الرئيسية / عالمية/

فريدا كالو: تلك الآلام التي غادرت البيت الأزرق

517326640 - فريدا كالو: تلك الآلام التي غادرت البيت الأزرق

رغم رحيلها قبل 67 عاماً، أصبح حضور اسم فريدا كالو حولنا بارزاً أكثر من أيّ وقت مضى، بل يزداد يوماً بعد يوم. ويبدو أنّ كنز الصور المكتشف أعاد صاحبته وأعمالها إلى الواجهة. هذا ما يؤكّده المعرض الذي تستضيفه مدينة غنت البلجيكية حالياً، تحت عنوان “فريدا كالو: صورها”، متضمناً 241 صورة من هذه الخبيئة، فيما يكشف الكثير منها لنا جوانب مجهولة في حياة فريدا كالو المتمرّدة، خصوصاً سنوات النصف الأول من القرن العشرين الذي عاشت فيه، ويوضّح بعض أسرار تلك الكاريزما الخاصة التي ما زالت تملكها هذه المرأة المكسيكية حتى اليوم في المخيال الفني والأدبي، بل التجاري أيضاً.

من الحقائق الأخرى التي يكشف عنها المعرض الجديد لصور فريدا، أنّ الخبيئة التي تم الإعلان عنها عام 2004، لم تحتوِ فقط على 6 آلاف صورة فوتوغرافية، بل عثر أيضاً على ألفي رسالة ووثيقة شخصية، إضافة إلى ساقها الاصطناعية.
وفي كتيب المعرض، نعثر على المزيد من التفاصيل: تم إخفاء الصور لمدة 50 عاماً في حمّام “البيت الأزرق” الذي عاشت فيه كالو مع زوجها دييغو ريفيرا، وعندما رحلت فريدا سنة 1954، أهدى زوجها البيت إلى الشعب المكسيكي، فكان مقراً لمتحف فريدا كالو الموجود حتى يومنا هذا، وحينها وضع ريفيرا جميع دفاترها وخطاباتها وكلّ الوثائق والمتعلقات الشخصية لزوجته في ذلك الحمام، بما فيها حتى علب الأدوية ومشدات الظهر التي كانت ترتديها أثناء مرضها لشدّ عمودها الفقري، وأغلق الباب، ثم أعطى المفتاح لأحد أصدقائه المقرّبين، وطلب منه ألّا يفتح هذه الغرفة إلا بعد 15 عاماً.

الألم حين يصبح فناً
لم يعش دييغو ريفيرا طويلاً، حتى يقرّر شيئاً بخصوص متعلّقات زوجته المخبّأة في الغرفة المغلقة، بل مات بعد ثلاث سنوات فقط من رحيل فريدا. ويبدو أنّ الصديق الذي يملك المفتاح قرّر هو الآخر تجاهل ما في الخبيئة من أسرار، ولم تفتح الغرفة إلاّ عام 2002، ليتم الإعلان عن محتوياتها في 2004، بمناسبة مرور 50 عاماً على رحيل كالو.

شيء آخر تكشف عنه هذه الخبيئة الضخمة من الصور، هو ولع كالو الخاص بالتصوير الفوتوغرافي كفنّ له سحره المختلف، وربما يكون هذا هو السر في أنّ كالو رسمت لنفسها 55 بورتريهاً ذاتياً، بما يجعلها ملكة “السيلفي” بمنطق اليوم. نستطيع الاستشهاد هنا بمقتطف من المقدّمة التي كتبتها الناقدة باتي ديلانغه في كتيب المعرض: “أعتقد أنّ كلّ جيل يجد في فريدا شيئاً ما يخصّه، فيتمسك بها أكثر كرمز، صار يُنظر إليها اليوم على أنّها أيقونة، بوصفها رسامة غرّدت خارج السرب، كما بوصفها امرأة كسرت المحرمات. كانت كالو متحرّرة الروح، أتأمّل صورها اليوم وأندهش من إهمالها المتعمّد لجمالها، حاجبان متّصلان في خط مهمل وعريض، وشارب واضح فوق شفتيها، ورغم هذا تجدهما مطليّتين بالأحمر الزاهي، الأمر ذاته نجده في لوحاتها”.

يكشف المعرض عن جوانب مجهولة في حياة الفنانة المتمرّدة

نستطيع أن نضيف أيضاً أنّ مأساة كالو الصحية وصراعها الطويل مع الألم، جعلا منها أيقونة لدى العديد من النساء، فتأثرها منذ صغرها بشلل الأطفال، ثم حادث تصادم ترام سريع بالباص الذي تستقله عام 1926، جعل منها جسداً غير قادر على الحركة لمدة عام كامل. ونتيجة لهذا الحادث، لم تتمكّن كالو من الإنجاب مطلقاً. صحيح أنّها حملت أكثر من مرّة، لكنّ النهاية دائماً كانت الإجهاض، الذي نجد الكثير من تفاصيله في لوحاتها المعروفة: جسدها الممزق والحبل السري الذي يتدلى من بطنها، الأجنة الميّتة والدم الطافح من أماكن متفرقة من جسدها الراقد على الفراش… كلّها تفاصيل تتعلّق بالفقدان المتكرّر لحلم الأمومة لديها، والذي غالباً ما كان يتم التعبير عنه بشكل عنيف وجريء، كما لو كانت فريدا قد اتخذت من ألمها موضوعاً لعملها التشكيلي منذ اللحظة الأولى.

يضيء هذا الكنز الفوتوغرافي الكثير أيضاً من أسرار لوحات فريدا، خصوصاً تلك التي حققت لها شهرة لا بأس بها وسط فناني عصرها، حتى أنّ منظمي المعرض وضعوا صوراً للوحات التي استفادت فيها فريدا من صورها الفوتوغرافية، ما كشف الكثير عن أسلوب كالو الفطري في الفن، وأظهر بوهيميتها السابقة لزمنها، والتي ما زالت تثير المخيال الجمعي للحركات النسوية في جميع أنحاء العالم حتى يومنا هذا.

فريدامانيا
نعم، رسمت كالو نفسها في ما لا يقل عن 55 بورتريهاً ذاتياً، مع أزهار ملونة كبيرة في شعرها، وأزيائها التقليدية، محاطة بالقرود والببغاوات والطيور والنباتات الاستوائية. كان من الطبيعي أن ترسم كالو كلّ هذا العدد من البورتريهات لنفسها، بسبب ظهرها وحوضها المحطّم جراء الحادث الذي تعرضت له وهي في الثامنة عشرة. كانت راقدة وترسم بمساعدة المرايا وحامل صُمّم خصيصاً ليناسب رقدتها. ربما يوضح لنا هذا التفصيل أيضاً لماذا كان المنظور غريباً في أغلب هذه البورتريهات الذاتية التي رسمتها كالو أثناء فترة مرضها الطويلة، كما لو كانت الكائنات تطفو خلف كتفيها في مكان لا تحكمه الجاذبية، ما جعل أعمالها قريبة من العالم السوريالي، بالرغم من تشديدها أكثر من مرّة: “لست سوريالية، أنا فقط أرسم ما أحياه كلّ يوم من ألم”.

لم تغب ظاهرة شيوع صور فريدا كالو على مواقع الـ”سوشيال ميديا” أخيراً، ولدى الأجيال الجديدة خصوصاً، عن أنظار مجلة “فانيتي فير” الشهيرة، فوصفتها ذات مرة قائلة: “كالو هي البطلة الأنسب سياسياً لكل أقلّية مجروحة”. شهادة تؤكدها الأرقام، فحساب فريدا الرسمي على “إنستغرام” يحظى بمتابعة 1.2 مليون شخص حول العالم، وكانت خلال العام الماضي الفنانة الأكثر بحثاً على “غوغل” في 29 دولة. لم يتفوق عليها من أهل الفن سوى ليوناردو دافنشي.

وفي العام الماضي، أصدرت الكاتبة الأميركية أريانا ديفيس كتابها “What Would Frida Do?”، والذي تقدم فيه شخصية كالو كنموذج ملهم لملايين النساء اليوم. ولا ننسى أنّ حياة كالو انتقلت إلى السينما عام 2002 في فيلم من بطولة سلمى حايك، ما فجّر بعدها ما يشبه إعادة اكتشاف لشخصية فريدا السحرية، فبدأت عشرات الأعمال الوثائقية تتناول حياتها الصاخبة وغرامياتها المجنونة مع العديد من العشّاق والمشاهير.

كلّ هذا، وإرث فريدا التشكيلي ليس بالضخامة التي يتخيّلها البعض، فلم تترك سوى 200 لوحة فقط، الغالبية منها في المتاحف المكسيكية باعتبارها جزءاً من التراث الوطني، ونادراً ما تصل أعمالها إلى المزادات الفنية. لكن في عام 2016، استطاعت دار كريستيز للمزادات جني 8 ملايين دولار مقابل لوحة Dos Desnudos en el Bosque – La Tierra Misma لكالو. ثم نجحت كريستيز عام 2019 في بيع لوحة “بورتريه لسيدة ترتدي الأبيض” مقابل 5.8 ملايين دولار. وفي عام 2020، ظهرت لفريدا لوحة صغيرة في قاعة سوذبي للمزادات، لتباع في دقائق مقابل 2.7 مليون دولار.

بورجوازية الغرب
كذلك، استثمر مصممو الأزياء والموضة، وعلى رأسهم جان بول غوتييه Jean-Paul Gaultier وجيفنشي Givenchy، كلّ ما يحيط بظاهرة كالو في تصميماتهم، من لوحاتها وملابسها الملونة وتسريحات شعرها المزينة بالورود الزاهية، إلى خواتمها وأقراطها وحاجبيها المتّصلين في خط مستقيم. لتتحوّل فريدا كالو الشيوعية رمزاً يلصق على الجوارب والأحذية الرياضية وأكواب القهوة السريعة.

وفي عام 2017، وبعد 110 سنوات من ولادتها، ارتدت ألف ومائة امرأة ملابس فريدا كالو، في حيلة قام بها متحف دالاس للفنون للاحتفال بمولد الأيقونة المكسيكية الأشهر، لكنّها الحيلة التي كانت أيضاً سبباً في دخول المتحف إلى كتاب غينيس للأرقام القياسية. ويبدو أنّ رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي حاولت تقليد حيلة المتحف، فوضعت سواراً ثميناً في معصمها يحمل صوراً لكالو، نهاية 2017، لكنّها لم تقابل إلا بلغط الصحافة البريطانية لأسابيع طويلة، فكيف لسياسية بارزة من حزب المحافظين أن تشيد بفنانة شيوعية!؟

لم تعش فريدا كالو كثيراً، ولدت عام 1907 ورحلت في 1954. فقط 47 عاماً على هذه الأرض. كانت ابنة لامرأة مكسيكية من أصول إسبانية، ومهاجر من ألمانيا مولع بالتصوير الفوتوغرافي ومحترِف فيه، اسمه غييرمو كالو. أحبّت الطفلة الرسم “بدافع الملل”، إذ كانت تقضي الشهور في فراشها من دون أن تتحرك، ثم تزوجت من الرسام الشهير دييغو ريفيرا، وكان بيتهما الذي اشتهر باسم La Casa Azul أو “البيت الأزرق”، مكاناً لتجمّع العديد من الفنانين والناشطين اليساريين من جميع أنحاء العالم، كان من بينهم الفوتوغرافيون الثلاثة: نيكولاس موراي ومان راي وتينا مودوتي، والسياسي السوفييتي المنفي ليون تروتسكي. في ظلّ هذه البيئة والطبقة الاجتماعية الأعلى من عامة الشعب المكسيكي، ظلت فريدا كالو تظهر في صورها باستمرار وهي فخورة بثياب السكان الأصليين للمكسيك، في إشارة واضحة منها إلى نفورها من الطبقة البورجوزاية المتشبّهة بالغرب.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة