الرئيسية / عالمية/

"فاحشة الثّراء": شخصيات موغلة في الغرابة

ميرندا جولي - "فاحشة الثّراء": شخصيات موغلة في الغرابة

مخرجون قلائل يستطيعون صنع أفلام مفعمة بتعقيد الواقع، المنفتح على المصادفات الدالة بغرابتها، وبتفاصيل الحياة اليومية، بحلوّها ومُرّها. أفلام لا تملك سوى أن تتابعها، في الآن نفسه، بابتسامة ملء الوجه، ولمسة تأثّر لاذع يخزّ القلب.

الأميركية ميرندا جولي (47 عاماً) واحدة منهم. في فيلمها الثالث، “فاحشة الثراء” (أو “كيجِليونير”، العنوان الأصلي الذي يُقصَد به شخصٌ يملك ملايين لا تُحصى من الدولارات)، تروي يوميات أسرة، مُكوّنة من أمٍ وأبٍ يُطلّان على الشيخوخة، وابنتهما العشرينية تعيش على هامش المجتمع، كاسبةً قوت يومها باستغلال ثغرات النظام الرأسمالي: السرقة عبر مقالب بسيطة، تلتفّ على القواعد الأمنية أو التجارية؛ خطط سطو آمنة وغير عنيفة؛ خدمات غير قانونية تُضطرّ إلى التنكّر في هويات أخرى لتنفيذها في مقابل بضعة دولارات، أو تساعد طالبي الخدمات تلك في الحصول على شيء يبيعونه، أو إيصال بخدمة يرجعونها إلى الشركة الأم لاستعادة جزءٍ من مقابلها نقداً.

هذه كلّها وسائل يُعتَمَد عليها في سبيل حياة متحرّرة من الاغتراب، في ثقافة الاستهلاك (ميرندا جولي متأثّرة بمدرسة “اصنعها بنفسك” الفلسفية والفنية)، إلى درجةٍ أنّ هؤلاء يدينون بانخفاض قيمة إيجار الفضاء حيث يبيتون، إلى فجوة بين الحيطان تؤدّي إلى تسرّب سائلٍ رغوي إليه من المصنع المجاور، المملوك من الشخص نفسه. هذا يدفع بفكرة السيناريو ـ المرتكزة على أسرة تستفيد طفيلياً من ثغرات المنظومة ـ إلى أقصاها؛ وتربطنا، في الوقت نفسه، بأحد ثوابت أسلوب المخرجة (اكتسبته من دون شكّ بفضل حساسية تفعيلات المالتيميديا، في إطار ممارستها الفنّ المعاصر)، المتمثّل في إضفاء شاعرية حالمة على الفضاء، تفتح بفضلها الحكي على آفاق دلالات أرحب، رغم تجذّره في الواقعية.

منظر أسرة، يتراكض أفرادها كي يتلقّفوا أكوام الرغوة الوردية المتسربة من حائط المصنع المجاور، حتى لا تغمر فضاء عيشهم، هو بالضبط نوع المَشَاهد التي تبرع ميرندا جولي في خلقها من لا شيء، لكنّها تقول كلّ شيء. حساسية من طينة السهل الممتنع، تعبّر بلغة السخرية العابثة عن كلّ تعقيدٍ، شرط الهشاشة (يكفي أن تنسى الأسرة موعد تسرّب الرغوة لتسقط في هاوية التشرّد)، ووضعية الأسرة، رغم الآفاق الحالمة والمطمئنة، التي ترسمها ثقافة العرض والطلب في الخطاب السياسي والتسويقي المتداول (إنّها مجرّد رغوة وردية غير مؤذية، في نهاية المطاف).

لكنْ، بما أنّ لكلّ شيءٍ ثمنا، فثمن نمط عيش العائلة هذا إفراط الوالدين في الصرامة والتيقّظ الحذر والدائم، الذي يصل بهما حدّ نكران أيّ معنى للمشاعر في وجودهما، والتحكّم في حركات ابنتهما وسكناتها، صانِعَين منها كائناً متبلّد الأحاسيس، أقرب في تصرّفاته إلى آلةٍ من كائنٍ بشريّ. جميعهم يُصارعون الاغتراب الرأسمالي، بسبب إفضائه إلى حياة لا معنى لها، غير ثقافة السعي المرضي إلى الغنى واستهلاك منتوجات كمالية، فيسقطون من دون أن ينتبهوا في النقيض الأخير، المتجلّي في بارانويا التشكيك في كلّ شيء، والاعتماد على الاحتيال، وارتداء الأقنعة حدّ فقدان أي معنى للحقيقة، وبالتالي خسارة كلّ الروابط الاجتماعية، بل الرابط مع الواقع نفسه.

يُعبّر عن هذا تأثّر الأسرة، بشكل مفارق ومبالغ به، بهزّات ارتدادية متكرّرة، يبدو غيرهم من الناس غير مبال بها، فيبني عليها الأب (ريتشارد جينكنز وفياً لأدائه الرفيع) توقّعات أقرب إلى سيناريو المؤامرة، وتوافقه عليها الأم (ديبرا فينغر)، ولا تجد ابنتهما (إيفان رايتشل وود، التي بالكاد نتعرّف عليها) ـ المغلوبة على أمرها ـ مناصاً من تصديقهما، بعد أن اعتادت قمع غرائزها. لكنّ الصدفة المحتّمة (كما في كل سيناريوهات جولي) تقود الشابة إلى اكتشاف غريزة الأمومة، حين يدفعها والداها، للحصول على بضعة دولارات، إلى التنكّر في زيّ أمّ حامل، وحضور درس توعوي حول الولادة والإرضاع. عندها، تكتشف أنّ “وضع الأجنّة حديثي الولادة فوق بطن الأم كافٍ ليزحفوا بمفردهم، متلمّسين طريقهم إلى الثدي بالفطرة”.

 

 

بذلك، تبدأ بمساءلة علاقتها الجافّة بوالديها، تصل أوجها حين تلتقي العائلة بفتاة لاتينية، تمثّل نموذج المستهلك المنغمس في ثقافة العناية بالمظهر، وبكل ما يرتبط بذلك من سطحية في الأفكار والتصرّفات. احتكاك الابنة، المتعطّشة للمشاعر، بها سيكون بمثابة مسار تعليمي (كامين أوف آيج) متأخّر، تكتشف بفضله ذاتها، وتدرك أنّ الغنى الحقيقي كامنٌ في ثراء المشاعر، بما يتطابق مع النظرية النفسية لجاك لاكان عن نجاعة الوسيط، والإسقاط على الآخرين من أجل تمثّل التجارب وعيشها. تقود الفتاةُ البورتوريكية الغِرّة العائلةَ إلى منازل عجزةٍ، يعيشون الوحدة رغم تمتّعهم بكلّ مقومات الحياة الرغيدة، ما يجسّد مفارقة مجتمعية أخرى، تبلغ ذروتها في مشهد عظيم: تدخل “مجموعة السطو” دار عجوز يحتضر، تتركه جولي (بحدس المخرجة) خارج الإطار في بداية المشهد، فيما ينبعث صوته من غرفة النوم مستجدياً المتسلّلين أن يأخذوا ما يشاؤون، شرط أنْ يصدروا أصواتاً (تلفاز، تناول الأكل، غسل الأواني، إلخ) تُعينه على الموت بسلامٍ، في إشارة ـ بالغة التماهي مع شرط العزلة والحنين ـ إلى دفء الأسرة الذي يعيشه منتمون إلى العمر الثالث.

شخصيات موغلة في الغرابة، كعادة ميرندا جولي (يمكن التحدّث عن خصوصية مفرطة، أو “إديوسينكريسية”، ليست سوى انعكاس لتفرّد المخرجة المطلق)، تذكّر بتحفة سيدني لوميت، “الركض في الفراغ” (1988)، إذْ يعتمد الفيلمان على ذريعة العائلة الساعية إلى العيش خارج الحدود الضيقة، التي ترسمها لها المنظومة المهيمنة، ما يخلق تمزّقاً روحياً ونفسانياً لدى الأبناء غير المتشبّعين بالنظرة نفسها لآبائهم إلى الأشياء، ويفضي إلى الصدام، ثم افتراق الطرق. لكنْ، في مقابل اعتماد لوميت على ذريعة الكفاح ضد المنظومة، بدافع الالتزام بمبادئ الشيوعية، تتميّز مقاربة جولي بعبثية لا غنى عنها، للقبض على روح عصرنا، التي تتلخّص في انتفاء المبادئ الأخلاقية، واندحار كلّ معنى للإيديولوجيات، ما عدا ديانة المال. هذا يُحيل إلى دلالة العنوان.

حقّقت ميرندا جولي، إلى الآن، 3 أفلام طويلة، في مسار ممتدّ على نحو 25 عاماً. هذه نسبة تجعلها مخرجة مُقلّة، مقارنة بمتوسط عمل معظم مخرجي هوليوود، ممن يصنعون أفلاماً كلّ عامين أو 4 أعوام، على أكثر تقدير. يتأسّف المرء على هذا، ويودّ لو أنّه يشاهد عملاً لها كلّ عام، من فرط الولع بصدق أفلامها، ولمستها الخلّاقة، الحاملة خطاباً نسوياً ذكياً ومتعدّد الأوجه، يترفّع على الصدامية المباشرة.

لكنْ، هذه ربما بالضبط ضريبة صنع أفلام مستقلّة، لا تركب أمواج طلبات العروض والمخطّطات “الهادفة”، ولا تساوم على رؤية المخرج مهما بدت غريبة أو غير موافقة لـ”متطلبات السوق” (يا للحماقة)، حتى لو اقتضى الأمر انتظار مبدعيها زمناً أطول للعثور على التمويل (لا يفوتنا هنا التنويه بالمساهمة الأساسية لشركة براد بيت، “بلان بي”، في إنتاج الفيلم)، وأنْ يأخذوا الوقت اللازم لصوغ نصوصٍ تتقفّى إيقاع عيش أصيل، وتتنفّس الحياة في كامل كثافتها.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة