الرئيسية / عالمية/

3 أفلام عربية في مالمو الـ11: رجالٌ في مهبّ الريح

ايلي خليفة - 3 أفلام عربية في مالمو الـ11: رجالٌ في مهبّ الريح

يرتبك المخرج (إيلي خليفة) في كتابته فيلماً جديداً له، كارتباكه في علاقته بحبيبته (روان حلاوي)، وبشخصياتٍ عدّة يخترعها في سيناريو غير مكتمل البتّة (“قِلْتِلَّك خلص” للّبناني إيلي خليفة). يتوه سام علي (يحيى محياني) في خرابٍ يعتمل في بلده سورية، بعد وقتٍ على فرض حربٍ على منتفضات ومنتفضين ضد ظلمٍ وجور، وفي بهتان مدينةٍ (بيروت) تستقبله قبل عثوره على منفذٍ إلى أوروبا، حيث التوهان أقسى وأبشع وأكثر أذيّة (“الرجل الذي باع ظهره” للتونسية كوثر بن هنيّة). يضيع الشاب المتديّن، الذي لا اسم له (غازي الزغباني)، بين “قناعات” ـ يصفها بـ”آراء وأفكار” يعتنقها ـ وجسد امرأة يلجأ إليها صدفةً لخلاصٍ من رجال شرطة يُطاردون أصحاب اللحى، ورغباتٍ مدفونةٍ في أعماق ذاتٍ وروح (“الهربة” للتونسي غازي الزغباني).

3 أفلامٍ عربيّة حديثة الإنتاج (2020)، معروضة في الدورة الـ11 (6 ـ 11 إبريل/ نيسان 2021) لـ”مهرجان مالمو للسينما العربية (السويد)”: أحدها (قلْتِلَّك خلص) في برنامج “ليالي عربية”، والآخران في مسابقة الأفلام الطويلة (“الرجل الذي باع ظهره” و”الهربة”). 3 أفلامٍ عن 3 رجالٍ وحيدين، يواجهون أقداراً في لحظات مستعصية على أي حلّ، ومنقلبة على أحوالٍ ومفاهيم. 3 رجال يُفضّلون هروباً مُرتبكاً بدلاً من المواجهة، فالبهتان والهشاشة قاسيان، والاختناق شديد.

لكنْ، أهناك خلاصٌ أو منفذٌ أو هروب؛ أم أنّ الحصار قاتل، والشقاء أقوى، والانكسار قدر، والخيبات أكثر إيلاماً؟ أيكون لهؤلاء الرجال مَخْرجٌ من ورطاتٍ يجدون أنفسهم فيها من دون قصدٍ، أو صدفة، أو نتيجةً لالتزامات وأهواء وأمزجة؟ هل يعثر المخرج والمتديّن على انبعاثٍ حقيقيّ، يُشبه التمرّد الأخير لسام علي، وانقلابه على مساره، وإنْ يكن ثمنهما (التمرّد والانقلاب) عودة إلى موتٍ، يتفشّى في بلدٍ منذور لمزيدٍ من خرابٍ؟

لا شيء يوحي بأنّ تمرّد سام علي وانقلابه مدخلٌ إلى استعادة حياةٍ سابقة، أو بداية حياة جديدة، يُفترض بها أنْ تكون أفضل. هذا يُشبه، ولو قليلاً، انغلاق كلّ أفق على مُخرجٍ يريد تحقيق فيلمٍ، رغم أنّه واقعٌ في الحدّ القاتل بين أوهام ووقائع، وبين خيال وحقائق؛ كما يُشبه الخروج الملتبس للمتديّن من غرفة بائعة الهوى، بعد رضوخه لسطوتها الأقوى من أيّ شيء ومن كلّ شيء، وتنفيذه مبتغاها الأخير، المتناقض مع ما يعتنقه من آراء وأفكار والتزامات. انعدام كلّ إشارة إلى خلاصٍ مطلوبٍ يبقى مُعلّقاً، فالنهايات، رغم وضوح بعضها إلى حدّ ما، مُعلّقة أيضاً، والمصائر قائمةٌ خلف جدار واهٍ، أو في شارع آخر، أو في بلدٍ معطوب.

المرأة، في هذا كلّه، حاضرةٌ. تأثيراتها متنوّعة، وارتباطاتها مختلفة، وتمكّنها من إحداثِ فرقٍ أو أكثر فاعل وأساسيّ. ومع أنّها غير توّاقة إلى إحداثِ فرق، أو إلى حضورٍ يتخطّى مكانتها وأحاسيسها وانشغالاتها، تذهبُ إلى أقصى الحكاية، كي تصنع شيئاً ممّا تصنعه عادة: الخلق، أو إعادة الخلق مجدّداً. والخلق لن يكون بيولوجياً أو أمومياً: فنرجس (نادية بوستة) تُعيد خلق المتديّن بنباهتها وحُسن امتلاكها المكان والمناخ والمسار والتفاصيل والانفعالات والهواجس؛ والمرأة في حياة المخرج تتوزّع على أكثر من شخصية وتفكيرٍ ورغباتٍ وارتباكاتٍ؛ وفي حياة سام علي، تمارس سطوةً، تتنوّع بين تحطيمٍ وبعثٍ.

 

 

أما زمن الحكايات ومساراتها والشخصيات ومصائرها فكثيرة، باستثناء “الهربة”، المُشتغل على ثنائية المكان (غرفة بائعة الهوى) والزمان (ساعات عدّة للحدث، تُخْتَزل وتتكثّف في 86 دقيقة للفيلم)، وشخصيتين اثنتين فقط (المتديّن وبائعة الهوى)، ومرور سريع لشخصيات قليلة أخرى. المخرج يبحث عن منافذ تمنحه شيئاً من راحةٍ، فالقلق والألم والتعب منبثقة من عجزه عن حسم أموره؛ والمتديّن مُثقَلٌ بأسئلة غير محسومة عن عقائد وانتماءات؛ وسام علي يتخبّط بين عشقٍ مبتور، وفنٍّ يصنع شرخاً في روحه، وتحدّيات تمنحه إمكانية خيارٍ أخير، فيختار التمرّد والانقلاب، وإنْ تكن نتيجتهما أشبه بموتٍ مؤجّل، في بلدٍ يؤجِّل موته.

رجال في مهبّ ريحٍ، تعصف بكياناتهم الحياتية والانفعالية والاجتماعية. تهزّ قناعاتٍ، وتُربك قلاقل، وتدفع إلى اختبار المجهول، لعلّ فيه خلاصاً ولو مؤقّتاً. ريحٌ تضرب مسالكهم، فتنبّههم إلى أشياء فيهم يبقون أعجز من تلبيتها، وإلى حالاتٍ ومسارات تحيط بهم، وإنْ تكن أقوى من إلهامهم تغييراً وتجدّداً. ريحٌ تقودهم في أرضٍ قاحلة، كتلك المُقيمين فيها قبل اختباراتهم غير المتوقّعة. تضعهم أمام مرايا كثيرة، بعضها يُثير فيهم حشرية معرفة، أو يكون منفذاً، أو يتحوّل إلى مطهرٍ، وإنْ يبقى هذا كلّه ملتبساً وغير مكتمل وغير نهائيّ، فكلّ واحد منهم مُعرّض للإصابة بهذا كلّه في لحظة واحدة أحياناً، أو ببعضه أحياناً أخرى.

يصعب تحديد مآلات الرجال الـ3. المخرج مرتبك طيلة الوقت، بحثاً عن أشياء وأناس، وعن ذاتٍ ومَنْفَذ. المتديّن يهرب من رجال شرطة، فيقع في مصيدة امرأة تصنعه من جديد، فيولد في حضنها مذعوراً من ارتكاب معصية، وقابلاً (ضمنياً على الأقل) بمعصية تمنحه تلك الولادة المطلوبة (ولو بصمت). السوريّ، المتمكّن من بلوغ بيروت، يصل إلى بروكسل لوحةً فنية تُعرض هنا وهناك، وتباع في مزادٍ علنيّ، لكنّ الحبّ يُنقذه، وإنْ بالعودة إلى جحيم بلدٍ وخراب اجتماع (فنان بلجيكي يلتقيه في بيروت، يُقنعه برسم تأشيرة “شنغن” على ظهره، ومرافقته في رحلةٍ تتوزّع على حكايات وحالات وصدامات).

لا أحد منهم سينجو نهائياً. لا نجاة نهائية أصلاً. يُغلق المتديّن باب غرفة بائعة الهوى بعد خروجه منها، فيختفي كلّياً، وما من إشارة تقول شيئاً عن مصيره. يظلّ المخرج يركض بين سيارات وفي شوارع وداخل جدران وفي فضاءات مغلقة، فيختفي، هو أيضاً، بعيداً في ذاته المحطّمة، أو قريباً من انهياره الأخير، ولا شيء يحسم نهايته أبداً، ويؤكّدها بوضوح. عودة السوريّ مليئة بأسئلة وقلاقل وآلام، لكنّه غير مهتمّ فالحبيبة إلى جانبه، وهذا كافٍ له.

لكنْ، أهناك خلاصٌ أو منفذٌ أو هروب؟ لا إجابة.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة