الرئيسية / عالمية/

صرعات الغرب المتفذلك

شوقي شمعون الصةرى التي كانت موجودة - صرعات الغرب المتفذلك

من الأهمية بمكان أن يتحلّى الواحد منا بدرجةٍ من الوعي والموضوعية، حين مراجعة الذات وتقييمها ومحاسبتها، والوقوف على مظاهر تحولاتها في زمنٍ متسارع ضاجّ بالمتناقضات، وتلك خطوة أولى في طريق الوصول إلى حالة التوازن النفسي، كي نظلّ متمسّكين بأسباب الطاقة الإيجابية في دواخلنا. وللأسف، هذا السلوك الواعي والحضاري الذي تحثّ عليه مدارس التنمية البشرية غير معترف به في ثقافتنا، فمن النادر جداً أن يعترف أيٌّ منا، مهما بلغت درجة ثقافته وإنجازه الأكاديمي والمهني، بنقاط ضعفه، وغالباً ما نواجه أيّ انتقاد، حتى لو كان ثانوياً، بأسلوب عدواني دفاعي، رافض للنقاش من حيث المبدأ. ويبقى الأمر محتملاً، وقابلاً للسيطرة، ما لم يصل إلى حدّ إنكار الأمراض النفسية، واضحة الأعراض التي يعاني منها كثيرون منا. لا نتحدّث هنا عن أمراض نفسية كلاسيكية، مثل الشيزوفرينيا والاكتئاب، بل أمراض يمكن اعتبارها حديثة نسبياً في قاموسنا، ومرتبطة بنمط الحياة المركبة التي نعيشها، غير أنّنا لا نلتفت إليها، بل نعتبرها من صرعات الغرب المتفذلك، ونرى فيها نوعاً من الدلع أو الترف الذي يخص طبقة بعينها. نرفض الاعتراف بها أساساً، ونواجهها بالإنكار والتجاهل والاستخفاف، مردّ ذلك الإنكار متعلق بالجهل المطبق بأهمية الطبّ النفسي، واعتبار كلّ من يزور طبيباً نفسياً “مجنوناً” بالضرورة.
ولعلّ ظروف حياتنا المعقدة والشائكة، والمليئة بالعنف والدمار، ساهمت في إنتاج أشكال جديدة من الأمراض النفسية لم تكن شائعة من قبل، يمكن أن نسمّيها أمراض العصر، مثل الرهاب المتعلق بالخوف الشديد من أشياء معينة، كرهاب المرتفعات والأماكن الضيقة والمزدحمة التي تدفع المصابين بها إلى العزلة الاختيارية، وتتنوّع أشكال الرهاب، حتى تصل إلى الخوف من بعض الأطعمة، حتى إنّ هناك حالات موثقة لرجال أشداء بشوارب كثّة يخشون من حبة البندورة!
ويعتبر مرض اضطراب الهلع، أو ما يعرف بنوبات الهلع، من أبرز هذه الأمراض. وبحسب علم النفس، يتعرّض المريض إلى نوبة مفاجئة من الخوف الشديد الذي يحفّز ردود أفعال جسدية شديدة، بينما لا يوجد في الواقع خطر حقيقي يهدّده. ومن مرّ بتجربة كهذه يدرك مدى خطورتها وجدّيتها، حين تعتقد أنّك تفقد السيطرة على جسدك، أو أنّك على وشك الموت، يُصاب ناسٌ كثيرون بهذا المرض النفسي، في حالات الحرب والأوبئة والكوارث الطبيعية، وعند فقدان عزيز أو في حالة فشل ذريع. وبطبيعة الحال، فإنّ الشخص الحسّاس هو الأكثر عرضة للإصابة.
أما القلق الدائم الذي يتوهّمه بعضهم أحد أعراض الكآبة فهو المرض الأكثر انتشاراً، خصوصاً في بلادنا، حيث يفتقد المواطن العربي، المهدّد في وجوده ولقمة عيشه، الإحساس بالأمان والاستقرار والعدالة والثقة بالمستقبل، ما يزيد من تفاقم ظواهر القلق والريبة والهلع، لتصبح ملامح مجتمعات بأكملها. يعرّف علم النفس القلق بأنّه حالة نفسية وفسيولوجية تتركّب من تضافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية لإنتاج شعور غير سارّ، عادة ما يرتبط بعدم الارتياح والخوف والتردّد. وغالباً ما يكون القلق مصحوباً بسلوكياتٍ تعكس حالة من التوتر وعدم الارتياح. وهذا ما يفسّر ملامحنا المتجهمة وعدوانيتنا اللفظية والمسلكية وأنانيتنا المفرطة في التعامل مع الآخرين وسيلة للدفاع عن الذات، خصوصاً في اللحظة الراهنة من تاريخنا، حيث تكرّس الظلم والفساد، وأُكل حق الضعيف، وهو ما يستوجب التوعية بضرورة الاعتراف بالطب النفسي اختصاصاً أساسياً، لا يبعث اللجوء إليه على الخزي والعار. ولا بدّ من إجراء دراساتٍ جادّة عميقة، يقوم عليها علماء نفس واجتماع وأخلاق، لعلّهم يفلحون في تشخيص هذه اللحظة الملتبسة بكلّ مبرّرات القلق والخوف من الغد الذي يظهر الغيب، في حين لا نملك أدوات حقيقية للتصدّي لها سوى الوقوع في مزيد من نوبات الهلع.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة