الرئيسية / عالمية/

مقاربات بين فلسطين وسورية

FF42C82E 9059 442A 8E7C BF37B4B60BBB - مقاربات بين فلسطين وسورية

في ورقة صادرة عن مركز الحوار السوري مقاربة في ضرورة الاستفادة من القضية الفلسطينية لتحويل مبادئ الثورة السورية إلى قضية تبقى راسخة في أذهان السوريين؛ فمع ما بين ساحتَي القضيتَين من اختلافات يسيرة إلا أنه يجمع بينهما قواسم مشتركة كثيرة، ما يحفّز السوريين على دوام التأمل في مجريات القضية الفلسطينية بشكل أكبر؛ فوق ما يكون من تعاطفهم مع القضية التي لم ينسَ السوريون -مع هول ما يعيشونه منذ أكثر من عشر سنوات- أنها قضيتهم كما هي قضية الشعوب العربية والإسلامية عامة.

وبالنظر في الساحة الفلسطينية -وكذلك في الساحة السورية- نجد أننا أمام ثلاثة قطاعات من العاملين والمؤثّرين، على تفاوتٍ بينهم في العمل وفي الأثر؛ الحراك الشعبي المدني، وفصائل المقاومة العسكرية، والحراك السياسي.

وإن كانت الأماني تنعقد على رجاء توافق هذه القطاعات الثلاثة في العمل؛ إلا أن كلتا الساحتَين الفلسطينية والسورية تشهد بخلاف ذلك، وما الانقسامات بين الضفة وغزّة بأقلّ من الانقسامات بين كانتونات قوى الثورة والمعارضة في الشمال السوري.

ولا يمكن لقطاعات العمل الشعبي والسياسي والفصائلي إلا أن يقرّ الأخيران بتقدُّم الأول “الشعبي” عليهما في الأمر والقرار؛ فحينما يكون العمل السياسي منضبطاً بإيقاع الشارع الثوري، يعرف حدوده فلا يتجاوزها، ويعرف ثوابته فلا يتعدّاها في أية مفاوضات، وإن أُريد منه خلاف ذلك لم يقامر بما لا يملك فيوقّع عن الشعب بما ليس له فيه حقّ؛ فحينها -وحينها فقط- ينجح العمل السياسي الثوري ويكون وفيّاً للقطاع الشعبي المدني، ويقرّ له الشارع بقيادة الحراك ويحتضنه؛ وقد شهدنا ذلك في الساحة الفلسطينية مع شخصية ياسر عرفات في فترة من زعامته.

لا يعني هذا صداماً داخلياً مع قطاع العمل السياسي المتمثل بالائتلاف الوطني اليوم، ولا مع فصائل الجيش الوطني؛ بل هو تنبيه للطرفَين السياسي والعسكري بأن المبادرة بيد الشعب

على خلاف ما شهدته الساحة السورية من الشرخ الهائل بين القطاع السياسي الذي يفاوض باسم قوى الثورة والمعارضة؛ انطلاقاً من اعتراف مضى في أول الثورة بالائتلاف ممثلاً للشعب السوري على أمل الخلاص القريب وتصدير قيادة سياسية تسدّ الفراغ، والقطاع الشعبي الذي لا يتردد كل حين منذ سنوات في النيل من الائتلاف الوطني وإنكار الاعتراف به وإسقاط شرعيته ومهاجمة رموزه في وسائل التواصل، بعد أن رأوه انحرف عن نبض الشارع وتنازل عن ثوابت الثورة. وليس بأقرب إلى الناس الفصائل المقاتلة، المؤدلجة منها وغير المؤدلجة؛ فكثيراً ما صاروا ينظرون إليهم على أنهم أقرب لعصابات الأسد الأمنية بعد توقف المعارك ضد قوات الأسد وحلفائه وانكفائها داخل المناطق السكنية، فضلاً عن قتالها في غير ما لها وللشعب بأوامر من هنا وهناك.

لنعود بذلك إلى الساحة الفلسطينية التي دأبت الجماهير العربية على التغنّي ببطولات فصائل المقاومة فيها، قبل أن يسقطوا في أوحال السياسة ويتورطوا في الانحياز -وإن بالكلام فحسب- إلى إيران مرة وإلى الأسد مرة أخرى؛ لتهتزّ صورتهم في الداخل والخارج.

فبعد أن أعلنت غزّة “السياسية الرسمية” حزنها على هلاك قاسم سليماني وجعلته في مصاف “الشهداء” وأثنت على جهوده الكبيرة في دعم المقاومة الفلسطينية، ليهاجمها المعارضون السوريون وينكروا تعظيمها المجرم الذي قتلَ السوريين والفلسطينيين معاً في مختلف المحافظات السورية. ليعود الصوت للأقوى فيرتفع نبض الشارع صاحب القرار، ويوافق وقع الشارع السوري؛ فيهاجم فلسطينيون صورة سليماني يمزّقونها في توبيخ وتحدّ للإرادة الفصائلية، إذ اعتبر أهالي القطاع أن تعليق صورة سليماني في غزّة نوع من أنواع “النفاق السياسي والتملق”، مطالبين الفصائل الفلسطينية بالنظر إلى معاناة سكان القطاع في ظل الحصار المفروض عليه. وفي هذا التعليق من أهالي قطاع غزّة درس للفصائل السورية والفلسطينية في ضرورة مراجعة بوصلة عملها؛ فطول الحصار والتضييق وضرورة إقامة علاقات وتحالفات لا تبرّر بحال الخروج على المبادئ، ولا التورط في حسابات ومعارك لا شأن لأصحاب المصلحة والدم بها، وإن لم يكن فيها إلا تخريب الودّ وتنفير القريب والصديق.

وفي حلقة تالية وبعد بضعة أيام من معارضة ممثلي السلطة الفلسطينية (بقيادة محمود عباس) صدور قرار من لجنة حظر الأسلحة الكيماوية ضد نظام الأسد، وفي ردّ أبلغ منه لأنه من الشارع الفلسطيني جاءت شعارات من ميدان الأقصى مع انتفاضة القدس تردّد شعارات الثورة السورية #الموت_ولا_المذلة، تتغنّى بأناشيد الشارع الثوري السوري وترفع رايته في ساحات الأقصى الشريف.

ففي هذه المعركة السِّلمية تقدّم الفلسطينيون شعبياً على السياسيين والعسكريين، يديرون بحراك سلمي عابر للانتماءات الحزبية السياسية والعسكرية معركة شعبية مع المحتلّ “الإسرائيلي”، لتكون صدمة للاحتلال وربما للحراك السياسي الفلسطيني أيضاً، وليستطيعوا بالهتافات مع العزيمة رفع الحواجز التي أقامها الاحتلال في وجوههم؛ تلك الحواجز التي لو قُدّر لها أن تدخل دهاليز السياسة لَمَا خرج الفلسطينيون منها بأكثر مما خرج السوريون من مفاوضات جنيف وسوتشي وأستانة. ليتأكد للسوريين أنه مع العجز عن قهر العدو عسكرياً، ومع ما لا يرتضونه من مسار العمل السياسي الذي حُصر قهراً باللجنة الدستورية؛ فالحراك السلمي يبقى له أثره في حسم المعركة وإعادة ضبط الأداء في معركة الحرية وفق مبادئ ثورة الكرامة والحرية.

ولأن مما يجمع بين القضية الفلسطينية والقضية السورية التدخل الخارجي؛ فإن ما حدث في القدس غطّى على ما يدور منذ مدة عن الانتخابات هناك، وعلى ما يدور في الدول العربية من التراكض نحو التطبيع مع “إسرائيل”؛ فهو كسرٌ للجبروت الصهيوني الذي انتفخ باستجداء الأنظمة العربية للسلام معه، لتأتي أصوات من المهرولين إلى التطبيع للشارع الفلسطيني بضرورة “ضبط النفس” مع إبداء القلق مما يحدث في القدس لأنه جاء على غير ما تَهوى ويَهوى الاحتلال.

وهو كذلك توجيهٌ غير مباشر للإدارة الأميركية الجديدة التي لم تزد في حراكها نحو القضية الفلسطينية على أداء فروض الطاعة والخضوع لضغوطات اللوبيات اليهودية فيها بزيارة وزير الدفاع الأميركي الجديد إلى “إسرائيل” في أول زيارة له وتأكيده التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل؛ والواقع أنه ما لم يتم إنجاز حلّ عادل للقضية فلن يكون استقرار، ولن يتحقق لطرف مهما بلغ من القوة والتسلّط الهدوء لتمرير ما يريده.

وهذا ما نجد أثره حتى اليوم في الساحة السورية كذلك؛ فالحلول التي تتم بين الأطراف الخارجية منذ سنوات من أجل تقاسم مناطق النفوذ والقواعد العسكرية والتحكّم بالموارد والثروات، دون اعتبار لمصالح السوريين إلا بقدر ما يكون من كل طرف دولي تجاه حليفه من السوريين من نظام أو معارضة؛ كل تلك الحلول لم تحقق الاستقرار للسوريين ولا للمتغلّبين من الفاعلين المحليين والدوليين. على أنه يتوجب العودة إلى الشارع الثائر لتأكيد ضرورة الأخذ بزمام المبادرة والضغط على سلطات الأمر الواقع لإيجاد حلّ دائم للقضية السورية يتوافق مع الأهداف التي يقرّها الشارع، دون الارتهان لمفاوضات لا صوت فيها للسوريين ولا قرار.

ولا يعني هذا صداماً داخلياً مع قطاع العمل السياسي المتمثل بالائتلاف الوطني اليوم، ولا مع فصائل الجيش الوطني؛ بل هو تنبيه للطرفَين السياسي والعسكري بأن المبادرة بيد الشعب، ولا يحرّر الطرفَين من الضغوط والتهديدات الخارجية من الحلفاء والأعداء إلا أن يحتموا بالقرار الشعبي، الذي قصّروا في الوفاء بمتطلباته بعد الانتماء إليه.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة