الرئيسية / عالمية/

تشارلي كوفمان.. لم أفكّر أبداً في إنهاء الأمور

f4cb8787 6a52 440c 9fb1 3650f167a454 - تشارلي كوفمان.. لم أفكّر أبداً في إنهاء الأمور

كلانا يجيد الحوار عن بُعد: أنا بأفكاري وأحكامي المسبقة، وتشارلي كوفمان بلقطات تدفن أي سؤال طارئ، دون أن تتوقّف الشفاه أبداً عن النطق بكلمات لها طعم الثلج. يُفتتح الفيلم باقتباسٍ مطلعه: “حين تستبدُّ بالمرء فكرة إنهاء الأشياء، فإنها لا تفارقه، بل تلتصق به وتهيمن عليه، ولا يكون متاحاً القيام بشيء في هذا الخصوص، فهي لن تفارقه”. 

تكلّمي يا عزيزتي لوسي، فالجنس البشري غبي ومتعنّت. لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، فهو الوحيد الذي لا يدرك كنه موته، والوحيد الذي، كي لا يواجه هذه النهاية المؤلمة، يفضّل ابتكار الأمل، متوهّماً بأنّ كلّ شيء، عاجلاً أم آجلاً، سيؤول إلى الأفضل. هذا ما يفترضه تشارلي كوفمان، عندما تخيّل في “إنهاء الأمور حتى قبل أن تبدأ”. 

يقلّب كوفمان صفحات رواية الكندي إيان ريد، التي ترجمتها إلى الإيطالية جوليا دي بيازي. وأسوةً بساحر متمرّس، يستخلص منها فيلماً معقّداً ومثيراً للقلق. جايك (جيسي بليمونز) ينظر بمضض إلى والديه، بينما لوسي (جيسي باكلي) تعيش تلك اللحظات برعب حقيقي. فيلم لا يدعو المتفرّج للمتابعة، بل لتفسير ما يحدث، للتساؤل إلى أين يقوده كوفمان، في حلم أم في كابوس، في رؤية غيبية أو في عنف الخيال.

غموض الشخصيات صنع ثروة الرواية التي يستند إليها العمل

بطلة الرواية هي فتاة ذات شعر أحمر ووشاح أصفر توافق على مضض في يوم ثلجي على مقابلة والدَي صديقها جايك، الذي كانت قد تواعدت معه منذ عدّة أسابيع. في هذا الجزء الأول من الفيلم، الذي يستمر أكثر من عشرين دقيقة بقليل، نحن في قمرة القيادة داخل السيارة، حيث نتواصل مع أفكار الفتاة التي تذهب لمقابلة والدَي جايك، ولكنها تفكر في إنهاء الأمور هناك، بينما جايك الذي يركّز على القيادة، يبدو منشغلاً بتخمين ما يدور في رأسها.

“يبدو أنني عرفت جايك لفترة أطول ممّا عرفته بالفعل. كم ستكون … شهرا؟ ستّة أسابيع، ربما سبعة؟ يجب أن أعرف ذلك بالضبط. برأيي سبعة، نعم. هناك حقّاً شيء بيننا، رابطة قوية ونادرة. شيء لم أجرّبه من قبل. ألتفت إليه وأضع ساقي اليسرى تحت فخذي كوسادة. “إذن، ماذا أخبرتهم عني؟”.

“لوالدَي؟ أخبرتهم ماذا يجب أن يُقال”، أجاب. رمقني بنظرة خاطفة. أنا أحب النظرة الخاطفة. ابتسم. أجده جذّاباً للغاية.
“أي ماذا؟”.
“أي أنني قابلت فتاة جميلة تشرب الكثير من الجن”.
“والداي لا يعرفان عنك”، أخبره.
يظنّ أنني أمزح. ولكنها الحقيقة. إنهم لا يعرفون بوجوده. لم أخبرهم عنه، لم أخبرهم حتى أنني تعرّفت على شخص ما. لا شيء. كثيراً ما كنتُ أفكّر في القيام بذلك. لقد أُتيحت لي عدّة مناسبات. لكنّني لم أشعر قط بالثقة الكافية”.

على الرغم من أنَّ الفرضية هي مقابلة والدَي جايك، اللذين يقوم بدوريهما توني كوليت وديفيد ثيوليس، إلّا أنّنا نفهم على الفور أنّ هناك خطأ ما. فلديهما شيء خاطئ يلاحظه البطل ويلاحظه المشاهد، وهو في هذه المرحلة مستعدّ إلى حدّ ما لأي شيء، حتى لحقيقة أنّ الفيلم يمكن أن يحوّل نفسه من درامي إلى إثارة، مع إمكانية تعرّض حياة الأبطال أنفسهم إلى الخطر.
إذا كنّا في البداية، فستكون هذه هي اللحظة التي ندرك فيها أنّ الحلم ينهار، بالمعنى الحرفي والمجازي. نعم، حدث شيء ما. ليس فقط في بنية الواقع، ولكن أيضاً الشكّ في أنه من الآن فصاعداً، سيتعيّن علينا إعادة بناء ما نراه، على الرغم من أنّنا لن ننجح حقّاً. يُظهر لنا كوفمان سلسلة من المتواليات، بعضها حاسم والبعض الآخر يعيدنا إلى الفرضية الأولية المتمثّلة في عدم الجدوى وسوء الحظ. ثم يفتح اقتباس من أوسكار وايلد طريقاً لنا: “معظم الأشخاص أناس آخرون”، فيتحرّك شيء ما في داخلنا، ونفهم أن مقاصد الفيلم أكثر براغماتية ممّا كانت تبدو في البداية. 

مقاصد الفيلم أكثر براغماتية ممّا كانت تبدو في البداية

يؤكّد السيناريو على ذلك من خلال اللجوء إلى الاقتباسات المتعدّدة والرحلات، في حين أن التصوير الفوتوغرافي الاستثنائي الذي قام به لوكاش زال، يوحي لنا بالانتقال من بياض الثلج إلى ظلام الليل، من تسلسلات الرسوم المتحرّكة بالأبيض والأسود إلى رقصة باليه رائعة يؤدّيها الراقصان الكلاسيكيان أونيتي فيلان وريان ستايل. المشهد، وهو أحد أكثر مشاهد الفيلم إثارة للذكريات، هو مفتاح آخر لرسالة أُخرى تحيلنا إلى الغوص مجدّداً في ماض لا نعرف بالضبط ما إذا كان يجب نسيانه أو أنه مجرد عود على بدء. 

لكن، من ناحية أُخرى، كوفمان، الذي تمكّن في التسلُّل إلى عقولنا وأفئدتنا في أفلام مثل “إشراقة أبدية للعقل الطاهر” الذي ترشّح لأوسكار أفضل سيناريو أصلي، و”أن تكون جون مالكوفيتش”، وهو أوّل فيلم بدأ به مسيرته الفنية، و”سينكدوكي، نيويورك”، و”أنوماليسا”، يريد فقط إرباكنا ولفت انتباهنا. لأننا، بعد كل شيء، مخلوقات فانية ومليئة بالأمل، وقد نستفيد أيضاً من الوقت المتاح لدينا لفكّ شفرة وهضم ما نراه.

غموض أبطال الرواية هو وسيلة سرد مدهشة ومتطوّرة، وهو نفس الشيء الذي صنع ثروة الكتاب الذي يستند إليه الفيلم، والذي يتم فيه نقل الأحداث بأمانة وشمول: “داخل الولايات المتّحدة. طريق سريع صامت وفارغ، فقط ملامح مسطّحة تُكرّر نفسها، أرجوحة، إسطبل، أغنام متوقّفة في ضوء النهار، حظائر وحقول. تجلس صديقة جايك في السيارة، تُصغي إلى موسيقى “كنتري” على الراديو، وتراقب الريف وتواصل التفكير بأنّ عليها إنهاء العلاقة معه؛ على الرغم من أن جايك، مع هذا الجو المُدلّه والمحادثات الشيقة، كان يثير في النهاية إعجابها”. 

هنا يبتعد كوفمان كثيراً عن الصفحة المكتوبة، ويختار نهايةً أكثر رؤية وشاعرية، ويهجّن اللغة التي اعتمدها في الفيلم حتى الآن مع الباليه والموسيقى والرسوم المتحرّكة. عنصر آخر يُميّز كتاب إيان ريد عن الفيلم هو بنية القصة: فصول المؤلّف الكندي غالباً ما تسبقها أجزاء من محادثةٍ بين شخصَين غريبَين حول حادث مروّع. فقط في نهاية الرواية، من خلال قراءة تلك الأجزاء التمهيدية واحدة تلو الأُخرى، سيكون المدلول العام للفيلم واضحاً: “يمكن للفكر أن يكون أكثر واقعية، وأكثر صحّة من الفعل. يمكنك قول أي شيء، وفعل أي شيء، ولكن لا يمكنك ارتجال فكرة”.

يُغيّر تشارلي كوفمان اتجاه الأحداث ويحوّله عن عمد إلى تسلسل خالٍ من أي رابط سببي، تماماً كما يحدث في كابوس، لكن بالنسبة إلى أعماله السابقة، فإنه يذهل لموهبته المميّزة في تنظيم لحظات رعب حقيقية. في الواقع، ليس ثمّة مقارنة بين عشاء والدَي جايك والفصل المقابِل من الكتاب، وهي تحفة صغيرة من زيادة التوتر، والتفسيرات الرائعة لثيوليس، وحتى المزيد من شروحات كوليت لا تنمّ إلا بالريبة والقلق. 

أثناء رحلة السيارة في بداية الفيلم، بينما يختلط الحديث الصغير مع أطروحات حول مواضيع مختلفة، يقتبس جايك سطوراً عن “امرأة مثالية جميلة تُدعى لوسي تموت في سنّ صغيرة”. الإشارة إلى ما يُسمّى قصائد لوسي، أدلّة على الخلود من مذكّرات الطفولة المبكّرة لوليام وردزورث، وهي أشعار من عام 1807 تحتفل بالحنين بنظرة الطفولة المفعمة بالأمل: “مرّت مرحلة من مراحل عمري (…)/ الأرض وكلّ المناظر المألوفة/ بدت لي/ كما لو كانت مغلَّفة بنور سماوي (…)/ غير أنها لم تعد الآن مثلما كانت عليه”، تقول القصيدة الخالدة.

في هذه الكلمات القليلة، يمكننا التعرُّف على جوهر الروح الكاملة لـ”أفكّر في إنهاء الأشياء”، والتي هي في الحقيقة نظرة طويلة مشوّشة ومليئة بالندم على ماض إن كان قد حدث أبداً.

مع هذه الحالة الذهنية، يسترجع العجوز جايك حياته. ففي خاتمة الفيلم، عندما تكشف الرواية عن نفسها الآن بكل وعيها وتظهر جميع الشخصيات في مسرح مجهَّز بديكور غير متجانس، يجد بطل الرواية القوّة للقيام بفعل يائس أخير. من ناحية أُخرى، “ليس سيئاً عندما تتوقّف عن الشعور بالأسف على نفسك. (…) كانت مجرد مسألة حظ”. بعد حصوله على جائزة نوبل الخيالية، يبدأ جايك في ترديد أغنية من مسرحية “أوكلاهوما” الموسيقية، حيث يُقسم جود فراي على أنه سيترك حياته الصعبة وراءه وأنه سيجد حبه المنشود. على الرغم من أنّ الأوان قد فات، فقد اكتشف جايك على فراش الموت رغبته في الخلاص بالإضافة إلى ذلك الأمل الوهمي للشباب الذي احتفل به وردزورث، وكما هو الحال في أبيات القصيدة، فإنه يخرج “مغلّفاً بنور سماوي، ومتحلّلاً إلى اللون الأزرق”.

في “أفكّر في إنهاء الأشياء” (2020)، يُثبت تشارلي كوفمان مكانته كمخرج فذّ، كمبدع للقصص التي يتغلّب عليها الإلحاح الفنّي على أي حل وسط، ويؤكّد في الوقت نفسه أنه فنان قادر على ترويض القصص الصعبة ولمس أسمى ما وصل إليه الفن السابع. باللجوء إلى اقتباس من الفيلم، يمكننا أن نختتم بتذكير أنفسنا بأنّ “العالم أكبر من داخل رؤوسنا”، وينبغي أن تنتهي الأمور هكذا دائماً: لا تنتظرني، حتى لو قرّرتُ المجيء!

* كاتب ومترجم سوري يُقيم في ميلانو

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة