الرئيسية / عالمية/

رمضان لن يزور لبنان هذا العام

1 11 - رمضان لن يزور لبنان هذا العام

لا يشبه شهر رمضان هذا العام في لبنان أيّ رمضان عاشه البلد الصغير من قبل. ففي ظل ظروف اقتصادية صعبة وانتشار وباء كورونا، يحل الشهر الفضيل ضيفاً “ثقيلاً” على العائلات الفقيرة، إذ سيقف رب العائلة حائراً بين جنون الأسعار، وتحضير وجبة الإفطار. 
سرقت الأزمة الاقتصادية فرحة اللبنانيين بقدوم شهر الصوم، فلا زينة في الشوارع إلا في ما ندر، ولا زحمة مواطنين أمام محلات الحلويات، إذ إنّ أسعارها جعلتها من الكماليات على المائدة الرمضانية، بعدما كانت عنصراً أساسياً بعد الإفطار. ويتراوح اليوم سعر الكيلو الواحد من الحلويات العربية بين 120 و150 ألف ليرة، (بين 80 و100 دولار بحسب السعر الرسمي للصرف)، بينما يضطر اللبناني إلى شراء ما أمكنه من الخضار والفواكه، الأمر الذي ينطبق على أنواع عديدة من المواد الأساسية. أما اللحمة فلم تزر منازل كثيرة منذ أشهر، بعدما تجاوز سعر الكيلو منها الـ60 ألف ليرة (40 دولاراً بحسب السعر الرسمي للصرف) بعدما كان لا يتخطى سعره الـ20 دولاراً السنة الماضية. 

لدى سؤالك عن التحضيرات للموائد الرمضانية، لا تسمع سوى الشكاوى من الأسعار ومن خطر وباء كورونا، وكأنّ مصائب العالم مجتمعةً حلت فوق رؤوس العائلات الفقيرة. يقف حسين السيد حائراً داخل السوبرماركت، فراتبه لا يكفيه بالأصل لنصف الشهر. يحمل بيده لائحة كتبتها له زوجته ببعض الحاجيات المنزلية، ويسأل نفسه عن بعض الأصناف التي يمكن التخلي عنها من اللائحة. وبعد جولة قاربت الثلاث ساعات يجد نفسه حاملاً بعض الأغراض بفاتورة تجاوزت الـ400 ألف ليرة (266 دولاراً تقريباً بحسب السعر الرسمي للصرف)، إذ قرّر الاستغناء عن اللحوم، والحلويات، والتمر، والحليب، ليستبدلها، بالملوخية المجففة، والحبوب، وبعض أنواع مكوّنات الحساء، والأرز وثلاثة كيلوغرامات من الدجاج، على أنّ تقوم زوجته بتقسيم الدجاج على عدة وجبات لأسبوع كامل. 

يضحك السيد من الوضع الذي وصل إليه البلد. وعند سؤاله عن الفرق بين رمضان هذا العام والعام الماضي، يرد بأسى: “رمضان السنة الماضية أصبح من التاريخ. كانت المائدة تضم وجبات مختلفة، كاللحوم والدجاج، وعدة أنواع من الحلويات، والفاكهة، لم نكن لنتصور أننا سنصل إلى يوم نقتصد فيه بالطعام. راتبي لا يتعدى المليون ونصف المليون ليرة (ألف دولار بحسب سعر الصرف الرسمي) فيما الأسعار تحتسب بحسب سعر صرف السوق السوداء (12 ألف ليرة تقريباً للدولار الواحد). وبعملية حسابية بسيطة راتبي لا يتعدى 125 دولاراً، وعليّ إطعام عائلتي المؤلفة من 4 أفراد، إضافةً إلى دفع فاتورة كهرباء المولد، ولم أحتسب بعد سعر قطع غيار السيارة، فسيارتي مثلاً بحاجة للتصليح، وجميع قطعها تسعر بالدولار الأميركي… على ما يبدو فإنّ وجبة الإفطار هذه السنة ستقتصر على النشويات، وبكميات محدودة، وإذا قررنا أنّ نعيش حياة الرفاهية، قد أشتري نصف كيلو من الحلويات وبالطبع لن أبحث عما أحب بل عن الأرخص”. 

الأمر نفسه بالنسبة للحاجة أم إبراهيم الحوت، وهي من سكان العاصمة بيروت، إذ ترى أنّ رمضان هذا العام يعتبر كارثياً على العائلات، فـ”الخضار لا يمكن شراؤها. وكأنّ الضغوطات اليومية لا تكفينا لنصبح أمام جلد التجار لنا واستغلال الشهر الفضيل لمضاعفة أرباحهم”. 
ومن منطقة إلى أخرى، الشكوى نفسها، جنون الأسعار هو الشغل الشاغل للمواطن اللبناني، متناسياً أزمة كورونا، ليصل الأمر بالخمسيني علي دبوق، إلى الدعاء كي يصاب بالوباء، ويرتاح من ضغوطات حياته معللاً ذلك بالقول “أنا بالأصل مريض ولا أملك ثمن الدواء وعاطل عن العمل، وابني البكر بالكاد يستطيع مساعدة عائلته، بينما ابنتي تعمل في أحد مطاعم العاصمة، لتتمكن من دفع أقساط جامعتها الخاصة”. يقول غاضباً: “بلدنا أصبح منكوباً والعائلات تقاتل لتعيش، بينما أهل السياسة يتقاتلون على الحصص الوزارية، متناسين وجعنا”. 
يقارن أحمد جابر، وهو مدير أحد فروع محال الحلويات الشهيرة في لبنان، اختلاف الأسعار في محله بين العام الحالي والعام الماضي. يقول: “لا يمكن لأي عائلة فقيرة شراء أي نوع من الحلويات بشكل يومي”. ويرجع ارتفاع الأسعار إلى التلاعب بسعر صرف الدولار، خصوصاً أنّ المكونات الأساسية للحلويات تستورد من الخارج وبالدولار الأميركي، ما يجبر أصحاب محلات الحلويات على رفع الأسعار. أما أم أحمد بزي، وهي صاحبة محل لبيع الحلويات في مدينة بنت جبيل الجنوبية، فترى أنّ “السمن هو أساس الحلويات، ولا صنف من دونه، وهو مستورد، ما يجبرنا على رفع الأسعار”. وكشفت في حديثها لـ”العربي الجديد” عن اختلاف أسعار الفستق الحلبي المستخدم في بعض الأنواع “أضطر لجلب الأرخص، فالعائلات هنا بالكاد تستطيع تأمين مصروفها، ما يجبرني على خفض الأسعار قدر الإمكان، والربح بهامش بسيط، كي أتمكن من الاستمرار في العمل”. 

لم تتأثر يوميات رمضان بارتفاع الأسعار فحسب، فتداعيات وباء كورونا فرضت نفسها. فلا إفطارات جماعية، خصوصاً بعد توصية لجنة متابعة التدابير والإجراءات الوقائية لفيروس كورونا بحظر التجول ومنع الخروج والولوج إلى الشوارع والطرقات، بين التاسعة مساءً والخامسة صباحاً، طوال أيام شهر رمضان. الأمر الذي سيؤثر على أصحاب المطاعم، والذين رفعوا شكواهم، معتبرين أنّ قرار الإغلاق عند التاسعة يعني أنّ لا إفطارات في المطاعم، فتوقيت الإفطار عند السابعة مساءً تقريباً، ما يعني أن على الصائم تناول وجبته بسرعة ومغادرة المطعم بأسرع وقت كي يتمكن من الوصول إلى المنزل قبل التاسعة.

باختصار يبدو شهر رمضان هذا العام وكأنه لن يزور لبنان، فالشوارع شبه خالية من الزينة، والكثير من المحلات أقفلت أبوابها، والعائلات ستفطر بما تيسّر، أما “اللمة” العائلية فكورونا صار كفيلاً بإلغائها.  

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة