الرئيسية / عالمية/

عربات تقودها الأغاني على طريق متفرّع

1 12 - عربات تقودها الأغاني على طريق متفرّع

 

اختلاف الذوق بين نمط موسيقي وآخر ليس أمرًا معياريًا لكشف الآلية الفكرية لدى الجمهور، إذا ما تناولنا ظاهرة موسيقى العربات كحالة خاصة للتحليل والمناقشة. فعملية التذوق تبقى لها سمات خاصة تخضع لعوامل اجتماعية وبيئية محددة، تؤطر نوع الاستهلاك وشكله فسيولوجياً. لطالما كان الاستماع إلى أغنية داخل عربة أو سيارة ما له نكهة شخصية خاصة لدى المستمع. وقد تبدو في مكان غير مشترطة بحالته النفسية، بقدر ما تلائم عوامل التربية السمعية والذوقية لديه.

لو أخذنا، على سبيل المثال، حافلة مخصصة لنقل الركاب. تسير العربة في طريق فرعي داخل أحد الأحياء الشعبية، يوجد في داخلها أفراد من جنسيات مختلفة، وكل فرد فيها يختلف عن الآخر بالعمر والجنس والطبقة. يضبط السائق مؤشر الراديو على أغنية شعبية استهوته فتوقف عندها. هنا، ستطفو لدينا مؤشرات الاستجابة لدى كل من السائق وباقي ركاب الحافلة. السائق في حالة استمتاع وانسجام هو وثلاثة عمّال بسطاء يجلسون في المقدمة. الطبيب في حالة انزعاج والمرأة الحامل منهكة وستخرج من الحافلة من فورها، بينما الشاب المراهق في الزاوية البعيدة يستمع لأغنية أجنبية من نمط الهارد روك عبر سماعات الأذن. هذه النماذج القليلة، ترسم لنا الدائرة العاطفية والسلوكية لدى الفرد. وبناءً عليها، نستلهم شكل عمليات التواصل والتفاعل بين الأفراد، ما يسمح لنا بالذهاب نحو طبيعة البلورة الاجتماعية – الثقافية للشخصيات.

سنفترض أن الطبيب يقود سيارته الخاصة، وبرفقته بعض الزملاء في المهنة. التصورات الأولى المنطقية للموسيقى التي سيختارها الطبيب قد تنحصر بين أعمال كلاسيكية شرقية ربما، أو غربية. وهذا افتراض يعتمد على سن الطبيب إذا كان في الخمسين أو الستين من عمره. أما إذا كان في الأربعين وما دون، فقد يتجه موضوع الاهتمام نحو الموسيقى الدارجة ويحتمل الكلاسيكية أيضاً. وفي جميع الحالات، يبقى المعيار الانتقائي مرهونًا بالظروف والعوامل كما أشرنا سابقًا. فلو كانت ترافق الطبيب زوجته وطفلاه الصغيران، فسنقع حتمًا في ترتيب وذوق مختلفين عمّا سيختاره الأب من موسيقى أثناء القيادة. سنضيف على الأمثلة السابقة التي تناولناها، بشكلها ومضمونها، أذواقًا أخرى لمستمعين مختلفين. فهناك المهندس والشيخ والضابط والحداد والمحامي والطالب والموظف إلخ… جمهور متنوع ومتعدد. تجتمع فيهم سمات راديكالية بنيت على أسس أيديولوجية خاصة، سواء سياسية كانت أو دينية أو حزبية أو نقابية أو غيرها.

هذه الأسس، بحسب ما ورد في كتاب “علم نفس الجماهير”، للفيلسوف والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، تشكل الوحدة الذهنية التي يمتلكها الجمهور النفسي. فنستمع في عربة نقل العساكر، غالبًا، إلى أغانٍ وطنية وثورية. وفي حافلة طلاب المدرسة إلى أغانٍ دارجة أو شعبية، وأحيانًا وطنية. بينما ناقلة موظفي الوزارة ربما تبث أغاني هادئة. غير أن عملية الاختيار النمطي للشكل الموسيقي لدى تلك النماذج، ستتجرد من سمتها الجماعية الطبيعية، لصالح التذوق الفرداني، إذا ما تم تحييد طبيعة الجمهور. فلوبون يرى “أن كل فرد ينتمي إلى عدة أرواح جماعية: روح عرقه، طبقته، طائفته، بيئته الاجتماعية…”. وهذا ما يشير إليه، أيضًا، إميل دوركهايم، عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، بقوله: “كل شخص يتبع شبيهه المجاور له. والحشد الكبير يجرف الفرد معه مثلما يجرف السيل الحجارة المفردة التي تعترض طريقه، مهما تكن الطبقة التي ينتمي إليها، وأيًا تكن ثقافته أميّة أم عالمة جدًا”.

ولعل هذا خير توصيف نطبقه على الشخص المرافق لمجموعة أصدقاء داخل سيارة تمضي في نزهة خاصة أو رحلة ترفيهية أو سفر، وتستمع إلى أنماط موسيقية مختلفة وعشوائية. فسطوة الموسيقى، هنا، لا تناط بالذوق الخاص لكل فرد في هذه السيارة، بل هي حالة نفسية جماعية خاصة، التأمت فيها مكونات طبقية وطائفية وعرقية بشكل غير متمايز، جرّت الجميع إليها بشكل تلقائي، من دون أن تخضع لقيود واعتبارات غير التأثيرات الهرمونية والوظائف الدماغية لدى الجميع. وهذا ما يسمى بـ”العدوى” أو “التحريض”، بحسب لوبون. بينما يسميها سيغموند فرويد بالطاقة الشبقية الحيوية التي تتمثل فيها غريزة الحياة “الليبيدو”.

في سياقها الخاص، تقترن ظاهرة الاستماع إلى الموسيقى أثناء القيادة، بشكل كبير، بالعوامل المعرفية، تغذيها مشاعر جمالية خاصة. ولكنها في سياقها العام، تقترن بالقضايا والبيئات والخلفيات الاجتماعية والثقافية. وكما تؤثر الموسيقى على إدراكنا للعالم والبشر، فإن سائق السيارة، وفق نمط الموسيقى التي يختارها، ستعكس شكل إدراكه للبيئة المحيطة به ومدى ارتباطه وعلاقته بها.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة