الرئيسية / عالمية/

"نساء" علواش مناضلات جزائريات: شاهدٌ يوثِّق سِيَراً بالمونتاج

مرزاق علواش - "نساء" علواش مناضلات جزائريات: شاهدٌ يوثِّق سِيَراً بالمونتاج

عَوّد المخرج الجزائري مرزاق علواش جمهور معظم أفلامه على وجود مساحةٍ، صغيرة أو كبيرة، يُدافع فيها عن المرأة، حتّى لو تناول الفيلم ثيمة بعيدة عن عوالمها وهواجسها. يجهد في خلق درب مزهر لها، يُمكن أنْ يشير عبره إلى إحدى قضاياها الرئيسية، كذكورية الرجل وتسلّطه، والقهر الذي تعانيه، ومشاكلها الاجتماعية والأسرية، واستغلال جسدها والتكسّب به. قائمة مشاكلها لا تنتهي، لكن علواش يوظّف جزءاً من منطلقات نضالها وهمومها، كي تبقى الأضواء مُسلّطةً عليها، ما يُعين الحركات النسوية، ويبقى صوتها عالياً، لا يصدأ بسهولة، ولا يُردم، كقضايا كثيرة تُقتل بالتجاهل والتناسي.

في جديده الوثائقيّ، “نساء” (2020، 90 دقيقة)، ذهب علواش إلى مؤسِّسات الحركات النسوية، والمدافعات الشرسات عن حقوق المرأة الجزائرية، بعد فتح المجال واسعاً أمامهن، على خلفية إفرازات تظاهرات 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، التي نادت بإسقاط الحكومة والرئيس، مشحونةً بالوضع الاقتصادي المتردّي، المُكرّس لعقودٍ، بسبب غياب التعدّدية الحزبية والإعلامية والنقابية، وتغييب الصوت المختلف والحرّ، ما جعل الحكومة وقتها تستجيب باستحياء لتلك النداءات، بعد فشلها في قمع الحركة الاحتجاجية بالعنف، ووأدها في مهدها، بإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين والمتظاهرات، وتعذيبهم ورميهم في السجون.

استجابت الحكومة صاغرة، تحت وطأة الضغط، ما حتّم عليها فتح المجال أمام الحركات النسوية لتأسيس جمعيات وأندية وتنسيقيات وطنية في محافظات جزائرية كثيرة. كما شاركت المرأة في الحياة السياسية، ونظّمت تظاهرات ضد التعذيب، وفعاليات عدّة، أثبتت النساء عبرها وجودهنّ ككيان قوي، قبل أن تختفي أصواتهنّ مع بداية العشرية السوداء وسنوات الرصاص والدم (1991 ـ 2001).

مرزاق علواش شاهدٌ على هذه الفترة التاريخية المهمّة، فوثّق النضال النسوي بكاميرته، التي لم تغادره، كما كتب في بداية الفيلم على شاشة سوداء، موظّفاً ما لديه في “نساء”، المعروض في الدورة الـ37 لـ”المهرجان الدولي للفيلم ـ نظرات من أفريقيا (كندا)”، المُقامة افتراضياً (للعام الثاني على التوالي)، بين 9 و18 إبريل/ نيسان 2021. فيه، أقام علواش مقارنة مهمّة بين ثورتي 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1988، و22 فبراير/ شباط 2019. مقارنة ولّدت جزءاً من سينمائية الفيلم وجماليته، انطلاقاً من السؤال الجوهري المُعتَمِد عليه: ما الذي تحقّق في 30 عاماً من الحركة النسوية، بعد عامٍ واحد على بداية الثورة الأولى، وانتهاء بالحراك الحديث المُسمّى، لسلميّته، بـ”ثورة الابتسامة”؟ الإجابات، بحسب الأصوات النسوية الفاعلة والمؤسِّسة للنضال، مُخيّبة ومُفلسة إلى درجة الحسرة، كأنّها أحرقت المسافة الزمنية، وعادت إلى المنطلق مجدّداً، إلى فترة التأسيس والمناداة بأبسط الحقوق.

 

 

قبل العودة إلى الماضي وأمجاده النضالية، أمل البدايات، ركّز علواش عدسة كاميرته على النساء الجديدات، اللواتي يُدافعن عن كينونتهّن وفرصهنّ في ممارسة ما يحببن، من دون خجل أو احتقار من مجتمع لا يزال ينظر إلى المرأة على أنّها “سقط متاع”. المنطلق الأول في مقارنة علواش قاعةُ رواق التدريب في أحد المسارح الجهوية، حيث تتمرّن الممثلة يسرى عازب، رفقة الراقصة ليلى زايدي وهاجر تيفاش. الأولى محجّبة، تنادي بضرورة تساوي الحقوق مع الرجل، وترى أنّ الحجاب لا يسبِّب مشكلة للمرأة التي ترتديه عن قناعة؛ بينما ترى زايدي أنّ المجتمع يعتبر مهنة الرقص عيباً وعاراً، لكنّها لا تهتم به ولا بالأصوات الناشزة الطالعة منه، وستواصل التدريب وتطوير مهنتها، لأنّها تحب المهنة التي اختارتها عن قناعة. أكثر من هذا، قالت إنّ قانون الأسرة مجحفٌ بحقّ المرأة وكيانها، وهذا وافقت عليه صديقتها عازب.

بعد ذلك، يعود علواش إلى الماضي، وينقل مَشاهد أرشيفية للنضال النسوي، الذي بدأ عام 1989، وفيه أصواتٌ مهمّة لنساء مهّدن الطريق أمام المطالبات بحقوقهنّ، عبر المناضِلة صنهاجة أخروف، التي بدأت تعدّد أمام كاميرته أدوارهنّ حالياً، مُقلّبةً صُوَر المناضلات المؤسِّسات المحفوظة في هاتفها، ورابطةً كلّ اسمٍ بوصف يوثّق حالة صاحبته. انحصرت توصيفاتها بين مختفية ومتراجعة ومتوقّفة عن النضال، و”لا أعلم شيئاً عنها” أو “لا تزال تناضل”.

في الوقت نفسه، تربط بين صُور قديمة لزميلاتها المناضلات، وأخرى حديثة لأصواتٍ جديدة أفرزها “حراك 22 فبراير” (2019). تقول هذا بحسرة، لأنّ المطالب المرفوعة قبل 30 عاماً لا تزال تُرفع اليوم، فلا شيء تحقّق ميدانياً، لأنّهنّ عشن التحرّش الجنسي ولا يزلن، ويُمارس عليهنّ العنف اللفظي والجسدي، والتخويف والتهديد، وقانون الأسرة الذي يرين أنّه مجحف بحقهنّ. استطاع علواش إيقاظ الماضي الساكن في قلوب المناضلات المشاركات في “نساء”، وسيلة تمزالي وفاطمة أوصديق وعويشة بختي وحواء زيور وثريا عايد وإيس آيت مسعودة وغيرهنّ؛ كما تطرّق إلى دور ليلى عسلاوي وشافية وحكيمة ثورية عياد، التي تعمل حالياً منشّطة ومخرجة إذاعية، والتي ربطت حضورها بين جيلين مختلفين.

أشرك مرزاق علواش في “نساء” أصواتاً نسوية مقموعة، كالطالبات الساكنات في الجامعة، اللواتي يُنظر إليهنّ كقاصرات، يدخلن ويخرجن في وقتٍ محدّد. حتّى أنّ إحدى المتدخّلات الشابات قالت إنّها لم تجد مكاناً تجلس فيه مع أصدقاء لها. لذا، أسّست “نادي سينما”، يجتمعون فيه، حيث يتعلّم الشباب النقاش وتقبل الرأي الآخر، وغيرها من المواضيع ـ الجراح الأخرى، التي أظهرها المخرج، موظّفاً خطاب المخرجة والكاتبة الكبيرة آسيا جبار، التي رافقت بصوتها تنسيقيات الحركات النسوية، بالإضافة إلى الروائي رشيد ميموني.

تعامل علواش مع “نساء” بذكاء، خاصة أنّه اعتمد على المقابلات، فأوجد حلولاً سردية تعتمد أساساً على المونتاج واللقطات السريعة، باللعب على التضاد والمقارنة بين الماضي والحاضر، والقديم والجديد، و”حراك 1988″ و”حراك 2019″، واستحضار المطالب النسوية بين الأمس واليوم. كما أنّه تدبّر فرجة سينمائية لساعةٍ ونصف الساعة، اعتمد فيها على عشرات المقابلات، ومَشاهد أرشيفية. لهذا، أذاب الملل الذي كان يُمكن للمقابلات أنْ تُسبّبه، بتنويع الوجوه والأماكن المفتوحة التي صوّر فيها معظم تلك المقابلات، مع تقديم معلومات تاريخية كثيرة وثّقت مراحل مهمة لجيلين من المناضلات، اللواتي قدن مسيرتهنّ النضالية في فترتين حاسمتين، ما أكسب الفيلم وثائقيّته وفنّيته.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة