الرئيسية / عالمية/

الوقت مبكر للنصر أو الاحتفاء

F416A84E FFF4 4B7F 96DA C128285F38F3 - الوقت مبكر للنصر أو الاحتفاء

كانت محاولة الإخلاء القسري لبيوت الفلسطينيين وإحلال مستوطنين فيها في حي الشيخ جرّاح في القدس الشرارة الحقيقية للمواجهات الفلسطينية مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وشرطته وقطعان مستوطنيه في القدس والضفة والأرض المحتلة عام 1948، إذ شكلت قضية حي الشيخ جراح في القدس “لحظة مكثفة” لحقيقة ما حدث عام النكبة، وكشف فاقع لطبيعة إسرائيل العنصرية بوصفها “نظام أبارتهايد” شديد الفجاجة. أيقظت قضية حي الشيخ جرّاح مشاعر الغضب الفلسطيني إلى ذرىً لم تبلغها من قبل، وطبعت “الهبّة الفلسطينية” بطابع التحوّلات التاريخية الكبرى التي يُقدم عليها شعبٌ طال أمد اضطهاده، وتجاهل معاناته 73 عاما هي عمر النكبة. ومن هنا، يختلف مفهوم النصر ومعناه وجدوى المواجهات الشعبية في شوارع فلسطين عن تلك المواجهات العسكرية وكلفتها العالية التي تبلغ في كل معركةٍ تخوضها غزّة مع الكيان الصهيوني حدا يفوق الخيال، إن في مئات الضحايا من المدنيين وآلاف البيوت المدمّرة والمنشآت والبنى التحتية.

توقف ضجيج المعارك بعد 11 يوما من بدء إطلاق صواريخ غزّة، تمكّنت فيها حركة حماس ومعها الجهاد الإسلامي من تكبيد العدو خسائر موجعة، وصلت إلى مديات في العمق الإسرائيلي، لم تكن تصل إليها في الحروب السابقة، وشكلت مفاجأة باهرةً ألهبت العواطف الفلسطينية، وزادت من زخم المواجهات الشعبية في القدس والضفة الغربية وأراضي 1948. وأعلن وقفا لإطلاق النار غير مشروط من الجانبين، بوساطة مصرية مدعومة أميركيا فجر الجمعة 21 مايو/ أيار 2021، تبعته احتفالات حمساوية بالنصر ودماء عشرات ضحايا العدوان في غزة لم تجف بعد، فضلا عن مئات الإصابات وآلاف البيوت المدمرة.

تحوّلات إيجابية عظيمة في المشهد الفلسطيني في الداخل والخارج، سجّلت فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي تقدّما ملحوظا على صعيد المقاومة المسلحة

اتّفق على وقف إطلاق النار من غير أن تعلن إسرائيل عن تراجعها عن طرد أهالي حي الشيخ جرّاح، واستمرّت في انتهاك باحات المسجد الأقصى التي كانت الهدف المعلن من “حماس” من إطلاق معركة الصواريخ. عن أي نصر تتحدّث حركة حماس؟ ألهبت إنجازات أبطال كتائب القسام البواسل المشاعر الفلسطينية، إذ شفت غليل الفلسطينيين في الداخل والخارج بصواريخهم محلية الصنع، كما تكتيكاتهم العسكرية والنفسية. هذا صحيح، لكن المشاعر الفياضة شيء والتقييم الدقيق للإنجازات، مقارنة بالتحولات التاريخية الكبرى وعودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، شيء آخر. تحولات ستقود المسار الوطني للنضال الفلسطيني إلى حقبة جديدة من نوعية الصراع وتنوع أدواته، سيما إذا ما تم استثمار هذه التحولات ومراكمة الإنجازات التي تحققت، خصوصا مع دخول فلسطينيي 48 على خط المواجهة المباشرة مع شعبهم في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات اللجوء وعموم الشتات، وبزخم غير مسبوق. فضلا عما بدا من عزم لدى الأجيال الشبابية في فلسطين التاريخية والشتات على استعادة زمام المبادرة من قياداتٍ مترهلةٍ لا تليق بأبناء شعب فلسطين، في الأراضي المحتلة عام النكبة والضفة وغزة. قيادات تمادت في تكريس حالة الانقسام وفي التنافس الأناني على السلطة “والتسلط” في غزّة ورام الله، ضربت بعرض الحائط مصالح الشعب الوطنية في حقبةٍ من الانقسام امتدت عقدين ونيف، وأصابت بعدواها الداخل الفلسطيني، وأدّت إلى انشطار القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست في مارس/ آذار الماضي. من حقنا أن نتساءل، وقد خبرنا السلوك الانقسامي سنوات طوال: ما الذي تبدّل حتى يطمئن الشعب الفلسطيني بأن هذه الإنجازات سيتم استثمارها بمراكمة الإنجازات وتجذير التحولات؟ هذه الهبّة الشعبية الباهرة لم تقم فقط لمواجهة انتهاكات الاحتلال ونظام الأبارتهايد، بل أيضا لتقدم البديل الوطني لحالة الانقسام والترهل والخنوع والتأزم وانسداد الأفق، بل والتسلط على رقاب الفلسطينيين أيضا. لا يمكن إنكار إنجازات كتائب القسام والجهاد الإسلامي، وليس الهدف من التساؤل تبخيس حق المنتشين بالنصر في إنجاز نقاط متقدمة وكسبها، فالمبالغة في حجم النتائج يمكن أن تضرّ بمجرى النضال. وهنا نعود لنسأل، وحقنا أن نسأل: عن أي نصرٍ يتحدّثون؟ إذ لم تتحقق أهداف الحملة العسكرية التي شنّتها “حماس” بعد إطلاق تهديدات تحذيرية لإسرائيل بالكفّ عن انتهاكاتها في المسجد الأقصى وحي الشيخ جرّاح. بل بالعكس، تواصل إسرائيل انتهاكاتها العنصرية بحق حي الشيخ جرّاح، وبدرجة أكبر مما فعلته قبل المعركة. إذ فرض الاحتلال حصارا أكثر تشدّدا عليه، يمنع الدخول إليه أو الخروج منه، بل وامتدت انتهاكاته، لتشمل في الإخلاء القسري بيوت الفلسطينيين في حي سلوان جنوب المسجد الأقصى، وتمهد لفعل الشيء نفسه في حي البستان، وغيره من الأحياء المقدسية، ضمن خططها لتهويد القدس. وفوق ذلك، أجرت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الشبان والشابات الفلسطينيين في حيفا ويافا واللد والرملة وأم الفحم، بلغت 1500 معتقل ومعتقلة في ليلة واحدة، مباشرة بعد قرار وقف إطلاق النار. ناهيك عن تواصل المواجهات في أراضي 48 والضفة الغربية والقدس، مع استمرار العوامل التي تدفع العدو إلى خرق وقف إطلاق النار، فالأمر، أمر هذه الحرب لم ينته بعد .. أيضا.

اعتماد الأدوات النضالية الشعبية غير المسلحة أكثر إيلاما وإرباكا لعدو متغطرس، يملك من الأسلحة ما هو أكثر فتكا

هنالك تحوّلات إيجابية عظيمة في المشهد الفلسطيني في الداخل والخارج، سجّلت فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي تقدّما ملحوظا على صعيد المقاومة المسلحة. لكن هذا التقدّم لا يستوي مع رفع صور القائد الإيراني المغتال، قاسم سليماني، في شوارع غزة. إذ في الأمس القريب أبيد مخيما اليرموك وحندرات في سورية أمام عينيه، ولم يحرّك ساكنا ليمنع ذلك، وهو الآمر الناهي في سورية الأسد في ذلك الوقت. كما لا يستوي إهداء “هذا النصر”، أو أيا تكن تسميته، “إنجازا” للجمهورية الإسلامية الإيرانية. أقله ما يحمله ذلك من استفزاز شديد للشعوب العربية في العراق وسورية واليمن ولبنان، لما تسبّبت به إيران، وما تزال، من معاناة لهذه الشعوب. معاناة تعدّدت أشكالها ومستويات توحشها، فاقت بضحاياها ما أقدمت عليه إسرائيل منذ النكبة. وهذا ما يؤرّق فلسطينيين كثيرين وموضع جدال كثيف لدى النخب الفلسطينية والعربية والدولية على السواء، ممن يناصرون القضية الفلسطينية، ويؤمنون بعدالتها. وإنْ علينا أن نقلق بهذا الشأن، فهو قلق يتبدّد مع ما حقّقته الهبة الشعبية في القدس والضفة ومدن فلسطينية كبرى في الداخل الفلسطيني من تقدّم وصعود كبيرين، سيما على صعيد الذات الوطنية الفلسطينية الجامعة المستقلة. هو تحوّل تاريخي أعاد الصراع مع الاحتلال الصهيوني إلى جذوره الأولى. وإن كان ذلك مشروطا بالاستمرار في الهبّة أو الانتفاضة، أيا تكن التسمية، وجعلها فعلا دائما وشاملا، تتنوع فيه أساليب النضال الوطني الفلسطيني المتجدّد في داخل فلسطين التاريخية، وتستمر معه حراكات الشتات واستقطاب التضامن العالمي مع فلسطين رمزا للحرية والكرامة والعدالة، فهذا الطريق هو طريق التحرير.. طريق النصر. وإن لم ننتصر بعد، ندرك هذا أيضا، لكن الحالة التي نعيشها اليوم هي حالة فرح وبارقة أمل. أعادت للفلسطينيين إلى بعضهم بعضا، بعد أن باعدت بينهم النكبة والمسافات وسنوات الانتظار. يحتضنون بعضهم بعضا، ويتعانقون في مسيرة التحرّر المتجدّدة التي خبت شعلتها بعض الوقت، بانتظار معجزة، وها هي المعجزة قد أتت على شكل ولادةٍ جديدةٍ يتعين الحفاظ بعدها على المولود الجديد ليكبر ويشتدّ عوده، من غير أوهام أو مبالغات، كي لا تجهض الإنجازات. وذلك عبر مواصلة الهبّة الشعبية الشاملة وتجذيرها في أماكن تجمعات الشعب الفلسطيني كافة، وعبر استثمار التحولات والإنجازات ومراكمتها أسلوبا جديدا وفعالا لتفكيك الاحتلال وزعزعة طمأنينته على المستويات كافة، في داخل فلسطين والشتات. بما يسمح “بتعطيل” القدرات العسكرية المتفوقة لجيش الاحتلال بخوض النضال في الشوارع ومواقع التواصل الاجتماعي عبر العالم، وفي المحافل الدولية وهيئات المجتمع المدني والمنظمات الدولية الحقوقية، كما البيئية والنسوية .. بالتوازي مع المواجهات الشعبية المستدامة، ومع الاحتفاظ بحق الشعب الفلسطيني المشروع باللجوء إلى المقاومة المسلحة بالحدود التي لا تتسبّب بدفع أثمان باهظة من دماء الشعب وممتلكاته ومعيشته الكريمة، شرطا ضروريا لأية معركة مقبلة، فاعتماد الأدوات النضالية الشعبية غير المسلحة لهو أكثر إيلاما وإرباكا لعدو متغطرس، يملك من الأسلحة ما هو أكثر فتكا وتفوقا، فضلا عن أنها أساليب أقل كلفة وأكثر فعاليةً بديمومتها في كشف الوجه العنصري الحقيقي والقبيح لدولة الاحتلال ومستوطنيه للعالم كله.

اليوم لدينا فرصة، ولكن التجارب علمتنا أن نحذر من الأقرباء قبل الغرباء، ومن الأصدقاء قبل الأعداء، وأن ننتبه لكل ما يحاك حولنا ولنا ونحن في ذروة الانتشاء، فعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي تحققت، ما زال الوقت مبكرا للنصر أو الاحتفاء.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة