الرئيسية / عالمية/

مهرجان الهوب هوب الديمقراطي

0D67A342 C44A 41FE 8835 F94CAB8D0248 - مهرجان الهوب هوب الديمقراطي

يعرف السوريون، من هم من جيلي والأجيال السابقة، باصات “الهوب هوب”، تلك الباصات التي كانت جميعها تقريبا ماركة “سكانيا”. هيكلها الخارجي مدهون بألوان عديدة بخطوط مستقيمة أفقية شبه متداخلة، بحيث لا يمكن لأحد تمييز لون عن الآخر. يتميّز محرّكها بصوت عال جدا، يطلق تنفيسةً ضخمة حين يتوقف. أما من الداخل فيجب أن تكون مزينة بأشكالٍ مصنوعةٍ من الخرز الملون الصغير، شبيهة بتلك القطع التزيينية التي كان يصنعها السجناء مدة سجنهم، كي يكفّوا عن عدّ الليالي والسنين الباقية لهم، تلك الأشكال التي كانت تزيّن باصات “الهوب هوب” في المقدمة، حيث يجلس السائق ومعاونه. كانت أيضا ذات ألوان متداخلة، بحيث لا يتبقى منها في ذاكرة أحد سوى ظلال من زحمة لونية غريبة.

أما تسمية “الهوب هوب” فقد أتت من أن تلك الحافلات لا تلتزم بموقفٍ معين، يمكن أن تقف في الكيلومتر الواحد عشر مرات، لينزل منها راكبٌ، أو ليصعد آخر. وكلمة هوب هوب أظنها أتت من مفردة “hop” الإنكليزية، والتي تعني القفز، حيث كان الركاب يقفزون من الحافلة هبوطا ويقفزون صعودا، إذ لا تتوقف الحافلة بشكل كامل، بل تبطئ سرعتها عندما يرغب راكبٌ بالنزول أو الصعود، فيضطر للقفز سريعا قبل أن يزيد السائق سرعته. وبما أنها كانت مخصّصة للسفر بين المحافظات، فقد كانت مدة السفر فيها تعني قضاء وقتٍ طويلٍ على الطريق، يعاني المسافر خلاله من ضجيج المحرّك والازدحام الكثيف داخل الحافلة، ومن الأصوات المرتفعة المنبعثة من شريط الأغاني (الكاسيت) الذي كان تسلية السائق الوحيدة. وغالبا ما كان مزاج سائقي الحافلات هو مزاج الأغاني الشعبية، حيث صوت الطبلة هو الغالب تلك الفترة، والذي كان يسمع بتحزيق ناتج عن تلفٍ في الشريط، أو في آلة التسجيل نتيجة الاستخدام المتكرّر. كانت الأصوات داخل الحافلة كلها أيضا خليطا لا يبقى منه سوى ذلك الصفير الذي لا تتخلّص الأذن منه بسهولة، حتى بعد مغادرة الحافلة بزمن. وطبعا لم تكن أجهزة التكييف قد ظهرت بعد، ففي الصيف كانت تختلط روائح عرق أجساد الركاب نتيجة الحر الشديد. وفي الشتاء كان من الطبيعي أن تجد الجالسين على المقعد يلتحفون بغطاء سميك واحد، حتى لو كانوا لا يعرفون بعضهم بعضا.

كانت حافلات “الهوب هوب” تلك وسيلة النقل الوحيدة لأصحاب الدخل المحدود والعساكر وطلاب الجامعات والمضطرين للسفر بين المحافظات لأسباب مختلفة ممن لا يملكون سيارات خاصة (امتلاك سيارة خاصة كان حتى وقت قريب ترفا كبيرا للسوريين). لهذا كان السائق ومعاونه يتصرّفان كما لو أنهما زعيم ونائبه، يمكن لأيهما أن يصرخ في وجه راكبٍ ما أو يشتمه لأتفه سبب. ولم يكن أحد من الرّكاب يتجرأ على الرد، وإلا سوف يُحرم من الوصول إلى مقصده في الوقت المحدّد. كانت مهمة الركاب إظهار الود الدائم للسائق ومعاونه، كي ينالوا الرضى من صاحب الزمان، أو سائق الحافلة الذي غالبا يكون عاملا لدى المالك الأصلي للحافلة، المالك الذي غالبا ما يهين السائق ومعاونه بطريقة إهانتهما الركاب نفسها. تعرفون جميعا تلك التراتبية في أمر كهذا، حيث الحاجة تولّد الذل.

يذكّر بباصات “الهوب هوب” تلك، بكل ضجيجها وبهرجتها اللونية والتزيينية ووقاحة سائقيها وسلوك ركابها، ورائحة المازوت القاتلة المنبعثة منها، وميلانها المخيف بسبب الوزن الزائد لحمولتها، واستثنائها بصفتها الوسيلة الوحيدة المتاحة للعامة، “المهرجان الديمقراطي الرئاسي” الذي يعقد هذه الأيام في سورية الأسد. سورية ليست سوى باص “هوب هوب”، يقوده سائق أرعن ووقح ومعاونون لا يقلون عنه وقاحة. والركاب هم المرشّحون الذين قد يصلون إلى المائة مرشّح، في سابقةٍ لم تحصل في أعتى معاقل الديمقراطية في العالم، هؤلاء المرشّحون الذين يتودّدون للسائق لنيل رضاه، وهو يسخر منهم ويتسلى برؤيتهم يرضخون لتنفيذ رغبته في ادّعاء نيتهم قيادة باص “الهوب هوب”، وهو يعرف أن مالك الباص الأصلي (المجتمع الدولي) لن يتخلى عنه مطلقا، فلماذا لا يتسلّى إذا؟

على هذا المهرجان أن يكتمل تماما كي لا يملّ السائق في رحلته الطويلة التي خلفت ملايين من الضحايا الذين لا يعيرهم ركاب المهرجان الديمقراطي أي اهتمام، فهم مشغولون بإكمال تراتبية الذل في باص “الهوب هوب” المائل من فرط ثقل الديمقراطية.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة