبلغ الـ 1.2 مليار دولار لتطوير وتذخير القبة الحديدية التي لم تنجح في استيعاب رشقات الصواريخ في معركة الشهر الماضي (مايو/ أيار).

بدأت الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة مع وصول الهجرات الأوروبية الكبرى في النصف الأول من القرن التاسع عشر

يرتبط موقف الولايات المتحدة من إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي بمعتقد ديني تتبنّاه كنائس بروتستانتية بشكل عام، إنجيلية ومشيخية وأسقفية وميثوديسية، بشكل خاص، أساسه أن عودة المسيح الثانية لن تتم إلا إذا عاد جميع اليهود إلى أرض الميعاد، وأنه سيعود لإنقاذهم في معركةٍ مع أعدائهم في قرب جبل مجدو في فلسطين، وأن ذلك كله تدبير إلهي واقع حتما. وقد ساعدت الجامعات ووسائل الإعلام التابعة للكنائس في نشر هذا المعتقد بين الأميركيين، كما عكست كتابات القساوسة المؤمنين بالتدبير الإلهي مدى ربطهم الفكر الديني بالموقف السياسي من إسرائيل، ومن حقوق الشعب الفلسطيني، فالمسيحي الصهيوني يعتقد أنه يساعد الله في تحقيق وعده من خلال تأييد إسرائيل ودعمها.
بدأت الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة مع وصول الهجرات الأوروبية الكبرى في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث شكّل المهاجرون الجدد، البيوريتانيون/ التطهريون، النواة الصلبة للمجتمع الجديد، وصاغوه بما يتوافق مع عقيدتهم التي حملوها معهم، والقائمة على الروايات التوراتية وتفسيرات العهد القديم التي انتشرت في المملكة المتحدة وأوروبا قبل ذلك، فقد أطلقوا على الأرض الجديدة تسمية “كنعان الجديدة الإنكليزية”، وحمل أبناء المهاجرين الأوائل أسماء عبرية، وكذلك مستوطناتهم الأولى. وكان لافتا أن أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد، أسّسها القس البروتستانتي جون هارفارد عام 1636 لتناظر جامعتي كامبريدج وأكسفورد في المملكة المتحدة، في العام 1642، كانت بعنوان “العبرية هي اللغة الأم”، وأول كتابٍ صدر في الولايات المتحدة كان “سفر المزامير” وأول مجلة كانت “اليهودي”، يرصد مؤرّخون كثيرون كيف أعطى المهاجرون الأوائل أبناءهم أسماء عبرانية، مثل إبراهام، سارة، أليعازر…، وكيف أطلقوا على مستوطناتهم أسماء عبرانية، مثل حبرون، وكنعان…، وفرضوا تعليم اللغة العبرية في مدارسهم وجامعاتهم، فكوّنوا الشخصية الأميركية في ضوء هذه المفاهيم والأفكار التي تجمع المسيحية والصهيونية الأصولية، إلى درجة اقتراح الرئيس الأميركي الثالث؛ واضع وثيقة الاستقلال، توماس جيفرسون، أن يكون رمز الولايات المتحدة الأميركية على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار غيمة وفي الليل عمود من النار، كما ورد في النص التوراتي. وقد بدأ التعاطف الأميركي مع اليهود يتحوّل إلى عمل ملموس لتحقيق النبوءات التوراتية، سواء عن طريق أفراد أو جمعيات أو كنائس، منذ ذلك التاريخ.

قساوسة كثيرون في كنائس الولايات المتحدة يروّجون المعتقدات الصهيونية المسيحية، إذ يعمل في ميدان التبشير فيها 80 ألف قسّ

لعبت الكنائس الدور الرئيس في انطلاقة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، والدعوة إلى عودة جميع اليهود إلى فلسطين، أرض الميعاد، وتحوّلت بعد قيام إسرائيل إلى أقوى المشجعين لقيامها وبقائها، وإلى إعادة بناء الهيكل اليهودي فوق قبة الصخرة في المسجد الأقصى، لاعتقادهم أنها مقدمات لعودة المسيح. انطلقت الدعوات الإنجيلية لتوطين اليهود في فلسطين منذ 1814، وهاجر بعض الإنجيليين عام 1850 إلى فلسطين، وأنشأوا مستوطنة زراعية ضمت يهوداً وإنجيليين أميركيين، في تدشين لحركة الاستيطان التي توسعت وانتشرت بعد هذا التاريخ. واللافت أن الإنجيليين كانوا أكثر تحمّسا للإقامة فيها من اليهود أنفسهم. وقد قامت في عام 1867 أول بعثة مسيحية أميركية للاستيطان في فلسطين مع 150 قسيساً إنجيلياً أميركياً، وأقيمت في العام التالي مستوطنة بمشاركة 70 شخصية دينية إنجيلية.
وقد ضمت قائمة القساوسة الذين روّجوا أفكار الصهيونية المسيحية وأهدافها كلا من جون نلسون داربي (1800 – 1882)، الذي يعد الأب الشرعي للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، وسايروس سكوفيلد (1843 – 1921)، الذي وضع الأساس النظري لتوجهاتها في كتابه “الفصل الحق لِكلمة الحقيقة” الذي نشر في عام 1888، وكتابه “الكتاب المقدّس المرجعي” الذي نشرته جامعة أكسفورد عام 1909، ومنهما يستمد قساوسة هذه الحركة المعاصرون، أمثال بيل غراهام وابنه فرانكلين وجيري فولويل وبات روبرتسون وسواهم، أفكارهم التي يبنون عليها التزامهم الديني بإسرائيل، وبما يعتقدون أنه حقها الإلهي. ومنهم أيضا دوايت مودي (1837 – 1899) وتلميذه وليم بلاكستون (1841 – 1935)، الذي وضع في عام 1887 كتابا بعنوان “المسيح آت”، تُرجم إلى 36 لغة، وفيه أكد على نظرية حق اليهود التوراتي في فلسطين وبأنهم سوف يزدهرون هناك. وقد تمكّن بلاكستون، في إطار عمله لخدمة الفكرة، من جمع توقيعات 413 شخصية مسيحية ويهودية أميركية على مذكرة رُفعت إلى الرئيس الأميركي الثالث والعشرين، بنجامين هاريسون، تطالبه بعقد مؤتمر دولي من أجل إعادة اليهود إلى فلسطين. وفي 1887، أسس منظمة “البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل” في شيكاغو، بهدف حث اليهود على الهجرة إلى فلسطين، وهذه البعثة مستمرة باسم “الرسالة الأميركية المسيحية”. وهناك القس أرنو غيبيلين (1899 – 1983)، وقساوسة كثيرون منتشرون في كنائس الولايات المتحدة الذين يروّجون المعتقدات الصهيونية المسيحية، إذ يعمل في ميدان التبشير فيها 80 ألف قسيس. وتتمتع هذا الكنائس بحضور إعلامي قوي، فهي تملك وتشرف مباشرة على مائة محطة تلفزيون، وعلى ألف محطة إذاعة، يتابعها حوالى ستين مليون أميركي، بالإضافة إلى أنها ساعدت، في ثمانينات القرن الماضي، وحدها على إنشاء 250 مؤسسة وجمعية دينية أميركية مؤيدة لإسرائيل في إطار برامج الصهيونية المسيحية الأصولية. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت نظرية التدبير الإلهي قد أضحت المقاربة الوحيدة لكل مباحث الأخرويات في صفوف الإنجيليين الأميركيين الأصوليين، فقد استمدّوا اسمهم وبرامجهم المذهبية من سلسلة الكتيبات التي نشرت بين العامين 1910 و1915 والتي عنونت “بالأصول” ووزّعت مجانا في أنحاء الولايات المتحدة كلها. وقد أيد جل الإنجيليين والأصوليين العقيدة القائلة “إن إنشاء دولة يهودية في فلسطين يعد تنفيذا لنبوءات التوراة”. وقد أكد المؤتمر الصهيوني المسيحي الثالث، في القدس عام 1996، الموقف في إعلانه، حيث قال: “إنّ الله بحبّه الغيور لإسرائيل والشعب اليهوديّ، يبارك الشعوب ويلعنها، ويحاسب الأمم بناءً على معاملتهم لشعب إسرائيل المختار. ووفقا لتوزيع الله الناسَ إلى أمم، منح الله أرض إسرائيل إلى الشّعب اليهودي كملكيّة دائمة وفقا لعهد أبدي؛ فللشّعب اليهودي الحق المطلق بامتلاك الأرض واستيطانها، بما في ذلك يهوذا والسّامرة وغزّة والجولان”.

احتلت بنود البرنامج السياسي للصهيونيين المسيحيين موقعا بارزا في سياسات الولايات المتحدة من خلال الكونغرس بمجلسيه، ومن خلال رؤساء آمنوا بالصهيونية المسيحية

يتلخص اعتقاد الصهيونيين المسيحيين وبرنامجهم السياسي في: المسيح آت ليحكم اليهود في فلسطين مدة ألف عام. تجميع كل يهود العالم في فلسطين. بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى المبارك. القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل. على الحكومات أن تعترف بإسرائيل دبلوماسيا لتدعمها دوليا، وتعارض أي مقاطعة اقتصادية لها. السماح لهجرة اليهود من جميع أنحاء العالم، وخصوصا من الاتحاد السوفييتي. على جميع الدول نقل سفاراتها إلى القدس. على جميع الشعوب الصديقة أن تكف عن تسليح أعداء إسرائيل. على جميع الحكومات أن تتوقف عن استضافة الإرهابيين. تشجيع توطين اللاجئين واستيعابهم في البلاد العربية؛ لأن نداءات القادة العرب عام 1948هي التي دفعتهم للهجرة واللجوء. الاستيطان في الأجزاء من الأرض غير الآهلة بالسكان.
لقد احتلت بنود هذا البرنامج موقعا بارزا في سياسات الولايات المتحدة من خلال الكونغرس بمجلسيه، ومن خلال رؤساء آمنوا بالصهيونية المسيحية، وهم كثر، ما يجعل النضال السياسي الفلسطيني والعربي لتغيير مواقف الولايات المتحدة من الصراع العربي الإسرائيلي يصطدم بعقبة كأداء، لا يخفف من صلابتها حصول تحول ملحوظ في الرأي العام الأميركي عن التأييد الأعمى لسياسات إسرائيل وفي مواقف الإنجيليين الشباب من إسرائيل وفق ما عكسه استطلاع للرأي أجري أخيرا.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة