الرئيسية / عالمية/

يُغتصبون ويتأوهون من المتعة

دمشق - يُغتصبون ويتأوهون من المتعة

لا يخفى على السوريين، ولا على غيرهم، أن نظام الأسد يمتلك من قدرة الإجرام ما يجعله يفتك بأقرب المقرّبين له، إذا شعر بأنهم يتململون من سيطرته. حدث هذا مع أقرب المقرّبين له، حكاية مقتل “خلية الأزمة” عام 2012 خير مثال. أما ما حدث للشعب السوري الذي ثار وطالب بإسقاط النظام فسوف يبقى مثالا في التاريخ البشري على المعنى الحقيقي لجرائم الدولة. أكثر من مليون شهيد وستة ملايين مهجر، ومئات القرى والبلدات والمدن أصبحت خرائب وأنقاضا، ملايين الأطفال المتسرّبين من التعليم، مئات آلاف المعاقين والمصابين، ومئات آلاف المعتقلين والمخفيين، تغيير ديموغرافي لم يسبق له مثيل، استقدام احتلالات متعدّدة، وبيع سورية وتأجيرها لهم مقابل قتلهم السوريين، تهشيم العقد الاجتماعي السوري، ووضع البلد والمجتمع السوري في حالة حربٍ أهلية، حيث بات السوريون جميعا يعيشون تحت إحساس “يا قاتل يا مقتول”، ما جعل مجموعات من السوريين المؤيدين للأسد ترتكب من الجرائم والمجازر بحق جيرانهم ما يفوق الخيال، وجعل من تسليح الثورة انتقاما أولا قبل هدف إسقاط النظام، الذي لم يحدُث، ولا يبدو أنه سوف يحدث. أما عن الانهيار الاقتصادي وإعادة سورية إلى عصور ما قبل التاريخ، فحدّث ولا حرج، فقد تجاوزت سورية الخط العالمي المسموح به للفقر، حيث يعيش حوالي 90% من سكّانها تحت خط الفقر، وهي نسبةٌ لم تصل إليها سوى قلة قليلة من المجتمعات.

باختصار، استطاع نظام الأسد خلال السنوات العشر الماضية تدمير البنية السورية، تاريخا وحاضرا ومستقبلا، إذ حتى لو افترضنا أن ثمّة حلّا ما قرّره المجتمع الدولي وتم تطببيقه غدا، فإن سورية لم تعد هي نفسها، ولن تعود ذات يوم، إذ ثمّة ما قد تدمّر تماما، ليس فقط في البنية المعمارية، إنما في الشخصية السورية بحد ذاتها، التي شهدت من الحزن والذلّ والقهر ما يفوق الوصف.

ندرك جميعا، نحن السوريين، اليوم أن جدار الخوف الذي اعتقدنا أنه انكسر مع انطلاقة الثورة السورية عام 2011، عاد وارتفع شاهقا جدا داخل سورية (الأسد)، تكشف عن ذلك منشورات الأصدقاء الذين ما زالوا داخل سورية وكتاباتهم على “فيسبوك”، تكشفه أيضا أحاديثهم المواربة، وما يتم تناقله عما يحدث في طوابير انتظار الوقود والغاز والخبز (أساسيات الحياة)، يكشفه صمتهم وعدم تعليقهم على الأحداث السياسية الداخلية. ندرك جميعا، نحن السوريين الذين نعيش في الخارج، أن ثمّة كارثة كبيرة تحدث لأهلنا وأصدقائنا وأخوتنا ولجميع السوريين هناك، وأن علينا أن نكون معهم لا عليهم. هذا هو منطق الإنسانية والأخلاق قبل منطق الأخوة والمواطنة.

ندرك جميعا، أن السوريين في الداخل السوري قد يكونون مجبرين، على الرغم من كل ما حدث، على التصويت “للرئيس المفدّى”، فالخوف يجعل الشخص يفاضل بين مبادئه وحياته، وغالبا ما تكون الغلبة للسلامة الشخصية، وهو أمرٌ إنساني بحت. نفهم هذا جميعا، إذ خرج معظمنا من سورية بسبب هذه المفاضلة، بيد أن من غير المفهوم أن يتهافت على السفارات السورية من خرج من سورية هاربا من الأوضاع للتصويت للأسد. من غير المفهوم أيضا ما يُنشر على صفحات “فيسبوك” من فيديوهات من الداخل السوري عن الأفراح و”حلقات الدبكة” وخيم المباركات التي تعم كل أنحاء “سورية الأسد” المفيدة، فقد يتم إجبار البشر على انتخاب “سيادته” كما كان يحصل دائما، لكن لا أحد يمكنه إجبار البشر على التصرّف كقردة في سيرك كبير، الانتخابات عبر البصم بالدم، والتجمعات الهائلة لحضور الحفلات الفنية للمباركة، (كأنهم كانوا خائفين من فوز مرشّح آخر!)، والرقص والدبكة في الشوارع والساحات، المسيرات السيّارة التي تحمل صوره، والابتهاج العجيب الغريب، كما لو أن كل ما مر على سورية لم يمرّ إطلاقا، وكأن عشر سنوات من الدم والقهر والفقر والذل والموت المتنقل الذي لم يترك بيتا أو عائلة أو قرية إلا ومرّ عليها، لم يكن سوى لعبة “بلاي ستيشن”، اعتاد “الرئيس المفدّى” عليها في أوقات فراغه.

ثمة طرفة “ذكورية” عن امرأة متزوجة تعمل في حقل زراعي تعرّضت للاغتصاب من جار لها، يصل زوجها مصادفةً وينقذها، ويعود بها إلى البيت، وفي طريق عودتهما، تخبره بما حدث وهو صامت، وحين وصلا إلى البيت، رمى عليها يمين الطلاق، وحين استغربت: قال أنا أصدّق تعرّضك للاغتصاب، لكنني لا أفهم تأوهات المتعة التي سمعتها منك بأذني .. نفهم إجبار الناس في سورية على الانتخاب خوفا وخشية، لكن من يفسّر سعادتهم العارمة بذلٍّ يتعرّضون له كل لحظة.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة