الرئيسية / عالمية/

الرد الفني المصري على إثيوبيا: الرسالة وصلت

904254168 - الرد الفني المصري على إثيوبيا: الرسالة وصلت

في تغير لافت بسياسة التعامل الرسمي المصري إعلامياً مع الشق الفني من قضية سد النهضة، وبعد أيام من تصريحات وزير الري محمد عبد العاطي، التي حاولت جاهدة طمأنة الشعب المصري على عدم تضرره من الملء الثاني المزمع للسد، سواء تم التوصل قبله إلى اتفاق من عدمه، أصدرت وزارة الري المصرية بياناً فنياً دقيقاً، مساء أول من أمس. 
وجاء البيان بالأساس رداً على فتح إثيوبيا للمخارج المنخفضة بجسم السد، تمهيداً لتجفيف الجزء الأوسط منه للبدء في أعمال التعلية لتنفيذ عملية الملء للعام الثاني لسد النهضة، والتي من المفترض أن تبدأ الشهر المقبل، وتنجز في موعد أقصاه أغسطس/ آب المقبل، بحسب تصريحات وزير الري الإثيوبي سيليشي بيكيلي ورئيس الوزراء أبي أحمد. وعلى الرغم من المخاوف العديدة التي أثارها البيان في الشارع المصري، لأنه الرسمي الأول من نوعه الذي يتحدث بالتفصيل عن الأضرار المتوقعة، والتي سبق أن تحدث عنها الخبراء على مدار عقد كامل، إلا أنه كان محملاً برسائل أساسية إلى إثيوبيا نفسها، وليس فقط للشعب المصري، بحسب مصدر فني مطلع بوزارة الري سبق أن شارك في مراحل متقدمة من المفاوضات.

يستعرض بيان وزارة الري المعلومات الفنية التي تملكها مصر
 

وقال المصدر، لـ”العربي الجديد”، إن السبب الحقيقي لصدور البيان الفني ليس الخطاب الذي أرسلته إثيوبيا إلى مجلس الأمن، وتتهم فيه القاهرة والخرطوم بعرقلة التفاوض، “لأن هذا الملف ليس من سلطة الوزارة”. وأوضح أن السبب الرئيس هو مقطع فيديو نشره وزير الري الإثيوبي في معرض دفاعه عن أن السد ستكون له فوائد للسودان، واتضح فيه للفنيين تشغيل فتحتي التصريف، وهي خطوة لم تكن اعتباطية بالطبع، لأن بيكيلي كان يمكنه نشر أي صورة أخرى أو مقطع آخر للسد، ما اعتبرته القاهرة بمثابة التحدي لها، في وقت تتمسك فيه أمام مجلس الأمن بعدم بدء الملء الثاني إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي.

وأضاف المصدر أنه بعرض هذا الأمر على الرئاسة والمخابرات العامة، صدرت تعليمات للوزارة بصياغة بيان يقول ضمنياً للإثيوبيين إن “الرسالة وصلت”، ويستعرض بصورة واضحة المعلومات الفنية التي حصلت عليها مصر مؤخراً عن التطورات في جسم السد، من خلال البيانات التي أرسلتها إثيوبيا إلى السودان منذ شهر، لتأكيد التواصل المستمر والتنسيق بين القاهرة والخرطوم، وكذلك بعض المعلومات التي حصلت مصر عليها من مصادر أخرى، للبرهنة على أن تبادل المعلومات في هذه المرحلة ليس هو الأمر الذي تبحث عنه القاهرة، بل الاتفاق الملزم النهائي قبل الملء الثاني. وقالت الوزارة، عن هذه النقطة، إن الادعاء الإثيوبي بأن المخرجين المنخفضين (Bottom Outlet) قادران على تمرير متوسط تصرفات النيل الأزرق، هو ادعاء غير صحيح، إذ إن القدرة الحالية للصرف لا تتعدى 50 مليون متر مكعب في اليوم لكلا الفتحتين، وهي كمية لا تفي باحتياجات دولتي المصب ولا تكافئ متوسط منسوب النيل الأزرق.
أما الرسالة الثانية فهي للقوى الدولية التي من المفترض أن تكون قد استأنفت متابعة الموقف بعد الخطاب المصري الأخير لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها العام، للرد على المصفوفات والبيانات الفنية الإثيوبية، التي ما زالت تلقى بشكل واضح تجاوباً من الأوروبيين، حيث يرونها كافية لمنع حدوث الضرر، الذي تحدث أخيراً وزير الخارجية المصري سامح شكري عنه كشرط لبدء الحديث عن خيارات أخرى للحل، غير العملية الدبلوماسية والمفاوضات.

طلب خبراء تغيير لغة الخطاب الفني لتعبّر عن المخاوف

وثالث الرسائل التي قصدتها الوزارة بالبيان الفني فهي للمواطنين المصريين، بتعليمات من المخابرات العامة. وكشف المصدر أن الوحدات المختصة في الجهاز السيادي والرئاسة، والمختصة برصد ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، رصدت حالة من الإحباط والتشكك بين المواطنين إثر تصريحات وزير الري للإعلامي عمرو أديب الأسبوع الماضي، ومن هنا بدت الحاجة لاتجاه آخر للطمأنة الداخلية، وإثبات أن مصر لديها ما يكفي من معلومات لوزن الأمور بدقة.
وفي سياق متصل، كشف المصدر أن تصريحات وزيري الري والخارجية عن “شرط حدوث الضرر” أثارت غضباً شديداً في أوساط خبراء وزارة الري، واللجان المختصة بمتابعة الملف، نظراً لطغيان الهدف السياسي على تصريحاتهما، وعدم التركيز على المشاكل الحقيقية التي من الممكن مواجهتها خلال الملء الثاني وبعده، حتى إذا كانت مصر تضمن عدم وقوع ضرر عليها خلال فترة الملء الثاني. ولذلك طلب عدد من الخبراء تغيير لغة الخطاب الفني لتصبح أكثر دقة وتعبيراً عن المخاوف دون مواربة، لا سيما أن الخبراء قدموا بالفعل دراسات مستفيضة عن مختلف أشكال الضرر المتوقعة، خاصة بسبب عدم مطابقة السد للمواصفات العالمية، بالتغييرات التي أجرتها إثيوبيا في سد السرج، وتغيير مستوى فتحات التوربينات، وإزالة ثلاثة مخارج توربينات بعد تركيبها، وتخفيض عددها من 16 إلى 13، وإزالة الأجزاء المعدنية للفتحات التي تعمل الآن ثم تركيبها، وعدم صب الخرسانة في أجزاء مختلفة من السد بطريقة متجانسة.
وذكر البيان الفني المصري أن تنفيذ عملية الملء الثاني هذا العام، واحتجاز كميات كبيرة من المياه، سيؤثر بدرجة كبيرة على نظام النهر، لأن المتحكم الوحيد أثناء عملية الملء في كميات المياه المنصرفة من السد ستكون المخرجات المنخفضة، وسيكون الوضع أكثر تعقيداً بدءاً من موسم الفيضان في يوليو/ تموز المقبل، لأن الفتحات ستقوم بإطلاق تصرفات أقل من المعتاد استقباله، إذ إن الحد الأقصى لتصرفات المخارج المنخفضة تقدر بثلاثة مليارات متر مكعب شهرياً، بفرضية الوصول لمنسوب 595 متراً، وهو ما يعنى معاناة دولتي المصب السودان ومصر، وذلك في حال ورود فيضان متوسط، والوضع سيزداد سوءاً في حال ورود فيضان منخفض، الأمر الذي يؤكد حتمية وجود اتفاق قانوني ملزم يشمل آلية تنسيق واضحة.
وفي رسالة مضادة للخطاب المصري، قال وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونن لمجلس الأمن إن عملية التفاوض، التي يقودها الاتحاد الأفريقي، حظيت بالدعم الكامل من مجلس الأمن، على أساس مبادئ التكامل، وبروح إيجاد حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية. وادعى أن مصر والسودان لا يفاوضان بحسن نية، وليسا مستعدين لتقديم التنازلات اللازمة للوصول إلى نتيجة مربحة للجميع، وأنهما اختارا “إفشال” المفاوضات و”تدويل” القضية، لممارسة ضغط لا داعي له على إثيوبيا.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة