الرئيسية / عالمية/

26 عاماً على الرحيل… الشيخ إمام عيسى لا يزال صوت الثورة

شيخ إمام فيسبوك - 26 عاماً على الرحيل... الشيخ إمام عيسى لا يزال صوت الثورة

ظاهرة فريدة في “الثقافة المضادة” التي عرفتها مصر… هكذا وصف الناقد والباحث والمحاضر السينمائي أمير العمري، إمام عيسى، الشهير بالشيخ إمام، فهو حقاً ظاهرة فريدة من نوعها لم تحدث في التاريخ الثقافي الاجتماعي المصري من قبل ولا من بعد.

غنّى قبله سيد درويش البحر أغاني لها طابع سياسي، حتى عُرف بفنان الشعب، وكان ذلك في بدايات القرن العشرين، لكن تجربة الشيخ إمام تجربة جد مختلفة، إذ إنه كرّس جلّ موهبته الموسيقية والغنائية بمصاحبة الشاعر أحمد فؤاد نجم، لهدف أوحد، ألا وهو “الثورة” والتحرر، عكس الشيخ سيد درويش الذي كانت الموسيقى بالنسبة إليه هي الهدف في حد ذاته.

تحلّ اليوم الذكرى الـ26 لرحيل الموسيقار الكبير والمطرب المصري الفريد من نوعه، الشيخ إمام عيسى، ذلك الضرير الذي تفتحت على يديه عيون الملايين من الشباب العرب على مرّ الأجيال، على آمال الحرية، فغنوا أغانيه من القاهرة إلى الشام عبر بيروت، وكان هو الصوت المجلجل للمهمَّشين والفقراء والمظلومين.

حرّضت أغاني الشيخ إمام على الثورة على الظلم، فدخل السجن مرات ومرات، حتى أصبح أول معتقل بسبب الغناء في العالم العربي.

ظلت أغاني الشيخ إمام حاضرة في مخيلة الشباب على مرّ العصور، هي الباعث على الحلم بالتغيير والحرية، حتى تحقق حلم الملايين في مصر في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، عندما سقط حسني مبارك، وغنوا أغاني إمام لأول مرة كحقيقة عاشوها لوهلة، قبل أن ينقضّ أعداء الثورة عليها، ويعودوا بها إلى المربع الصفر بعد الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، الرئيس الراحل محمد مرسي.

قدم إمام عيسى مع رفيق دربه أحمد فؤاد نجم وغيره من الشعراء، مثل نجيب شهاب الدين، الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، العشرات والعشرات من الأغاني الوطنية والثورية. وكانت الأغنية التي كتبها شهاب الدين “يا مصر قومي وشدي الحيل” أيقونة الثورة المصرية في يناير 2011.

غنى إمام “البحر غضبان ما بيضحكش، أصل الحكاية ما تضحكش” للشاعر الكبير الراحل نجيب سرور، وغنى أيضاً “همَ مين واحنا مين هم الأمرا والسلاطين، هم المال والحكم معاهم واحنا فقراء ومحكومين” للفاجومي.

كذلك غنى “اتجمعوا العشاق في سجن القلعة… اتجمعوا العشاق في باب الخلق، والشمس غنوة من الزنازن طالعة.. ومصر غنوة مفرعة في الحلق”، وغنى ناعياً المناضل الأرجنتيني تشي غيفارا من كلمات الفاجومي، وقال: “غيفارا مات.. غيفارا مات.. مات المناضل المثال”.

وبعد هزيمة يونيو/ حزيران، غنى إمام بمرارة “ناح النواح و النواحة على بقرة حاحا النطاحة، والبقرة حلوب.. تحلب قنطار لكن مسلوب.. من أهل الدار”.

وعند المقاومة، غنى للجنود على الجبهة “واه يا عبد الودود، ع اقولك وانت خابر، كل القضيه عاد، ولسه دم خيك ما شرباش التراب، حسك عينك تزحزح يدك عن الزناد، خليك يا عبده راصد لساعة الحساب، آن الأوان يا ولدي ما عاد إلا الي عاد، تنفض الشركه واصل، وينزاحو الكلاب”.

وبعد النصر غنى صداحاً “دولا مين ودولا مين دولا عساكر مصريين، ودولا مين ودولا مين دولا ولاد الفلاحين، دولا الورد الحر البلدي يصحى يفتح اصحى يا بلدي، دولا خلاصة مصر يا ولدي دولا عيون المصريين”.

أما فلسطين، فلم تبرح قلب إمام وغنى لها “يا فلسطينية وأنا نفسي أسافر حداكم ناري في أيدي وأيدي تنزل معاكم على راس الحية وتموت شريعة هولاكو”.

الشيخ إمام، واسمه الحقيقي إمام محمد أحمد عيسى، ولد في 2 يوليو 1918، وتوفي في 7 يونيو 1995، بقرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة لأسرة فقيرة، وكان أول من يعيش لها من الذكور حيث مات منهم قبله سبعة ثم تلاه أخ وأخت.

أُصيب إمام في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي وفقد بصره بسبب الجهل واستعمال الوصفات البلدية في علاج عينه، فقضى إمام طفولته في حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ عبد القادر ندا رئيس الجمعية الشرعية بأبي النمرس، وكانت له ذاكرة قوية.

في إحدى زياراته لحي الغورية، قابل إمام مجموعة من أهالي قريته، فأقام معهم وامتهن الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم، وكسائر أحداث حياته التي شكلتها الصدفة التقى الشيخ إمام بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى، وأعجب به الشيخ الحريري بمجرد سماع صوته، وتولى تعليمه الموسيقى.

وفي منتصف الثلاثينيات، كان الشيخ إمام قد تعرف إلى الشيخ زكريا أحمد من طريق الشيخ درويش الحريري، فلزمه واستعان به الشيخ زكريا في حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقط الضعف بها، حيث كان زكريا أحمد ملولاً، لا يحب الحفظ، فاستمر معه إمام طويلاً، وكان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها، وكان إمام يفاخر بهذا.

حتى إن ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم بدأت تتسرب إلى الناس قبل أن تغنيها أم كلثوم، مثل “أهل الهوى” و”أنا في انتظارك” و”آه من لقاك في أول يوم” والأولة في الغرام”، فقرر الشيخ زكريا الاستغناء عن الشيخ إمام.

كان لهذه الواقعة أثر في تحويل دفة حياة الشيخ إمام مرة أخرى، عندما قرر تعلم العزف على العود، وبالفعل تعلم على يد كامل الحمصاني، وبدأ الشيخ إمام يفكر في التلحين، حتى إنه ألف كلمات ولحنها وبدأ يبتعد عن قراءة القرآن، وتحول إلى مغنٍّ واستبدل ملابسه الأزهرية بملابس مدنية.

وفي عام 1962 م، التقى الشيخ إمام عيسى بأحمد فؤاد نجم، رفيق دربه، وجرى التعارف بين نجم والشيخ إمام من طريق زميل لابن عم نجم كان جاراً للشيخ إمام، فعرض على نجم الذهاب للشيخ إمام والتعرف إليه، وبالفعل ذهب نجم للقاء الشيخ إمام وأعجب كل منهما بالآخر.

وعندما سأل نجم إمام لماذا لم يلحن، أجابه الشيخ إمام أنه لا يجد كلاماً يشجعه، وبدأت الثنائية بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وتأسست شراكة دامت سنوات طويلة. ويُعتبر أن الدور المباشر الذي لعب الشاعر أحمد فؤاد نجم في حَراك الشارع العربي هو بفضل عبقرية الشيخ إمام. وفي رأي أحمد فؤاد نجم، كان الشيخ إمام مثل عبد الوهاب، مغنياً عظيماً ومتفرداً.

ذاع صيت الثنائي نجم وإمام، والتفّ حولهما المثقفون والصحافيون، وخاصة بعد أغنية: “أنا أتوب عن حبك أنا؟”، ثم “عشق الصبايا”، و”ساعة العصاري”، واتسعت الشركة، فضمت عازف الإيقاع محمد علي، فكان ثالث ثلاثة كوّنوا فرقة للتأليف والتلحين والغناء، ساهم فيها العديد، ولم تقتصر على أشعار نجم، فغنت لمجموعة من شعراء عصرها، أمثال: فؤاد قاعود، وسيد حجاب ونجيب سرور، وتوفيق زيّاد، ونجيب شهاب الدين، وزين العابدين فؤاد، وآدم فتحي، وفرغلي العربي، وغيرهم.

انتشرت قصائد نجم التي لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار في الهشيم داخل مصر وخارجها، فكثر عليها الكلام، واختلف حولها الناس بين مؤيدين ومعارضين. وفي البداية استوعبت الدولة الشيخ وفرقته، وسمحت بتنظيم حفل في نقابة الصحافيين، وفتحت لهم أبواب الإذاعة والتليفزيون. لكن سرعان ما انقلب الحال بعد هجوم الشيخ إمام في أغانيه على الأحكام التي برّأت المسؤولين عن هزيمة 1967، فقُبض عليه هو ونجم ليُحاكَما بتهمة تعاطي الحشيش سنة 1969، لكن القاضي أطلق سراحهما، لكن الأمن ظل يلاحقهما ويسجل أغانيهما حتى حُكم عليهما بالسجن المؤبد، ليكون الشيخ أول سجين بسبب الغناء في تاريخ الثقافة العربية.

قضى الشيخ إمام ونجم الفترة من هزيمة يوليو حتى نصر أكتوبر يتنقلان من سجن إلى آخر، ومن معتقل إلى آخر، وكان يغني وهو ذاهب إلى المعتقلات أغنيته المشهورة شيد قصورك ومن قضية إلى أخرى، حتى أفرج عنهما بعد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.

في منتصف الثمانينيات، تلقى الشيخ إمام دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء بعض الحفلات في فرنسا، فلاقت حفلاته إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وبدأ بالسفر في جولة بالدول العربية والأوروبية لإقامة حفلات غنائية لاقت كلها نجاحات عظيمة. وللأسف، بدأت الخلافات في هذه الفترة تدبّ بين ثلاثي الفرقة، الشيخ إمام ونجم ومحمد علي عازف الإيقاع، لم تنتهِ إلا قبل وفاة الشيخ إمام بفترة قصيرة.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة