Business is booming.

المساعدات والمعابر في سورية: ورقة ضغط روسية لتعويم النظام

سجلت روسيا فشلاً جديداً، حيال فتح معابر داخلية في سورية، بين مناطق سيطرة النظام من جهة، ومناطق سيطرة المعارضة من جهة أخرى، في الجزء الشمالي الغربي من البلاد، والتي كانت موسكو تهدف من خلالها إلى تنشيط الحركة التجارية بين مناطق المعارضة والنظام، في ظلّ تردي الوضع الاقتصادي داخل مناطق سيطرة الأخير. وتعود أسباب تردي الاقتصاد خصوصاً إلى تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، بسبب الشحّ في تلك العملات في المصارف، بعد تعاظم حدة العقوبات الغربية، لا سيما الأميركية منها بموجب “قانون قيصر”.

باتت ضغوط روسيا تهدد التجديد لآلية المساعدات عبر معبر باب الهوى التي تنتهي في 11 يونيو/حزيران المقبل

وعلى الرغم من تذرع روسيا، من خلال إصرارها على فتح المعابر في كلّ من إدلب وحلب، بتخفيف الأوضاع الإنسانية الصعبة في مناطق المعارضة، والسماح للمدنيين هناك بالخروج إلى مناطق النظام، إلا أن الأهداف الحقيقية تكمن في تنشيط الحركة التجارية والاستفادة من دخول القطع الأجنبي، بالإضافة للضغط على وصول المساعدات الإنسانية – الأممية التي باتت تدخل إلى مناطق سيطرة المعارضة عبر معبر وحيد، هو معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا من جهة إدلب، إلى مناطق سيطرة النظام. هذا الأمر قوبل بتحفظات تركية وقطرية خلال مباحثات الدوحة الأخيرة حول سورية، بين كلّ من روسيا وتركيا وقطر، الأمر الذي بات يهدد التجديد لآلية المساعدات عبر معبر باب الهوى التي تنتهي في 11 يونيو/حزيران المقبل. إذ من المتوقع أن تلجأ روسيا إلى تعطيل قرار التجديد في مجلس الأمن الدولي، بعدما نجحت سابقاً في تخفيض المعابر من أربعة إلى واحد. وتسعى موسكو كذلك إلى إنهاء دخول المساعدات من خلال هذا المعبر بحجة “تجاوز سيادة الدولة السورية”، ما يجعل الوضع في الشمال السوري وآلية إدخال المساعدات، أمام عدد من الاحتمالات، منها التعطيل في مجلس الأمن، ولجوء روسيا إلى التصعيد في إدلب ومحيطها لفرض رؤيتها، بعدما بات ملف المساعدات ورقة ضغط ومساومة سياسية بالنسبة إليها.

وأعلن نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة في سورية، الفريق أول ألكسندر كاربوف، قبل بضعة أيام، إغلاق ثلاثة معابر إنسانية في محافظتي إدلب وحلب اعتباراً من 30 مارس/آذار الماضي، “بسبب قصف المسلحين لها”. وأشار كاربوف إلى أن “الأوضاع في المناطق المتاخمة لمعبري سراقب وميزناس في محافظة إدلب، ومعبر أبو زيدين في محافظة حلب، التي فتحت بمساعدة هيئة حماية المدنيين الروسية، لا تزال تتدهور”، مضيفاً أن “التنظيمات الإرهابية التي كثفت نشاطها في الأراضي السورية الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة التركية تقوم بقصف استفزازي، وتعطل حركة المواطنين والمركبات في ممرات الخروج”.

غير أن النقيب ناجي المصطفى، المتحدث باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، أكبر تشكيلات المعارضة السورية العسكرية في إدلب والحليفة لتركيا، نفى في تصريح لـ”العربي الجديد”، الادعاءات الروسية حول قصف المعارضة السورية تلك المعابر، واصفاً تلك الادعاءات بـ”الواهية والكاذبة”. وكان المصطفى قد أكد في تصريح سابق لـ”العربي الجديد”، عدم تسجيل أي حالة خروج للمدنيين من المناطق المحررة شمال غرب سورية التي تسيطر عليها المعارضة، إلى مناطق سيطرة النظام والمليشيات المساندة له منذ الإعلان عن افتتاحها، مشيراً إلى أن روسيا تريد تبرير فشلها أمام المجتمع الدولي للمرة الثانية من فتحها للمعابر بحجج واهية واتهامات باطلة، تنسبها للمعارضة لزيادة التصعيد والقصف في إدلب وما حولها.

وتمكن المانحون المجتمعون في مؤتمر بروكسل (الخامس) للمانحين الدوليين بشأن “دعم مستقبل سورية والمنطقة”، الذي انعقد يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، من جمع قرابة 6.6 مليارات دولار أميركي لمساعدة اللاجئين والنازحين السوريين في قطاعات مختلفة، في مقدمتها الصحة والتعليم والإغاثة الإنسانية. وسيكون جزء كبير من هذه المخصصات ضمن المساعدات الإنسانية الأممية عبر الحدود، والمهددة بتعطيل آلية التجديد لها من خلال روسيا في مجلس الأمن في يونيو المقبل.

ورأى هشام ديراني، المدير التنفيذي لمنظمة “بنفسج” الفاعلة في الشأن الإنساني والإغاثي شمال غرب سورية، والذي شارك باسم منظمته في مؤتمر المانحين في بروكسل، أن “ما تريده روسيا هو إدخال المساعدات عبر الخطوط من مناطق النظام إلى مناطق المعارضة وليس العكس”، موضحاً في حديث لـ”العربي الجديد” أن السبب في ذلك يكمن في “تثبيت عدم الحاجة لقرار إدخال المساعدات عبر الحدود”، معتبراً أن “أثر ذلك سيكون سلبياً وخطيراً جداً على مناطق خارج سيطرة النظام”. ويعني ذلك بالنسبة إليه، أن هذه المناطق “ستصبح تحت رحمة النظام، صاحب القرار النهائي بتسيير أي قافلة للمساعدات عبر الخطوط، وبالتالي وضع شمال غرب سورية، مثلاً، تحت الحصار، وهذا ما كان حاصلاً في الغوطة الشرقية”.

وأشار ديراني إلى أن “الوصول عبر الحدود دائماً ما كان يصطدم بالفشل، لا سيما في الغوطة الشرقية ودرعا، إضافة إلى شمال شرقي سورية بعد إغلاق معبر اليعربية، وبالتالي كان تدهور الوضع الإنساني واضحاً”. وأضاف أن الغرض من هذا التحرك الروسي فقط هو محاولة تعطيل تجديد قرار “عبر الحدود” من خلال ادعاء أن آلية “عبر الخطوط” موجودة وفعّالة، والادعاء أن” الهلال الأحمر السوري”، الشريك الحصري والإجباري، قادر على خدمة كل سورية.

تريد روسيا إدخال المساعدات عبر الخطوط من مناطق النظام إلى مناطق المعارضة وليس العكس

وفي ما يتعلق بالمعابر الثلاثة التي طالبت روسيا بفتحها في كل من إدلب وحلب، لفت ديراني إلى أنها “ليست لتمرير المساعدات الانسانية من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام، وإنما لتفعيل الحراك التجاري بين المناطق وتعزيز الوضع الاقتصادي في مناطق النظام من خلال الاستيراد والتصدير، مع ما يرافق ذلك من حركة بشرية، وهو أيضاً حراك ذو بعد سياسي كبير جداً”. وشدّد ديراني على أن كلا من روسيا والنظام يسعيان لإدخال المساعدات من مناطق النظام إلى مناطق المعارضة ضمن آلية “عبر الخطوط”، وهذا لتعطيل آلية “عبر الحدود”، بهدف التحكم الكامل بمصير أربعة ملايين نسمة يسكنون في مناطق خارجة عن سيطرة النظام.

أما الآليات الثلاث المعتمدة لإدخال المساعدات الإنسانية – الأممية إلى سورية، فهي على الشكال التالي:
أولاً، المساعدات داخل مناطق النظام: وهي المساعدات التي تقدّمها منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وهذا يكون ضمن المحافظة التي تملك فيها الأمم المتحدة مستودعات ومكاتب مثل حلب ودمشق. وهنا التنفيذ إجباري ومحصور بكونه عن طريق “الهلال السوري” و”الأمانة السورية للتنمية”، المرتبطين بالنظام، وتمت أخيراً إضافة بعض المنظمات التي يقبلها النظام.
ثانياً، عبر الخطوط: المساعدات التي تقدّم من داخل سورية وتعبر بين مناطق سيطرة مختلفة “نظام – معارضة”، “نظام – معارضة – نظام”، وهذه الطريقة تكون عبر تسيير قوافل إنسانية يتحكم النظام السوري بشكل شبه كامل بها من خلال إجراءات بيروقراطية عدة. ومن هذه الإجراءات، التحكم بالوقت، وذلك من خلال تأخير الموافقات بحسب مصالحه السياسية، والتحكم بالمواد الموافق عليها، مثلاً رفض المواد الطبية وبعض المواد الغذائية، وذلك للتحكم بما يدخل إلى المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة، والتحكم بالمناطق التي سيتم خدمتها من خلال رفض أو قبول القافلة المرسلة.
ثالثاً، عبر الحدود: والتي تمّت من خلال قرار مجلس الأمن للمساعدات عبر الحدود، وتسمح للأمم المتحدة والمنظمات الانسانية بإدخال مساعد الإنسانية من خارج سورية إلى داخلها، أو تنفيذ مشاريع في مناطق خارج سيطرة النظام من دون موافقة النظام، وهي الطريقة التي تزود الخدمات والمساعدات كاملة لكل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وعلى ذلك، فإن النظام وروسيا، باتا اليوم أمام خيارات متعددة لفعلها في ما يتعلق في مسألة إدخال المساعدات، أولها الضغط في مجلس الأمن لإنهاء آلية “عبر الحدود” للتحكم بالمساعدات عن طريق مناطق سيطرة النظام، أو السماح بتجديد آلية “عبر الحدود” مقابل وصول جزء من تلك المساعدات من مناطق المعارضة إلى مناطق سيطرة النظام، وهذا أمر اقترحته روسيا على كل من تركيا وقطر في مباحثات الدوحة الأخيرة، وقوبل بتحفظ من البلدين. كذلك يبقى التصعيد خياراً مطروحاً من قبل كلّ من النظام وروسيا للضغط على المجتمع الدولي لتحصيل الرؤية المناسبة لهما من خلال ورقة المساعدات الأممية.