Business is booming.

ذكرى ميلاد: رشدي راشد.. في تقاليد البحث العربية الإسلامية

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الخامس من نيسان/ إبريل، ذكرى ميلاد المؤرخ والباحث المصري رشدي راشد (1936).

 
في كتابه “الرياضيات التحليلية بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة” بمجلّداته الخمسة، يبحث رشدي راشد الذي تحلّ اليوم الإثنين ذكرى ميلاده، التقاليد العلمية في تاريخ العلوم خلال عصر الإسلام الكلاسيكي التي يجري دراستها عادة بشكل من الاستعجال، مشيراً إلى أن العديد من العلماء البارزين لا يُعرف عنهم أكثر من أسمائهم، وعند قراءة مساهماتهم يجب فهم طرق انتقال البنى المعرفية وتطوّرها من زمنٍ إلى آخر.

يحاول مؤرخ العلوم والباحث المصري (1936) رسم التقليد البحثي في “رياضيات اللامتناهيات في الصغر” من خلال تحليل ما وصلنا من مؤلّفات قليلة لعدد من هؤلاء العلماء بدءاً من بني موسى في منتصف القرن التاسع الميلادي، مروراً بثابت بن قرة والخازن وإبراهيم بن سنان والقوهي وابن السمح والماهاني وابن سهل وابن هود وصولاً إلى ما قدّمه ابن الهيثم في القرن الحادي عشر الميلادي.

وُلد راشد في القاهرة ودرس في جامعتها، لينال درجة البكالوريوس في الفلسفة وهو في العشرين من عمره، ثم انتقل إلى فرنسا، حيث أكمل دراساته العليا فحاز درجتي دبلوم الرياضيات من “جامعة باريس”، ودكتوراه الدولة في تاريخ فلسفة الرياضيات في الجامعة نفسها، حيث عمل باحثاً في “المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية” بحلول عام 1965.

يربط بين الوقائع والشروط الاجتماعية والتاريخية وبين نشوء وتطور المعرفة العلمية

يركّز صاحب كتاب “دراسات حول ابن سينا” على العلاقة بين فلسفة التاريخ وفلسفة العلم، باعتبار أن التاريخ يخضع للعقلانية وللتنظير الفلسفي، ويرتبط بفهمنا لفكر الحداثة وللمستقبل الإنساني كفلسفة، والأداة المنهجية الأساسية في الفلسفة الحديثة هي المنطق، في حين أن الأداة المنهجية الأساسية للعلم الحديث هي الرياضيات، لذلك يجب أن يخضع التاريخ بصفتيه الفلسفية والعلمية للمنطق والرياضيات.

ينتمي التحليل التاريخي لراشد إلى مجال علم اجتماع المعرفة الذي يربط بين الوقائع والشروط الاجتماعية والتاريخية وبين نشوء وتطور المعرفة العلمية، وطبق منهجه على ظهور وتطور العلم العربي/الإسلامي القديم، وعلى بيان علاقته التطورية بالعلم اليوناني السابق عليه والعلم الغربي الحديث اللاحق له، ليكشف عن الطبيعة الخاصة للعلم العربي/ الإسلامي وللمجتمعات التي أنتجته وكيفية تميزه عن العلوم السابقة واللاحقة عليه، وأن يثبت نوعاً من الاستمرارية والتطور في الفكر العلمي عموماً، وفي العلاقة بين الفكر العلمي العربي/ الإسلامي القديم والفكر العلمي الحديث خصوصاً.

في تفكيكه للصورة المغلوطة أو الغامضة عن تاريخ العلوم العربية الإسلامية، صاغ التصورات النظرية لكيفية تطبيق الرياضيات على العلوم الاجتماعية عموما والتاريخ خصوصاً، وسعى إلى تطبيق هذه التصوّرات على تاريخ العلم العربي/ الإسلامي القديم عبر اعتماده على المنهج التحليلي المنطقي والرياضي والتاريخي للقضايا المجتمعية والتاريخية، والذي يمثل جوهر فكره الفلسفي، وكذلك على منهج التحليل الاجتماعي للكشف عن البني والشروط الاجتماعية التي تؤدي إلى ظهور التقاليد العلمية والفلسفية، بالإضافة إلى منهجية خاصة بتحليل النصوص ونقد المخطوطات.

وضع راشد عدّة مؤلّفات باللغة الفرنسية منها بين الحساب والجبر – بحوث في تاريخ الرياضيات العربية”، و”شرف الدين الطوسي – المؤلفات الرياضية، الجبر والهندسة في القرن الثاني عشر”، و”الرياضيات والفلسفة من العصر القديم إلى القرن السابع عشر، دراسات مهداة إلى جول فيلمان”، و”علم الضوء والرياضيات: أبحاث حول تاريخ الفكر العلمي العربي”، و”الهندسة وعلم الضوء في القرن العاشر – ابن سهل والقوهي وابن الهيثم”.

كما ألّف بالعربية كتباً مثل “الباهر في الجبر” للسموءل (تحقيق مشترك مع أحمد سعيدان)، و”فن الجبر عند ديوفنطس”، و”الإنتاج الجبري للخيام” (تحقيق مشترك مع أحمد جبار)، حلب، و”في تاريخ العلم – دراسات فلسفية”، إلى جانب ترجماته إليها في كتب “بين الحساب والجبر – بحوث في تاريخ الرياضيات العربية”، و”موسوعة تاريخ العلوم العربية (ثلاثة أجزاء) وغيرهما.