Business is booming.

شتات التيار الإسلامي بانتخابات الجزائر: لا تنسيق ولا تحالف

تعود قوى التيار الإسلامي في الجزائر إلى المنافسة الانتخابية في الانتخابات البرلمانية المبكرة المقررة في 12 يونيو/حزيران المقبل، بعد تباين لافت في المواقف بين مقاطعة ومشاركة ورفض وتأييد في آخر استحقاقين انتخابيين شهدتهما الجزائر، وهما الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 2019، والاستفتاء على الدستور الجديد في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

وتدخل القوى الإسلامية في الجزائر انتخابات يونيو المقبل بلا تنسيق في المواقف وخارج إطار ائتلافات انتخابية. وبخلاف نجاح قوى هذا التيار في تشكيل تحالفات في الانتخابات النيابية عامي 2012 و2017، فضّل كل حزب إسلامي خوض الانتخابات المقبلة بشكل منفرد، خصوصاً أن الظروف والمعطيات التي تجري فيها الانتخابات المبكرة مغايرة تماماً لتلك التي جرت فيها الانتخابات السابقة، ويبرز أكبر تحدٍ أمام الأحزاب السياسية بوجود منافسة قوية من قبل قوائم المجتمع المدني والمستقلين بفعل تشجيع السلطة لهذه الأخيرة.

كبرى الأحزاب الإسلامية في البلاد، حركة “مجتمع السلم”، والتي حلت ثالثة في الانتخابات الماضية عام 2017 بحصولها على 33 مقعداً، رفضت عروضاً من أحزاب إسلامية لإقامة تحالف انتخابي، على غرار تحالف شاركت فيه في انتخابات عام 2012. وكان مجلس شورى الحركة، المتحكم في مقاليدها، قد أقر لوائح انتخابية محددة ولم يترك أي إمكانية لتشكيل قوائم مشتركة مع أحزاب أخرى من التيار الإسلامي أو غيره، خصوصاً أن القوى الموجودة لا توازيها تنظيمياً وشعبياً.

رئيس مجلس شورى “العدالة والتنمية”: المؤشرات الراهنة لا تبقي أي احتمال لوجود تحالف بين القوى الإسلامية على صعيد قوائم المرشحين

كما اضطرت “جبهة العدالة والتنمية” لخوض معركة الانتخابات منفردة هذه المرة، بعد تجربة تحالف انتخابي مع حركتي “البناء” و”النهضة” عام 2017، ووحدة اندماجية لم تعمر طويلاً. وقال رئيس مجلس شورى “العدالة والتنمية”، لخضر بن خلاف، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن لا وجود لتحالفات إسلامية مبدئياً، والمؤشرات الراهنة لا تبقي أي احتمال لوجود تحالف بين القوى الإسلامية على صعيد قوائم المرشحين، خصوصاً أن مجموع الأحزاب حسمت خياراتها الانتخابية على صعيد مرشحيها في الولايات، بينما هذا النوع من التحالفات يحتاج إلى توافقات مسبقة.

من جهتها، اختارت حركة “البناء الوطني” التي استكملت تشكيل قوائمها، نوعاً آخر من التحالفات يقوم على استقطاب الكفاءات كأفراد أو تنظيمات مدنية ضمن قوائمها، فجاء 65 في المائة من المرشحين في قوائمها من خارج صفوف الحركة. وفسر رئيس الحركة عبد القادر بن قرينة، في تصريح لـ”العربي الجديد”، ذلك بقوله إن مرشح الحركة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 2019، حاز على 1.5 مليون صوت، وهذا يعني أن الحركة لم تعد ملكاً فقط لمناضليها وإنما لكل الجزائريين الذين صوتوا لصالحها. وأضاف أن “الحركة منفتحة على أي تحالف أو تعاون وأي صيغ أخرى في الانتخابات البرلمانية المقبلة”، من دون أن يشير إلى اشتراط أن تكون طبيعة التحالف داخل التيار الإسلامي فحسب، لكنه دعا مبكراً إلى نوع مغاير من التحالفات الانتخابية التي لا تتعلق بقوائم مشتركة بالضرورة، وإنما بتعاون انتخابي يخص مراقبة سير العملية الانتخابية وصيانة الصناديق وفق ميثاق انتخابي.
وقال بن قرينة إن الحركة “تتطلع لخوض الانتخابات النيابية المقبلة ضمن ائتلاف انتخابي من الأحزاب والشخصيات والمجتمع المدني، نخوض به الاستحقاقات المقبلة، يمتد إلى داخل البرلمان ويكون قوة طلائعية تحرص على وحدة الشعب وخدمته، وانسجام مؤسسات دولته، مشروعها هو تحقيق استقرار أمني، وإحداث وثبة تنموية اقتصادية واجتماعية، وتكريس تغيير سياسي حقيقي وعميق في إطار تحوّل ديمقراطي آمن، كفيل باستكمال مطالب الحراك الشعبي الأصيل”، مع تلميحه إلى أن الفترة الزمنية المتبقية لإيداع القوائم لدى سلطة الانتخابات، لا تتيح أي إمكانية لتقديم قوائم مشتركة مع أحزاب إسلامية أو أخرى.

نتائج تجربتين سابقتين لتحالف انتخابي إسلامي لم تكن مرضية بشكل كبير

قد يكون لتجربتين سابقتين لتحالف انتخابي إسلامي، أثر بالغ في دفع كل حزب إسلامي إلى مواجهة مصيره وخوض معركته الانتخابية بشكل منفرد، فنتائج التجربتين لم تكن مرضية بشكل كبير من جهة، وبسبب عدم وجود توازن هيكلي وشعبي يبرر إقامة مثل هذه التحالفات، من جهة أخرى. ففي عام 2012 خاض الإسلاميون الانتخابات النيابية ضمن تحالف “الجزائر الخضراء”، والذي ضم ثلاثة أحزاب إسلامية رئيسية، وهي “مجتمع السلم” و”النهضة” و”الإصلاح الوطني”، ووقع العبء الأكبر في تلك الانتخابات على “مجتمع السلم”، بسبب الضعف الهيكلي والتنظيمي للحزبين الآخرين، خصوصاً أنه أوقع بعض الخلافات بين كوادر “مجتمع السلم”، بسبب الترتيب في القائمة المرشحة، لكون التحالف كان يفرض تقديم بعض مرشحي الحزبين الحليفين، “النهضة” و”الإصلاح”، في بعض الولايات.

وحاز التحالف على المرتبة الثالثة في النتائج النهائية بـ48 مقعداً، فيما حصل حزب إسلامي آخر هو “جبهة العدالة والتنمية” (منشق من حركة الاصلاح) على 11 مقعداً، وأصبح مجموع حصاد الإسلاميين في انتخابات 2012، 59 مقعداً. وعلى الرغم من أن كتلة التحالف أدت ولاية نيابية مقبولة مقارنة مع باقي الكتل النيابية على صعيد مجموع المساءلات الموجهة للحكومة وتعديلات القوانين والعمل الميداني، إلا أن الأحزاب الثلاثة لم تكرر التجربة نفسها في انتخابات عام 2017.

وفي الانتخابات النيابية عام 2017، كانت الساحة السياسية قد تعززت بتغير طفيف في الخريطة السياسية للإسلاميين، فتعززت الساحة بحزب إسلامي هو حركة “البناء” (منشقة عن جبهة التغيير المنشقة هي الأخرى عن مجتمع السلم). وإذا كانت حركة “مجتمع السلم” قد رفضت تكرار تجربة التحالف الإسلامي لاعتبارات سياسية وهيكيلة تتعلق بضعف القوى المتحالفة، فإن الحزب الجديد، حركة “البناء”، بادر للاحتماء في الانتخابات التي يخوضها للمرة الأولى بتحالف إسلامي جديد ضم أيضاً “جبهة العدالة والتنمية” التي يقودها الشيخ عبد الله جاب الله، وهو أحد القيادات التاريخية للعمل الإسلامي في الجزائر، وحزبه الأصلي الذي افتك منه عام 1999، حركة “النهضة”، وسمي هذا التحالف الانتخابي الجديد بائتلاف النهضة والتنمية والبناء. لكن نتائج الانتخابات النيابية كانت مخيبة بالنسبة للأحزاب الثلاثة، إذ لم يحصل الائتلاف الإسلامي سوى على 15 مقعداً، بينما حصدت حركة “مجتمع السلم” لوحدها 33 مقعداً، ليتجمد مجموع رصيد التيار الإسلامي على 48 مقعداً.

يعتقد مراقبون لواقع قوى التيار الإسلامي في الجزائر أن تراكم الخيبات السابقة والانشقاقات التي حصلت داخل كل حزب، والتباين الكبير في المواقف إزاء الانتخابات الرئاسية الماضية، ثم المواقف المتصادمة إزاء مضمون الدستور الجديد، وفي العلاقة والقرب من السلطة والرئيس عبد المجيد تبون، إضافة إلى الخصومات الذاتية التي ظهرت بشكل واضح في التصريحات والتصريحات المضادة بين كوادر أحزاب التيار الإسلامي، عوامل لم تُبقٍ الكثير من التقاطعات التي يمكن أن تجمع أحزاب التيار الإسلامي في الانتخابات المقبلة. وذلك على الرغم من أن الحسابات الانتخابية وطوفان القوائم المستقلة والتفجر الداخلي لأحزاب السلطة والموالاة، توفر فرصة تاريخية وغير مسبوقة للتيارات المنتظمة والمهيكلة، مثل التيار الإسلامي، للفوز بأكبر حصة من المقاعد في البرلمان المقبل وتشكيل حكومة ما بعد انتخابات يونيو أو فرض اشتراطاتها من موقع قوة على الأقل.