الرئيسية / عالمية/

"إبادة الأرمن" .. الانتقائية الأخلاقية والتاريخية

887A50BF 4B85 4DD9 AEF4 BE402B673110 - "إبادة الأرمن" .. الانتقائية الأخلاقية والتاريخية

في ردّه على إعلان الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأسبوع الماضي، اعتراف بلاده بـ”الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني”، نصح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الولايات المتحدة بـ”النظر في المرآة”. ولهذا التعبير مغزاه العميق، تماماً كما كان لقطع بايدن مع أكثر من سبعين عاماً من المقاربة الأميركية للمسألة التي كانت تتجنب لفظة “الإبادة” مغزاها العميق أيضاً. وليس خافياً أن منحنى العلاقات الأميركية – التركية، بل الغربية – التركية، آخذ في التدهور بشكل كبير منذ عقد.

لا يسعى هذا المقال إلى البحث في حقيقة ما يوصف بـ”إبادة الأرمن” عام 1915، فهذا موضوع شائك، وفيه روايات كثيرة وزوايا نظر أكثر، ولكل طرف سرديته وسياقاتها (تطرح تركيا فتح الأرشيف العثماني أمام المؤرّخين لإجراء تحقيق مهني وشفاف، لكن أرمينيا ترفض ذلك)، كذلك فإن السياسة ومحاولة الابتزاز في الموضوع حاضِرتان بوضوح. أيضاً، لا يهدف المقال إلى محاولة تلمس خلفيات التوتر الأميركي – التركي وآفاقه، فلهذا مكان آخر. لكن، ما لا ينبغي المرور عليه من دون اكتراث، تلك الانتقائية الإنسانية والأخلاقية والتاريخية التي يمارسها الغرب الكولونيالي، ويوظفها سيفاً مُصلَتاً على رقاب غيره، فيما يمنح نفسه صكوك الغفران. وكما قال أردوغان، الولايات المتحدة، وغيرها من دول الغرب الكولونيالي بحاجة إلى “النظر في المرآة”، ذلك أن رؤية الجذع في أعينهم أولى من رؤية القذى في أعين الآخرين.

بعد التحاق واشنطن بركب القائلين بـ”إبادة الأرمن”، يكون عدد الدول التي تعترف بذلك، ثلاثين دولة، منها دولتان عربيتان. وإذا كان من المفهوم اعتراف لبنان بها عام 2000، إذا ما أخذنا بالاعتبار التوازنات الطائفية التي تتحكّم به، فإن المفارقة السوريالية تتمثل باعتراف سورية بـ”إبادة الأرمن” العام الماضي. بمعنى أن نظام الجزار، مجرم الحرب، بشار الأسد، استطاع أن يتوثق من تاريخ تجاوز عمره المائة عام، في الوقت الذي “يعجز” فيه عن توثيق جرائم الإبادة الحية التي ترتكبها قواته الرسمية، بدعم روسي إيراني، والمليشيات المرتبطة به والمساندة له، على أرض سورية اليوم ضد شعبها نفسه! على أي حال، المفارقات السوريالية لا تتوقف عند حدود أنظمةٍ مستبدّة قمعيةٍ ومتوحشة، بل تجدها عند دولٍ تقدّم نفسها منارة الإنسانية والحريات والديمقراطية عالمياً. من هنا، كانت نصيحة أردوغان: “انظروا في المرآة”.

بداية، لا بد من التأكيد أن أي جريمة، إذا ثبتت، بحق أي مجموعةٍ بشريةٍ بسبب دينهم أو إثنيتهم أو عرقهم أو لونهم، هي جريمة ضد الإنسانية، بغضّ النظر عن هوية المجرم وهوية الضحية. المشكلة تكون عندما يسعى بعضهم إلى فرض ازدواجية في المعايير، ولنبدأ بالولايات المتحدة، آخر القائلين بـ”إبادة الأرمن” عام 1915.

بعد التحاق واشنطن بركب القائلين بـ”إبادة الأرمن”، يكون عدد الدول التي تعترف بذلك، ثلاثين دولة، منها دولتان عربيتان

في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، “اكتشف” الرحالة الإيطالي، كريستوفر كولومبوس، القارّتين الأميركيتين، الشمالية والجنوبية، كما نعرفهما اليوم. كان كولومبوس مبعوثاً لإسبانيا لاستكشاف “العالم الجديد”. المشكلة أن هذا الجزء من العالم لم يكن “جديداً”، والحقيقة أنها لم تكن “اكتشافاً”، إذ كان هناك ملايين البشر يعيشون في هاتين القارّتين عندما وصل إليهما كولومبوس، وترجّح الدراسات الإنثروبولوجية أن السكان الأصليين جاؤوا من قارّة آسيا قبل أكثر من 15000 عام. ولكنها المركزية البيضاء الأوروبية العنصرية التي تقوم على تعظيم “الأنا”، ونفي “الآخر” وإلغائه، وبالتالي تحديد نقطة بدء التاريخ من عندها.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن دراسات تاريخية، يعتدّ بها، تؤكّد أن عدد من أبيدوا من السكان الأصليين في الأميركيتين يتجاوز 20 مليون إنسان (95% من نسبة السكان حينها)، سواء قتلاً، أو بالأمراض المعدية التي جلبها الغزاة الأوروبيون، ولم يكن لدى أهل الأرض مناعة ضدها. ومع ذلك، فإنه لا الولايات المتحدة سليلة ذلك الغزو، ولا الأوروبيون الذين غزوا الأميركيتين واستوطنوهما وارتكبوا فيهما الإبادات البشرية، اعترفوا إلى اليوم بها، أو اعتذروا عنها. مباشرة بعد اعتراف بايدن بـ”إبادة الأرمن”، انطلقت حملة في الولايات المتحدة تدعوه إلى امتلاك الشجاعة نفسها، والاعتراف بإبادة “السكان الأصليين” في الأميركيتين، الذين صوّرتهم هوليوود على أنهم نوع متوحش من البشر في مقابل الأوروبي “الخَيِّر”. وبالمناسبة، حتى الإحالة إلى السكان الأصليين كـ”هنود حمر”، أو على أنهم “الأميركيون الأصليون” أمر يدخل في سياق الإبادة الحضارية، فهم لم يكونوا هنوداً، وكان لقبائلهم أسماؤها، وهم ليسوا أميركيين، فلم يكن هذا الجزء من الكرة الأرضية يوصف بالأميركيتين عندما وصل الأوروبيون إليهما.

جرائم فرنسا في أفريقيا، من السنغال وساحل العاج وبنين ومدغشقر، إلى الجزائر وتونس والمغرب، إلخ، سقط فيها ملايين القتلى

لا أريد الاستطراد في جرائم أميركية أخرى ترقى إلى تعريف “الإبادة” كما جرى في حصار العراق (1990 – 2003)، الذي أدّى إلى قتل أكثر من مليون ونصف مليون مدني عراقي، وهو العدد نفسه، تقريباً، الذين يقول الأرمن إن العثمانيين قتلوه منهم. وبناءً على ذلك، استحقوا تهمة ممارسة “الإبادة”! أما ضحايا العراق، فهم كما ضحايا جرائم تجارة “العبيد”، وضحايا مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، اللتين قصفتهما الولايات المتحدة بقنبلتين ذريتين عام 1945، وكذلك ضحايا فيتنام والكوريتين، فكل هؤلاء لا بواكي لهم.

لنأخذ دولة ثانية تعترف بـ”إبادة الأرمن”، وتوظفها مخلباً تنهش به تركيا عند أي خلاف. فرنسا. كانت من أكثر الدول دموية وإجراماً في تاريخها الكولونيالي، وما زالت. وهي دولة إلغائية إقصائية للآخر، مهما زعمت العلمانية وادّعت الديمقراطية. جرائمها في أفريقيا، من السنغال وساحل العاج وبنين ومدغشقر، إلى الجزائر وتونس والمغرب إلخ، سقط فيها ملايين القتلى، دع عنك مصر وبعض بلاد الشام. وهي متهمة رسمياً بالتورّط في جرائم الإبادة في رواندا عام 1994 التي قُتل فيها 800 ألف شخص. وجرائمها في الأميركيتين، كما في هاييتي، وفي آسيا، كما في فيتنام، وفي أوروبا في الحربين العالميتين، وقبلهما كثير، شاهد على ذلك. بل إن جرائمها بحق بعض مواطنيها شاهد آخر على تلك الوحشية، كما في مذابح البروتستانت في القرن السادس عشر. هذا بلد كان من أقسى وأبشع من تاجر بـ”العبيد”، وانتهك حقوقهم الآدمية. وهي بلد ما زال يمارس عدوانه في غير مكان، كما في مالي. لم تتورّع عن ارتكاب جرائم الإبادة البشرية والثقافية. وهي دولة متشنجة عنصرية في التعامل مع الأقليات، وتختزن كراهية بشعة للإسلام.

ليس خافياً أن منحنى العلاقات الأميركية – التركية، بل الغربية – التركية، آخذ في التدهور بشكل كبير منذ عقد

لنأخذ دولة ثالثة مارست الإبادة بأبشع صورها، ولم تعتذر عنها، ومع ذلك تُعَيِّرُ تركيا وتطالبها بإبداء الشجاعة والاعتراف بـ”إبادة الأرمن”. بلجيكا. في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر احتلت الكونغو، وبدل أن يقوم الملك، ليوبولد الثاني، بـ”تطوير” ذلك البلد، كما وعد، فإنه نهب خيراته، واستعبد شعبه، وباعهم في أسواق “العبيد”. وفوق هذا وذاك، أبادت بلجيكا عشرة ملايين كونغولي، وهو ما كان يعادل ثلث سكان البلاد حينها. الأمر ذاته يمكن أن يقال عن جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها روسيا (من الدول التي تعترف بـ”إبادة الأرمن”)، سواء زمن الاتحاد السوفييتي، كالتطهير العرقي في شبه جزيرة القرم لمئات الآلاف من المسلمين، عام 1944، أو ما ارتكبته من جرائم في أفغانستان على مدى عقد، منذ غزتها أواخر سبعينيات القرن الماضي، أو ما ترتكبه قواتها في سورية اليوم. وينطبق الأمر ذاته على ألمانيا، وهولندا، وإيطاليا، إلخ.

في البيان الذي اعترف فيه بايدن بـ”الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني”، قال: إن تَذَكّرَ ما “تعرّض له الأرمن هدفه ضمان عدم تكرار ما جرى، وليس توجيه اللوم”. تُرى، هل ينسحب ذلك على قطاع غزة الذي يرزح، منذ عقد ونيف، أكثر من مليونين من سكانه (أكثر من عدد من يُتَّهَمُ العثمانيون بإبادتهم من الأرمن) تحت حصار وحشي مجرم، من إسرائيل والنظام المصري، بدعم وتحريض أميركي مباشر؟ أم إنها الانتقائية، مرة أخرى، في الإنسانية والمعايير الأخلاقية؟ حياة الإنسان مقدّسة، كائناً من كان، وهي لا تسلب منه إلا بحقها، ولا يجوز أبداً البحث عن مسوّغات لأي جرائم إبادة بحق أي مجموعة سكانية، كذلك لا يجوز أبداً انتهاك حرمة أرواح ضحايا أي جريمةٍ ضد الإنسانية عبر توظيفها سياسياً، كما جرى في توظيف كارثة “الهولوكوست” لنكب الشعب الفلسطيني، وما يجري الآن في تحويل مأساة الأرمن مخلباً لنهش تركيا بسبب خياراتها السياسية المتباعدة مع الغرب.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة