الرئيسية / عالمية/

سورية والتجنيد الإجباري

تجنيد إجباري - سورية والتجنيد الإجباري

خبر صحافي: أصدرت “الإدارة الذاتية”، في شمال شرقي سورية، تعميماً حدّدت فيه مواليد الأشخاص المطلوبين للخدمة في مناطق سيطرتها. الخبر يفتح الشهية على مناقشة موضوع “التجنيد الإجباري” الذي تعتمده معظم دول منطقتنا لبناء جيوشها، وبالأخص مصر والعراق وسورية (وتركيا وإيران أيضاً).. وبما أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تحولت إلى مشروع دولة، فقد اعتمدت هذا النوع من التجنيد هي الأخرى.

للتجنيد الإجباري، في سورية، أسماء أخرى، مثل: التجنيد الإلزامي، الخدمة العسكرية، خدمة العَلَم. ولأنه إجباري، فقد سُميت الورقة التي يستلمها الشاب من شعبة التجنيد “مذكرة سَوْق”، وتسمى الدعوة التي توجه إلى مجموعة الشبان ذوي المواليد المتشابهة للالتحاق بالخدمة، القُرْعة، وبعد التحاقهم يُعْرَفون برقم دورتهم، فتسمع شاباً يقول أنا من الدورة 41، أو من الدورة العاشرة ضباط مجندين، أو من الدورة السابعة جامعيين .. وكلهم يخضعون، في البداية، لدورة ملأى بالشقاء والإهانات تُعرف باسم “دورة الأغرار” .. ومن المشاهد المألوفة، أيام سحب القرعة، وجود عشرات الشبان أمام شعبة التجنيد المحلية، أو عند مدخل ثكنة هنانو في حلب، وقد جاءوا لاستلام أوراقهم، أو أوامر فرزهم إلى القطعات العسكرية، وعناصر الشرطة العسكرية يحملون القشط (أحزمة البنطلونات) وينزلون على أجسادهم ضرباً، لإجبارهم على الوقوف بالدور الذي يستمر ساعات طويلة في البرد القارس أو الحر الحارق..

يَعرف الشبانُ، أبناء هذه البلدان المنكوبة، أنهم، حتى ولو “سيقوا” إلى الخدمة الإلزامية في أوقات السلم، سيكونون، في يوم من الأيام، وقوداً للحروب التي يشعلها الحكام، مغتصبو السلطة، في الداخل أو في دول الجوار، ليس من أجل مصلحة الوطن بالطبع، وإنما لتبقى هذه السلطة جاثمةً على صدر الشعب إلى الأبد .. لا أقصد بدول الجوار إسرائيل، فلهذه شأن آخر، إنما المقصود دول الجوار العربية، الشقيقة، التي نترنّم ليلاً ونهاراً بأننا وشعبها “سوا ربينا”.. الجيش العراقي مثلاً، خاض حرباً عبثية ضد إيران حملت اسماً خطابياً هو “قادسية صدام”، وضربَ الأكرادَ في الداخل، والشيعة، وغزا الكويت، واحتلها، وتسبّب بمقتل ألوف من جنوده. والجيش الإيراني ليس أحسن حالاً، فهو يقاتل، منذ ثلاثين سنة، في العراق، وسورية، ولبنان، واليمن، لمصلحة أصحاب العمائم ومشاريعهم التوسعية .. والجيش السوري كان على وشك أن يتدخل في الأردن سنة 1970، وفي سنة 1976 غزا لبنان، وأقام فيها نحو ثلاثين سنة، ونهبها، وارتكب خلالها ما لا يحسب الحاسب من فظائع، وحارب إلى جانب الأميركان ضد الجيش العراقي، وخلال هذا كله لم يكن إعلام حافظ الأسد يتوقف عن التغنّي بالتضحية، على أساس أنها تضحية لأجل الوطن.

للتضحية بالمجندين، في هذه الدول، شجون كثيرة، ومتشعبة. قُدّر عدد الجنود العراقيين الذي قتلوا، في سنة 1983 وحدها، بستين ألفاً، عدا المفقودين، ومن الجانب الإيراني 120 ألفاً. أما عن حروب حافظ الأسد ووريثه فحدّث ولا حرج، إذ يمكن المجازفة بالقول إنه لولا أن النساء السوريات ولادات لأفنى الأسدان شبابَ هذا الشعب المغلوب على أمره، ولن آتي على ذكر أعداد المجنّدين الذين حصدتهم إسرائيل في حربي الـ 67 والـ 73 والـ 82، والـ 96، بل عن ألوف التوابيت التي سلمت للأهالي في مدننا وقرانا خلال تدخل جيشنا في الاقتتال الداخلي اللبناني.

يشكّل التجنيد الإجباري في سورية مصدر دخل كبير للضباط المتطوّعين، وللسلطة الحاكمة، فبما أن الخدمة الإلزامية قاسية، ومهينة، وتستغرق، مع الخدمة الاحتياطية، زمناً يتجاوز، في بعض الحالات، خمس سنوات، يصبح هاجس الشبان، وأهاليهم، التخلص منها، ويكون ذلك بدفع الرِشا، في أثناء الفرز، وخلال الخدمة، والتفييش (دفع راتب شهري للضابط مقابل غياب المجند الدائم عن الخدمة)، هذا عدا عن البدل النقدي الذي وصل، في آخر تطوّر له، إلى 8000 يورو، مقابل إعفاء الشاب من الخدمة بشكل نهائي.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة