الرئيسية / عالمية/

رمضانات أحمد فؤاد نجم (1)

1618816816 605C8788 2DB9 4AE6 9967 D0C9E0A2AD31 - رمضانات أحمد فؤاد نجم (1)

في ديسمبر 1998 وقبل حلول شهر رمضان الكريم، كنت أعمل في صحيفة (الجيل) حديثة الصدور، والتي عملت فيها مع عدد من أصدقائي وزملائي الذين تشاركنا في تجربة جريدة (الدستور) التي أغلقت بقرار حكومي في مطلع العام، وكان الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم واحداً من أهم مكاسب (الدستور) بالنسبة لي، فقد نشأت بيننا صداقة عميقة استمرت حتى آخر حياته، ولم أكن أذهب إلى صحيفة أو قناة تلفزيونية إلا وأحرص على أن يكون للعم أحمد فيها مشاركة مكتوبة أو مصورة، وحين قمت بالإشراف على ملحق أسبوعي خاص بشهر رمضان في (الجيل) بعنوان (وحوي يا وحوي)، طلبت من الشاعر الكبير أن يكتب الصفحة الأخيرة في الملحق، ويخصصه لبعض من ذكرياته الرمضانية، فكتب خمس مقالات لم يتم جمعها في أي من كتبه حتى الآن، ولأن الصحيفة التي لم أعمّر فيها طويلاً لم تكن متاحة على الإنترنت، أعيد نشر تلك المقالات على هذه المدونة، لعلها تمتع من يقرأها، وفي الوقت نفسه تحظى باهتمام جامعي تراث نجم.

كل عام وأنتم بخير وأترككم مع ما كتبه عم أحمد فؤاد نجم عن رمضاناته:

….

رمضان الأول

الله يمسيه بكل خير، وإن كان مات ألف رحمة ونور عليه، رمضان الجميل النميس الساحر اللي قابلني سنة 1962 في (حوش قدم) عليها وعلى ساكنيها السلام.

أيامها كنت لسه متدهوِل وغرقان في الدهشة من سحر المكان وحرارة المشاعر وبساطة التواصل بين الناس، والأنس الدافئ اللي بيعطّر النسيم حواليك، أينما كنت في هذه الحارة المصرية العجيبة التي تنطق كل طوبة فيها بالبلدي الفصيح.

هنا.. المدينة، هنا مصر المحروسة بنت النيل والمواويل والحواديت والشاطر حسن وست الحسن والجمال وكسوة المحمل الشريف ومزار السيد الحسين ابن علي شهيد الغلابة وعِترة البيت النبوي الشريف وسيد شهداء أهل الجنة، ومقام سيدي أحمد الدردير الزعيم السياسي الذي تحول عند العامة إلى ولي من أولياء الله الصالحين، وأصبح مدفنه ضريحا يُزار وتوقد فيه شموع المحتاجين، وتُنذر له النذور ويلجأ إليه أصحاب الحاجة وكأنه ما زال حيا يزاول نضاله ضد الوالي والأتراك دفاعاً عن حقوق المظلومين المصريين!

وإذا دلفت إلى حوش قدم من شارع المعز لدين الله الفاطمي المعروف شعبياً بـ (الغورية) فسوف تجد نفسك في مواجهة أبو هاشم الكبابجي وهو الحاج إبراهيم ابن الحاج مصطفى ابن الحاج إبراهيم الكبير أو هاشم الكبير، ذرية بعضها من بعض، وهم من أصول مغربية، احترفوا مهنة الشواء وبرعوا فيها وما زالوا يمارسونها حتى اليوم بنفس البراعة والتفوق.

والداخل إلى الحوش من الغورية يستطيع الوصول إلى ميدان الباطنية، أكبر وأشهر سوق لبيع المخدرات في العصر الحديث، وكنت أقطن مع الشيخ إمام ومحمد علي في المنزل رقم 2 بعطفة حوش قدم وهو ملك لورثة المرحوم الحاج سعد الحكيم أكبر تاجر جملة للصنف في عصره، وقد مات مقتولا في الخمسينات من هذا القرن العشرين على يد أحد صبيانه طعنا بالسكين، وقال شهود العيان إن الحاج سعد وهو في غيبوبة الموت كان يغني بصوت جميل أغنية الشيخ زكريا الشهيرة آنذاك “ما هو انت اللي جايبه لروحك بإيدك يا قلبي”.

كنت أقطن مع الشيخ إمام ومحمد علي في المنزل رقم 2 بعطفة حوش قدم وهو ملك لورثة المرحوم الحاج سعد الحكيم أكبر تاجر جملة للصنف في عصره

كان شباك حجرتي يطل على بيت جمال الدين الدهبي شاهبندر تجار مصر المحروسة على أيام الوالي محمد علي باشا الكبير رأس الأسرة العلوية ومؤسس مصر الحديثة ومنشئ القناطر الخيرية، وبيت الدهبي كما هو معروف بين أهالي حوش قدم استولت عليه وزارة الثقافة وحولته إلى مزار سياحي نهاراً ومرسم لطلبة كلية الفنون الجميلة ليلاً، وعطفة حوش قدم المذكورة هي “شق الحرية” بلغة أهل الحوش وهي حارة سد تبدأ ببيت الحاج سعيد الموجي الذي أنجب العالم الجليل الشيخ عبد السلام الموجي إمام وخطيب جامع الفكهاني، ثم أتبعه بالشقيق الأصغر الأستاذ سعيد الموجي ضابط الإيقاع الشهير الذي كان يقود تخت المطربة العظيمة أم كلثوم فسبحان من جمع النيرين.

وإذا كان جامع الفكهاني الذي في مدخل الحوش من الغورية يتباهى على سائر الجوامع المجاورة بخطيبه وإمامه الجليل، فإن جامع الصباح الذي في مدخل الحوش من الباطنية يتيه عجباً بمقرئه العظيم الكفيف الشيخ حسين صاحب الدم الخفيف والقفشات اللاذعة والذي يستعيذ بالله كلما سمع سيرة الفول ويسميه (حبوب منع الفهم) بينما يسمي كلب الميهي المتوحش “‘عم بلدنا” أو “العدو الذي يجب احترامه”!

وتقع حارة حوش قدم في قلب غابة من المآذن تبدأ من الجمالية مئذنة ضريح سيد الشهداء مولانا الإمام الحسين مروراً بمئذنة جامع الأزهر الشريف ووصولاً إلى مئذنة جامع ألماس المواجه لباب زويلة أو بوابة المتولي حسب التسمية الشعبية، ومن هذه الغابة تتصاعد الأصوات الجميلة ناشرة فوق المكان غلالة من النغم الجميل المقدس، لا إله إلا الله والله أكبر على كل من طغا وتجبر ويذهب الطغاة ويأتي طغاة جدد، والنشيد الأبدي لا يتوقف، وحارة حوش قدم تستوعب النغم وتمارس الحياة.

كان الرمضان الأول كله في بيت الشيخ الموجي حيث يتجمع ضيوف الأستاذ سعيد الموجي من الأدباء والشعراء والفنانين لتناول طعام الإفطار من إيد ست الكل الحاجة أم سعد ثم صلاة المغرب والعشاء في جامع الفكهاني ثم التسلل من الجامع قبل أن تبدأ صلاة التراويح، ثم تبدأ السهرة وفي السهرة تلتقي بالشعر مع شاعر الشباب الراحل أحمد رامي، ثم تنتقل سيادتك معززاً مكرماً إلى أحضان الموسيقى والطرب. الشيخ إمام يعزف على العود وسعيد الموجي يمسك له بالإيقاع ويأخذك النغم الأصيل إلى منطقة الأحلام حيث يحتضنك صوت الشيخ إمام والشيخ محمد النادي وعبده أفندي إدريس المغربي ويطيروا بيك على فوق وتبقى مش عايز تنزل، وطبعا مش حتصدقوني لو قلت لكم: أنا من ليلتها لسه ما نزلتش!

….

نكمل غداً بإذن الله مع رمضان آخر من رمضانات أحمد فؤاد نجم.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة