الرئيسية / عالمية/

قمة المناخ… محاولة لإنقاذ العالم وسط توقعات متواضعة

GettyImages 1169748642 - قمة المناخ... محاولة لإنقاذ العالم وسط توقعات متواضعة

 

بالتزامن مع اليوم العالمي للأرض في الثاني والعشرين من إبريل/ نيسان، انطلقت قمة المناخ في محاولة ساعية إلى إنقاذ العالم من التغيّر المناخي وتبعاته الكارثية. لكنّ ذلك يأتي مع سقف منخفض للتوقعات، نتيجة نزاعات مختلفة وأنانيات قومية.

بناءً على دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن، يشارك زعماء من العالم منذ أمس الخميس في قمة المناخ التي تمتدّ على يومَين وهدفها مناقشة الجهود الممكنة لمواجهة التغيّر المناخي الذي يعدّه كثيرون كارثياً، خصوصاً أنّ القمة تجمع 17 دولة مسؤولة عن ثمانين في المائة من الانبعاثات العالمية المضرّة بالبيئة إذ تتسبّب في الاحتباس الحراري. كذلك يشارك فيها عدد من رجال الأعمال بالإضافة إلى قادة من المجتمع المدني، ما يعني بعض قوى تقدمية أكثر اهتماماً بالبيئة.

وفي خلفية المشهد، إلى جانب جائحة كورونا التي تجتاح العالم وتخلّف آثارها السلبيّة، ثمّة “وباء عالمي” آخر يُعَدّ مدمّراً للحياة على الأرض إذ يهدّد مستقبلها، أقلّه وفق ما يذهب مهتمون ومتخصصون في علم المناخ. ومن بين ما يقلق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، بحسب تقارير حديثة لها، ارتفاع درجات الحرارة ومشاهد انحسار الجليد عن غرينلاند أكبر جزيرة جليدية، واشتعال حرائق نادرة في دائرة المنطقة القطبية، تحديداً في غابات سيبيريا الروسية في العام الماضي. ويردّ خبراء تلك الحرائق إلى ذوبان الجليد وارتفاع درجات الحرارة بشكل قياسي في سيبيريا.

ويبدو التغيّر المناخي موضوعاً يُصنّف كترفٍ بالنسبة إلى الشعوب المنشغلة بحروب ومجاعات وأزمات سياسية واقتصادية وأمنية وغير ذلك، وهذا أمر مفهوم على الرغم من أنّ هذه المعضلة العالمية تؤثّر على مجمل حياة البشر على الأرض وعلى مستقبل الأحفاد في حال لم يتمّ التدخل سريعاً والالتزام بخطط لخفض انبعاثات الغازات المضرّة بالبيئة. في المقابل، تُقلق الأخبار السيئة بلدان أوروبية شمالية وغيرها التي تحدّها بحار ومحيطات، فذوبان الجليد وارتفاع حرارة المياه سوف يؤديان إلى ارتفاع مستويات المياه وإلى مزيد من الفيضانات الناجمة عن الأمطار الغزيرة. 

يُذكر أنّه منذ أكثر من 30 عاماً، كان خبراء المناخ في الدول الإسكندنافية، لا سيّما في الدنمارك، بالإضافة إلى هولندا والشمال الألماني، يحذّرون من تلك المستويات التي ستؤدّي إلى تآكل الرقعة الشاطئية واختفاء مدن قريبة من المستويات المرتفعة للمياه.
 

في عام 2020، بدا المشهد الصيني مع اضطرار السلطات إلى إغلاق المصانع بفعل وباء كورونا، مبشّراً لجهة انقشاع السماء وغياب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. صحيح أنّ العالم، في خلال عام من الجائحة، شهد انخفاضاً بنسبة 5.8 في المائة في الانبعاثات، وهو انخفاض تاريخي بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، غير أنّ تقرير المنظمة السنوي أشار في المقابل إلى أهوال طاولت المناخ في عام 2020. فقد أفاد بأنّ البشرية شهدت في العام الماضي أكثر الأعوام دفئاً للعام الثالث على التوالي. واستقرار درجات الحرارة ساهم فيه احتفاظ المحيط الهادئ ببعض البرودة وظاهرة النينيا. وبحسب تقارير مختلفة، فإنّ الأعوام الستة الماضية كانت الأكثر دفئاً في تاريخ كوكب الأرض، منذ بدء تسجيل درجات الحرارة.

ومشهد التفاؤل في سماء الصين الذي نقلته الأقمار الصناعية وانتشرت صوره في العالم كدليل على تأثير الانبعاثات التي يتسبّب فيها البشر، سرعان ما تلاشى مع قياس تركّز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الذي أتى بمستويات قياسية بعد إعادة الفتح الجزئي في آسيا. فالهواء المشبع بالغازات، خصوصا أنّ ثاني أكسيد الكربون لا يتكسر، امتصّت المحيطات 90 في المائة منه ومن الحرارة الزائدة على الأرض. ولم تصر المحيطات أكثر دفئاً فحسب، بل إنّ الاحتباس الحراري راح يتسارع بطريقة غير مسبوقة.

وقد سجّل العام الفائت بعد تفاؤل ضئيل، حرائق غابات وموجات حرارة على اليابسة وفي البحار، ما أدّى إلى انتشار موجات جفاف وعدد قياسي من الأعاصير. ويرى في ذلك الخبير الدنماركي في المناخ، راسموس أنكر بيدرسن، “تأثيراً على أجزاء كبيرة من الكوكب، وليس ذلك فحسب بل وتيرة التغيّر تحدث أسرع من أيّ وقت مضى، الأمر الذي يستوجب القلق في المجتمعات العالمية”. ويتّفق خبراء من جنسيات متعددة على أنّ درجات حرارة الكوكب ارتفعت منذ بداية العصر الصناعي حتى يومنا بمقدار 1.2 درجة، ولا يخامر هؤلاء شكّ بأنّ ظاهرة التسخين يتحمّل مسؤوليتها انبعاث غازات الاحتباس الحراري، مع ما يمكن أن يشكله ذلك من مخاطر ارتفاع مستويات سطح البحار وتأثيرها على مدن كثيرة، سواء في أوروبا أو حول العالم.

والتغيّر المناخي ليس مسؤولية فردية. ودعوة الرئيس الأميركي إلى قمة تضم الدول المسؤولة عن نحو 80 في المائة من الانبعاثات، تؤشّر إلى استشعار السياسيين والمشرّعين حول العالم بمخاطر ما يجري، حتى في الدول التي كانت متشككة حول المسائل المناخية والبيئية. فانسحاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من اتفاق باريس للمناخ في عام 2017، بثّ حالة من المشاعر اليائسة في دول صغيرة تسعى إلى تحولات إيجابية نحو الطاقة المستدامة والبديلة. على سبيل المثال، رأى مشرّعو الدنمارك أنّ “العمل على إنقاذ الكوكب لا يقوم على النوايا والأهداف الحسنة”، فبالنسبة إلى مجلس المناخ في برلمان كوبنهاغن الاتفاقيات الدولية لم تضع المجتمعات على السكة الصحيحة لخفض الانبعاثات بنسبة 70 في المائة بحلول 2030.

من جهتها، تحمّل الصين، التي يُنظر إليها كأكثر الدول تلويثاً، الدول الصناعية الغربية المسؤولية الرئيسية عن تلك الانبعاثات ذات الأثر السلبي. وبحسب دراسة أعدّها خبراء في المناخ، من بينهم الرئيس السابق لمجلس المناخ في كوبنهاغن البروفسور بيتر سورنسن، فإنّه “على الرغم من أنّ الصين هي الدولة الأكثر تصنيعاً للخلايا الشمسية واستخدام توربينات الرياح، فإنّها تظل الأولى في التلويث من خلال استخدام الفحم”. وفي تقرير حديث صادر عن الوكالة الدولية للطاقة، فإنّ استخدام الفحم في الصين مسؤول عن نصف زيادة الانبعاثات الغازية الضارة. وتوقّع التقرير أنّ “انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية سوف ترتفع بسرعة كبيرة، والنسبة العظمى المتزايدة سوف تُسجَّل في الصين”. ويرى سورنسن أنّ مشكلة كبيرة تواجه البشرية إذا لم يتمّ الابتعاد عن استخدام الفحم في الصناعات، مشدداً على أنّه “لا يمكن قبول العذر الصيني بأنّ المصانع التي تستخدمها هي التي تنتج سلعاً استهلاكية للغرب. هذا أمر محبط جداً، ومن الغريب أنّ قوة عالمية كالصين لا تستطيع أن ترى مصلحةً في القيام بمزيد من الجهد لوقف الانبعاثات”.

ويأمل المهتمون بالتغيّر المناخي، مع زيادة الوعي الشعبي واتجاه الناخبين في أكثر من مكان بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية إلى اختيار أحزاب بناءً على برامجها المناخية والبيئية، ألا يفسد الخروج من أزمة كورونا العالمية المسار الذي اتفقت عليه دول العالم في قمة باريس وأن يُصار إلى التركيز أكثر على انتعاش اقتصادي وصناعي أخضر صديق للبيئة. ومن المعروف أنّ دولاً عدّة في أوروبا وضعت خططاً جدية لاستبدال السيارات التي تستخدم الوقود بأخرى كهربائية، وقد تبدو تلك المشاريع طموحة حتى عام 2030، لكنّها بحسب ما يبدو غير كافية أمام تسارع الضرر الذي تلحقه الدول الصناعية الغربية والصين وغيرها في تدمير مستقبل الحياة على الأرض. وربما في هذا الاتجاه، الذي بات يقرأ المخاطر بطريقة أكثر جدية، تأتي قمة بايدن مع قادة عالميين لمناقشة ما يتوجّب فعله.

وقمة المناخ التي تجري الآن، وعلى الرغم ممّا يُثار حولها من ضجيج وصخب إعلامي، تراها الناشطة البيئية الشابة السويدية غريتا تونبرغ بحسب صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية “لا تأخذ الأزمة المناخية والبيئية العالمية كوباء مثلما أخذت وباء كرورنا بشكل جاد”. ومثل سواها من المهتمين جدياً بالبيئة في خلال الأعوام الماضية، ترى تونبرغ أنّ المسؤولية جماعية مع التأكيد على أنّه “لم يُصر إلى التعامل مع أزمة المناخ قط، ولا مرة واحدة، على أنّها أزمة”. 
ومثل تلك الإشارات السلبية إلى مقاصد قمة بايدن، من قبل جهات مختلفة تحاسب مشرّعيها والأحزاب المرشحة على أساس برامجها البيئية والمناخية، سبق أن أشار إليها تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير يوم الأربعاء الماضي، إذ أفاد بأنّه على الرغم من غلق المجتمعات وبقاء الطائرات جاثمة وسط أزمة كورونا فإنّ “شيئاً لم يجرٍ جدياً من أجل المناخ”. وأمل التقرير أن تكون وعود القمة الحالية جديّة وقابلة للتنفيذ بهدف وقف زيادة حرارة الكوكب بنسبة 1.5 درجة مئوية في خلال الأعوام المقبلة. وعلى الرغم من أنّ بايدن بخلاف سلفه ترامب وعد بفعل كلّ شيء من أجل التزام بلاده والمسؤولين عن الانبعاثات الضارة بالبيئة، فإنّ ثمّة من يخشى أن تكون وعود الدول “مجرّد كلام”. لكنّ خبراء أوروبيين يرون أنّ بايدن مهتم وبشكل جديّ، ربما لوجود قوى تقدمية ومهتمة بالتغيّر المناخي في أجنحة الحزب الديمقراطي، من خلال ذهابه بالفعل إلى طرح خطط لإحداث تحوّل في استهلاك الطاقة وإنتاجها في الولايات المتحدة الأميركية، وهي من الأمور التي تلقى استحسان النشطاء البيئيين ويعدّها اليسار الأخضر الأميركي تنفيذاً لخططه التي دفعتهم إلى دعم ترشح بايدن ونائبته كامالا هاريس. 

وبايدن طرح بالفعل خططاً لإحداث تحوّل في استهلاك الطاقة وإنتاجها في البلاد، وهو الأمر الذي أشاد به علماء وناشطون، ويعترف اليسار الأخضر بخططهم الخاصة فيه. وما يسعى إليه بايدن من خلال القمة التي تضمّ أكبر الدول المتسببة في الانبعاثات حول العالم، “التوصّل إلى أهداف ملزمة وجديدة لخفض الانبعاثات على صعيد كلّ دولة على حدة”. ويريد بايدن بذلك إعادة تأكيد ريادة بلاده كزعيمة عالمية لمواجهة مخاطر المناخ، بخلاف ترامب. في المقابل، يبقى التحدي المتعلق بمدى قبول قوى عظمى أخرى كالصين وروسيا المشاركتين في القمة، وإلى حدّ ما قوى متسببة بمشكلة مناخية عالمية، بتزعّم الولايات المتحدة الأميركية المشهد، أو بحذو حذوها في التحوّل الأخضر.

لا تغيب السياسة بالمطلق عن طموح بايدن بوضع بلاده كزعيمة للتغيّر الأخضر على الصعيد العالمي. فليس من مصلحة بكين الاعتراف بالسلطة العالمية لواشنطن، علماً أنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ بادر إلى الإعلان أنّ بلاده سوف تطرح أهدافا مناخية جديدة، وهو بالتأكيد على خلفية توتّر العلاقة بين الطرفَين منذ عهد ترامب واستمرار انتقاد السجل الحقوقي لبلاده ومواجهة مشاريعها في تاويان وهونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي، لن يمنح بايدن انتصاراً رمزياً. وتحاول بكين بكلّ قوتها تصدّر حصة سوق تطوير التكنولوجيا الخضراء التي ينادي بها الغرب. فهي باتت أكبر منتج للألواح الشمسية والتوربينات والبطاريات المستدامة، وتريد منافسة الشركات الأوروبية والأميركية في مجال صناعة السيارات الكهربائية. وكلّ ما تتحدّث عنه في إطار برامجها الخاصة بالتحوّل الأخضر لا تنفصل عن طموحات سياسية نحو زعامة عالمية، ما يدخل مكافحة التغيّر المناخي في نفق مختلف عن أهداف الشعوب والأحزاب في الغرب. 

يُذكر أنّ واشنطن قدّمت نموذجاً سيئاً للريادة العالمية في مجال المناخ، فبعد أن وثق العالم أنّها فعلاً ماضية في ذلك الطريق بعد توقيع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما اتفاق باريس للمناخ (2015)، انتخب الأميركيون رئيساً آخر انسحب منها ومن بروتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية المتعلقة بتغيّر المناخ (2005) من طرف واحد. ويظهر تحدّ آخر أميركياً بحتاً يثير الشكوك حول قدرة بايدن تنفيذ إصلاحاته الخضراء في الداخل، خصوصاً بوجود أغلبية ضئيلة مؤيّدة في الكونغرس وحاجة إلى إصلاح البنية التحتية لتنفيذ التحوّل الأخضر الموعود.

في المجمل، قد يصدر عن هذه القمة كلام إيجابي كثير عن خفض الانبعاثات وعن التحوّل الأخضر حتى 2030 و2050، وعن نحو 70 في المائة من السيارات العاملة على البطاريات وغيرها ممّا يرضي الناخبين. لكنّ ذلك في الواقع لن يساهم في انحسار الرقعة الجليدية في المحيط المتجمد الشمالي الذي بات كذلك موقع تلويث بسبب منافسة روسية صينية من جهة وغربية في الأخرى على طريق تجارة آخر وعلى الثروات الطبيعية وعلى تسابق عسكري في المنطقة. كذلك لن يتوقف ارتفاع درجات الحرارة ومنسوب مياه البحار ولا حرائق غابات الأمازون، بسبب جشع شركات عملاقة للأخشاب وتدمير مساحات لتحويلها إلى مزارع لحوم في البرازيل ووصول الحرائق إلى مناطق غير مسبوقة في سيبريا وانتشار الجفاف في دول الجنوب الفقيرة التي تدفع أثمانا باهظة للتغيّر المناخي، أقلّه في أمنها الغذائي.

وبين تفاؤل وتشاؤم، يبقى الثابت الأكيد، أقله في بعض المجتمع الأميركي وفي المجتمعات الأوروبية على وجه الخصوص، أنّ الوعي البيئي والمناخي ووعود التحوّل الأخضر باتت من أولويات اختيار الأحزاب التي يصوّت لها الناخبون، ما يضعها تحت ضغوط مواجهة التحديات. أمّا في الصين التي تتذرع بأنّ المصانع الملوّثة على أرضها إنّما تنتج للمستهلك الغربي، فتتعالى الأصوات المطالبة بإغلاق مصانع الغرب هناك وإعادة توطينها في القارتَين الأوروبية والأميركية. ولا يبدو في نهاية المطاف أنّ قمة واحدة كافية لإنهاء وباء مناخي سابق بعقود لوباء كورونا المستجدّ.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة