الرئيسية / عالمية/

بشير أبو منّة: "الرواية الفلسطينية" من مقاومة الواقع إلى تحديثه

1 3 3 - بشير أبو منّة: "الرواية الفلسطينية" من مقاومة الواقع إلى تحديثه

يقرأ الناقد الفلسطيني بشير أبو مَنّة الأدب في دراساته من زاوية تقاطعه مع التاريخ والفكر والتحوّلات الاجتماعية والسياسية، وقدرة الكتابة على اختبار الواقع وإيجاد مساحة موازية للتعبير عن حقائقه ومحطّاته الأساسية سواء من خلال أسلوبه في توثيقه، أو في النظر إليه بعين نقدية، أو في توليده للأفكار التي تنزع إلى تجاوز الماضي وهزائمه في اللحظة الراهنة.

في النسخة العربية من كتابه “الرواية الفلسطينية من سنة 1948 حتى الحاضر”، التي صدرت حديثاً عن “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” بترجمة مصعب حَيَاتلي، يقدّم تفسيرات لافتة حول علاقة المثقف بالسياسة ووسائله في التحريض الذي تتخذ الذاكرة جزءاً أساسياً منه، ومقاومة الهزائم التي لا تزال رواسبها عالقةً فيها، والدفع بأسئلة التغيير الملحّة والحرجة في آن.

يختار أستاذ أدب ما بعد الاستعمار أعمالاً مؤسِّسة في السرد الفلسطيني المعاصر اتكأت بدايةً على تصوّرات واقعية قدّمها جبرا إبراهيم جبرا في مواجهة قمع السلطتين الاجتماعية والسياسية، ثمّ يُعرّج على دور غسّان كنفاني وارتباطه بالعمل الثوري وتكريس أخلاقياته، وإميل حبيبي ومفهومه تجاه التحرّر، مروراً بسحر خليفة وتطويرها في كتاباتها مفهوماً نسوياً ترتكز فيه حرية المرأة في التعبير على المساواة الاجتماعية، إلى جانب عمليْن للكاتبيْن الفرنسي جان جينيه وإيمانه بمواجهة الفلسطيني للهيمنة الغربية وأدواتها، واللبناني إلياس خوري الذي يكرّس الأمل بوعدٍ ينهي الواقع الذي لا يُنكر جميع خساراته.

إرث المثقف التنويري
يستعيد أبو مَنّة لحظة درامية في الثقافة العربية تتمثّل بتدمير بيت جبرا في حيّ المنصور البغدادي سنة 2010، والذي حافظت عليه عائلته منذ رحيله عام 1994، لكن انفجاراً في بلد وقع رهين الفوضى بعد قدوم المحتلّ الأميركي تسبّب بضياع آلاف الرسائل تلقاها الراحل من طليعة كتّاب العالم العربي، ولوحات لأبرز الفنانين العراقيين من أمثال جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وسعاد العطار، بالإضافة إلى عدد من الكتب والمخطوطات، منها أعمال لجبرا لم تُنشر، وتسجيلات لأمسيات وجلسات أدبية احتضنتها الدار في النصف الثاني من القرن العشرين.

واقعةٌ لا تنفصل عن مسار رحلة طويلة للاجئ فلسطيني تشرّد من مدينته بيت لحم ووجد ملجأ آمناً في بغداد الصاخبة خلال الخمسينيات، والذي رأى بعين ثاقبة أن طريق العودة إلى القدس “يمرّ بالتنوير والتحديث”؛ إلا أن مآلات العدوان الذي شنّته الولايات المتحدة من دمار وخراب واحتراب على أسس طائفية ودينية؛ سيقود إلى طرح فرضية هذا الكتاب حول إمكانات الرواية، والرواية الفلسطينية بصورة خاصة، في “إعادة بناء المخزون الثقافي للنهضة العربية الثانية” الذي فُقد بدمار منزل جبرا، بحسب مقدّمة الكتاب.

يقدم تفسيرات لافتة لعلاقة المثقف بالسياسة ووسائل تحريضه

يرى أبو مَنّة أن الرواية أضحت الشكل الأدبي العربي “الأنسب لتصوير الوضع الاجتماعي المتخيّل لحقبة تاريخية بأكملها، وخصوصاً بفضل الوضعين الاجتماعي والسياسي للفلسطينيين بعد النكبة، كلاجئين مهجّرين مشتتين في جميع أنحاء العالم العربي، وكونهم أكثرَ من تضرّر في الوقت نفسه من الأوضاع السائدة فيه”، مشيراً إلى نقطة حاسمة تتصل باعتبار الروائيين الفلسطينيين “التضحيةَ بالنفس سبيلاً للخلاص الجماعي”.

استناداً إلى تنظيرات الفيلسوف الهنغاري جورج لوكاتش حول استجابة الرواية للتغيرات التاريخية الحاسمة والتحولات الثورية الديمقراطية، يشتغل الباحث على بناء إطار نقدي لدراسة الرواية الفلسطينية، وكذلك توظيفه مفاهيم مرحلة ما بعد الاستعمار، ومقاربة تصاعد التاريخ كتجربة اجتماعية وحياة شعبية، والثورة البرجوازية، والثورة الجماهيرية، والمضطهدين كموضوعات قضايا تاريخية، من خلال قراءة جملة أحداث ومحطات تبدأ مع الثورة الفلسطينية عام 1936 التي كانت ضد الاستعمار والإقطاع معاً، مروراً بالنكبة حيث ارتبطت الرواية العربية بعدها بجيل آمن بالتحرّر من الاستعمار وبقيم الحداثة، والذي يمكن تلخيصه بمقولة “التحديث أو البناء”، وفق الكتاب.

الرواية في زمن الثورة
وتصبح هنا الثورة بمدّها وجزرها الرفيق الحقيقي للرواية الفلسطينية، وفق منظور أبو مَنّة، حيث تعمّق الواقعية التي تولّد بدورها أكثر الروايات الفلسطينية شهرة وأوسعها قراءة منذ سنة 1948، مؤكدّاً أن ما انتهت إليه الوقائع من هزيمة وخوف يحاصران المثقف، يطرح أسئلة عن مهمّة الرواية في زمن الثورة، مستعيراً لوكاتش في رؤيته للفن العظيم الذي يتميز بقدرته على النفاذ إلى عمق الواقع، وأدورنو في تعظيمه للحداثة بوصفها فن المقاومة ضدّ محاولات إنهاء الثورة.

في تقديمه، يكثّف إلياس خوري خلاصات الكتاب بالقول إنه “يضع الرواية الفلسطينية في سياقاتها النظرية ويربطها بدور الكتّاب الفلسطينيين في تأسيس النهضة العربية الثانية، التي حطّمها مزيج من الاستبداد والعجز والهزائم”، منبهاً إلى أن “فكرة فلسطين تتشكّل من عناصر متعدّدة نجدها منتشرة كنثار الضوء في سطور الروايات، كأن الرواية كانت الأرض التي صاغت الرموز الفلسطينية الأساسية التي شكّلت الهوية الفلسطينية”.

يحلّل الفصل الأول مشروع جبرا إبراهيم جبرا  (1920 – 1994)، الذي يستمدّ ركائزه من فكرة التنوير كمعادل للتحرّر من الجهل وقيود السلطة وبناء عالم جديد بدأه منذ “صراخ في ليل طويل”، التي يمكن اعتبارها أول رواية فلسطينية – بالمعنى الجدّي للكلمة، إذ تعبّر بوضوح وحدّة عن رفضها التامّ للإقطاع وانتقادها لبنى المجتمع المحافظة، اللذين يجسّد الخروج عنهما أولى خطوات مناهضة الاستعمار، وهنا يكسر العمّال والفنانون والمرأة الأكبال التي قيّدهم بها الإقطاعيون المسؤولون هم أنفسهم أيضاً عن ضياع فلسطين.

مسألة مهمّة يطرحها الروائي الفلسطيني في روايته “صيادون في شارع ضيّق”، وتعكس جوهر قناعاته الفكرية بأن التضحية طريق للخلاصين؛ الفردي والجماعي، كما يبيّنها الكتاب، فإنقاذ الفرد هو بالضرورة نتيجة صراعٍ ونضال ضدّ النظام الاجتماعي، بل هو شرط أساسي لإنقاذ الجماعة، وبذلك تغدو التضحية شكلاً من أشكال الحرية. أما رواية “السفينة” التي كُتبت رداً على نكسة 1967، وبعدها رواية “البحث عن وليد مسعود”، فإنهما تشتركان إلى حدّ بعيد في تمثّل لحظة الخلاص ولحظة الهزيمة معاً، وكأن الأمل واليأس هما اللذان ينسجان أقدار الفلسطينيين والعرب.

يستعير المؤلّف من إلياس خوري ما كتبه يوماً: “إذا كان جبرا قد ارتكب خطأ فإنه يكمن في رؤيته للتغير من منظور ثقافي بحت، ذلك أن استراتيجيته الثقافية ترقى بالفن ليصح عامل التغيير الاجتماعي الشامل والوحيد، وهو في الوقت نفسه مصدر قوة الصور والرموز الأدبية في رواياته”.
                                                  
أخلاقيات الأدب الملتزم وسؤال الحرية
بالانتقال إلى غسّان كنفاني  (1936 – 1972)، في الفصل الثاني، ثمّة توقّف عند رؤيته للأدب الملتزم من موقعه في التيار الراديكالي الذي ميّز جيل ما بعد النكبة في معارضته المطلقة لهيمنة الغرب والأنظمة العربية، وعلى الكاتب الملتزم أن يرتبط بقضايا مجتمعه والانتماء إلى الطبقة العاملة التي تحمي المقاومة، ويناصر جميع ثورات التحرّر في العالم، ويدرك ارتباطه العضوي الراسخ بعمقه العربي.

قدّم الروائي الفلسطيني محاولة إبداعية مدروسة، بحسب أبو مَنّة، في إدراك معنى المقاومة في كونها تحريراً للنفس على أسس أخلاقية، بمعنى أن الفاصل بين حركة وطنية تقدمية ما وبين أخرى عماده الجانب الإنساني، فالنضال الفلسطيني موجّه ضدّ الاستعمار والاستبداد، وهنا لا يمكن للأدب إلا أن ينحاز إلى قيم الحرية والعدالة والإنسانية العالمية. استطاع كنفاني تحييد الشعارات الرومانسية الصاخبة، في زمنه، عن رواياته التي كتبها، مثل “رجال في الشمس” و”ما تبقّى لكم” و”عائد إلى حيفا”، سواء في تناوله العمّال الفلسطينيين المهاجرين أو ازدواجية النخبة المثقفة في التعامل مع الجماهير أو نقد الثورة وغيرها من القضايا، إلى تلازم التغيير الاجتماعي والسياسي اللذين لا يمكن الفصل بينهما، بحسب الكتاب.

يستعيد الكتاب لحظة تدمير بيت جبرا في بغداد سنة 2010

يعتبر أبو مَنّة في الفصل الثالث أن إميل حبيبي (1921 – 1996)، في روايته “المتشائل”، كان “أفضل من مثّل عزلة فلسطينيي الـ48 السياسية والفعلية”، عبر استعراضه لتقلّبات أوضاع أبي سعيد وحياته وتعامله مع العدو وسجنه الممتدّ بين عامي 1948 و1967، من خلال قدرته على تصوير الرواية لطبيعة ما حدث معهم بعد النكبة والاضطهاد الذي بتعرّضون إليه والتلاعب بمصيرهم، ولجوئهم إلى الخيال بديلاً عن الواقع. وينتبه إلى أن الرواية تمهّد للكتابة كخلاص، في تحريضه على رفض القمع والنفي والصمت عبر الكتابة نفسها، للتعبير عن الذات وأهمية الوعي بالتاريخ واستكشاف إمكانياتها، لتكتمل بذلك رؤيته الخاصة لمسألة الحرية.

هزائم عديدة وأمل واحد
في الفصل الرابع، يقارب أبو مَنّة ثلاث فرضيات تشكّل منظور سحر خليفة (1941)، وخياراتها الجمالية، والتي يمكن تلخيصها كالتالي “تشكل الضغوط الخارجية دليلاً على الضعف الداخلي، ولا يمكن لأي مجتمع يضطهد أياً من أفراده أن يكون حرّاً بأي شكل من الأشكال. وبالتالي، لا مناص من تلبية المطالب التقدمية الاجتماعية إذا ما كان المجتمع يسعى لإطلاق طاقاته الشعبية المساهمة المناضلة”. ويولي أهمية لنظرة الروائية الفلسطينية التي توضّحها جميع أعمالها حول تعثّر كلّ محاولات التحرّر في المجتمع الفلسطيني المحتلّ، مؤمنة أن سعيها للقضاء على الاستعمار – على أولويته – ليس كافياً لتحقيق الحرية التي تقوم على التحرّر من جميع أشكال القمع والاضطهاد الاجتماعي والسياسي، ملتزمة بذلك بنظرية فرانز فانون في مناوأة الاستعمار، على حدّ وصف الكتاب. 

في أقل من عشر صفحات، يناقش المؤلّف رواية “سجين الحب” لجان جينيه (1910 – 1986)، الذي أُعجب بالفدائيين الفلسطينيين بسبب سخط الأنظمة العربية والقوى الإمبريالية عليهم، فاعتبر ثورتهم ثورته وانخرط فيها كعنوان عدائه لأوروبا المستغلِّة، ومن خلالها يصوغ علاقته بنظرائه من المضطهدين، دون أن يُخفي صراحته أن هذه الثورة سحرته ولم تقنعه، في إشارة منه إلى الخلط بين مفهومي الحرية والاستقلال وتحكّم المؤسسة بمصيرها.

في خاتمة الكتاب، يقرأ أبو مَنّة رواية “باب الشمس” لإلياس خوري (1948)، الذي يرى أن ما تبقّى لنا – ويحول دون الموت – هو الاستمرار في سرد القصص وإحياء الذاكرة، مشيراً إلى أن بطلها في غيبوبة، و”هو بحدّ ذاته تحوّل نوعي ملحوظ عن أبطال الرواية الفلسطينية الذين التقيناهم عند جبرا على سبيل المثال..”، موضحاً أن زمن الخلاص الذي بشّر به الروائيون الفلسطينيون الأوائل انتهى، حيث لم يترك التصدّع والتشتت فرصة للتعافي. ويخلص إلى أن الروائي اللبناني بما قدّمه من قصص وشخصيات وتفصيلات، فإنه “يلبّي دعوة إدوارد سعيد إلى مقاومة (سياسة التفاصيل) الصهيونية الهادفة إلى تجريد الفلسطينيين من هويتهم، عبر استراتيجيا تفصيلات فلسطينية، تستند إلى صلابة الواقع والتفصيلات والملموس، لا إلى عموميته”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد سعيد
يعد بشير أبو مَنّة أحد أبرز الأسماء النقدية الفلسطينية، وهو محاضر في أدب ما بعد الاستعمار ومدير “مركز دراسات الاستعمار وما بعد الاستعمار” في “جامعة كِنت” البريطانية. صدرت له دراسة بعنوان “الأدب القصصي في مجلة New Statesman البريطانية، 1913 – 1939” (2011)، كما قام بتحرير مقالات حول إدوارد سعيد وأصدرها في كتاب “ما بعد سعيد: الدراسات الأدبية ما بعد الاستعمار في القرن الحادي والعشرين” (منشورات جامعة كامبريدج، 2019).
 

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة