الرئيسية / عالمية/

الأرمن اللبنانيّون .. مناصرون دائمون للدولة

470178690 - الأرمن اللبنانيّون .. مناصرون دائمون للدولة

أن تكون لبنانياً مُسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، فهذا عادي وشائع لا أكَمَاتَ فيه ولا ما وراءها. فالهوية شأن وطني، والأديان مشاع مُعتنقيّ عام، ومن الممكن لشخصٍ، كائناً من كان، أن يكون من أتباع هذا الدين أو ذاك، من دون أن ينعكس ذلك على هويته الوطنية أو القومية… ولكن أن تكون أرمنياً لبنانياً، فالأمر ليس بذلك التسلسل المُريح. ذلك أن “الأرمنية” ليست مُعتقداً دينياً كما حال الأديان الثلاثة، بل هي هوية قومية – وطنية – عرقية بمعنى ما، أي أنها يمكن، وفي “منطق معين”، أن تكون غير قابلةٍ للتعايش مع وطنية أخرى، كاللبنانية أو العربيّة: والمعنى أنه، ووفق ذلك “المنطق المعيّن”، لا يصحّ جمع الوطنيتين لدى شخصٍ واحد، فيكون لبنانياً عربياً وأرمنياً في آن، حيث إن أحد الانتماءين ينبغي له (ووفق المنطق المذكور ذاته) أن يشغل كامل المساحة، فلا يترك مكاناً لانتماء إضافي.

هذا في المنطق الشكلي المُعيّن، إلّا أن الواقع المعيش يتخذ منطقاً آخر، أكثر جدليّة وإنسانية. فالأرمن، وعبر تاريخهم الغني العريق، أنجزوا ما لم يسبقهم إليه أحد، فحملوا انتماءهم الأرمني في اليقين، وطافوا به أرض البشر تحت مطارق الويلات والتشرّد، وأقاموا حيث اختاروا الإقامة، وحيث وجدوا إمكانية العيش بسلام ووئام، والتزموا وطنية البلد الذي حلّوا فيه، فصاروا مواطنين من جملة مواطنيه، فأخلصوا له، ودخلوا في نسيجه الاجتماعي والسياسي والأمني والحياتي، من دون أن يبخس ذلك إخلاصهم الأصلي لأرمنيتهم، ولذلك الوطن الأرمني المحجوب عنهم بفعل لعبة الأمم ومفارقاتها.

علاقة الأرمن بالعرب أمة وتاريخا قديمة قِدم التاريخ العربي في حِقبه المتداولة، حيث اختلطوا بمجتمع أهل الضاد منذ العهد الأموي

وبقيت حالة إضافية امتازوا بها، فحيثما استقر جمعٌ من الأرمن في بلدٍ ما، ولنأخذ لبنان مثلاً، أحاطوا أنفسهم بعضهم ببعض، فتساكنوا متجاورين في منطقةٍ استنسبوها فاختاروها وتجمّعوا في جغرافيتها، حيث قلّما شاركهم في “رقعتهم” تلك من هو غير أرمني، ونشروا ثقافتهم الاجتماعبة والدينية والهندسية والفولكلورية والرياضية على أرجاء مساحة وجودهم وسكناهم، فصارت المنطقة كأنها “أرمينيا صغيرة” مفتوحة على الجهات جميعها، ترنّ بإيقاعاتها اللغة الأرمنية، وإلى جانبها اللهجة المحلية (اللبنانية) مُكسّرة على المزاج الخاص للّكنة الأرمنية. وهذا لم يكن ينمّ عن أيّ مستوى من الانعزال أو العداء للآخر غير الأرمني، أو الجفاء في التعامل معه، بل هو شأن أرمني داخلي وخصوصي للغاية ضمن المجموعة، يتفاعل فيها وينعكس عليها. وأغلب الظن أنه نوعٌ من استئناس الأرمني بالأرمني، بعد تاريخ مرير من النكبات التي حلّت بهم كجماعة بشرية.

برزت مهارة الأرمن بقوة في الأشغال اليدوية، وتجلّت مواهبهم في التقنيات الأولية والحِرفية الأساسية (من سمكرة ونجارة وحِدادة وتصوير فوتوغرافي وصبّ مغادن وقصدير ومعالجة للآلات)، وفي التصنيع الاستهلاكي (الثياب والأحذية والمواد الغذائية، وفي طليعتها “البسترما” التي برعوا فيها وصارت من علامات صناعتهم المميزة جداً)، وكان لذلك كلّه دور بارز في تحقيق انصهارهم الوطني، وتثبيته وإدامته، في المجتمع المُضيف الذي لم يكن في غنىً ألبتة عن مهاراتهم التي سرعان ما أصبحت مضرب المثل.

علي بن يحيى الأرمني

لم يقصد الأرمن، في العموم، لبنان وحده للاستقرار فيه، بل نزلوا أيضاً في مصر وسورية والعراق وتركيا، وكذلك في فلسطين. وتُعدّ حارة الأرمن من الأحياء الشهيرة في البلدة القديمة في القدس المحتلة، وتقع في الناحية الغربية من المدينة، وكانت تستخدم أماكن استقبال للحجاج المسيحيين إلى القدس، ولهم دير شهير في المكان. إلا أن أكبر وجود معاصر، فاعل ومتفاعل لهم، وبعيداً عن أي ثقافة خوف ودفاع في كل شيء، كان في لبنان؛ فلم يُشيطنهم أحد فيه، ولم يعتبرهم أي فريق سياسي محلي بدعةً وابتداعاً على أصل نسيج المجتمع اللبناني وانتظامه الوطني العام.

أما علاقتهم بالعرب، كأمة وتاريخ، فقديمة قدم التاريخ العربي في حقبه المتداولة، حيث اختلطوا بمجتمع أهل الضاد منذ العهد الأموي على الأقل، وبرزت منهم شخصياتٌ اشتهرت في الجيش، كما في البلاط والإدارة العامة للدولة، نذكر كثيرين منهم، لعل أشهرهم علي بن يحيى الأرمني، الذي حكم مصر على مرحلتين، وكان قائداً عسكرياً مسلماً شهيراً في القرن التاسع الميلادي، كما كان واليا لأرمينيا وأذربيجان تحت حكم الدولة العباسية، وحارب ضد الإمبراطورية البيزنطية، ثم شغل منصب والي طرسوس (القريبة من مدينة مرسين التركية اليوم) عشر سنوات انتهت في العام 862. وانتهى شهيداً ضد الروم، حين هبّ لنجدة بعض الثغور التي كان الروم انقضّوا عليها، وعلى أموال المسلمين وممتلكاتهم فيها. وتُجمع روايات مؤرخي تلك الحقبة على أن علي بن يحيى الأرمني كان عائداً بعدد قليل من الفرسان، من أرمينيا إلى ميافارقين، حين بلغه ما يرتكبه الروم في الثغور الجزرية، فنفر إليهم متصدّياً ومقتحماً، لكنه قُتل مع أربعمائة من رجاله أمام جحافل أولئك الروم، وذلك في شهر رمضان‏.‏

أكبر وجود معاصر، فاعل ومتفاعل للأرمن، وبعيداً عن أي ثقافة خوف ودفاع في كل شيء، كان في لبنان

ومن الأرمن الآخرين الذين اشتهروا أيضاً الأفضل شاهنشاه، وهو مسلم أرمني تولّى منصب الوزير الأول في الدولة الفاطمية في القاهرة. ثم بدر الدين لولو الذي اعتنق الإسلام، ثم أصبح حاكماً على الموصل بعد الزنكيين. وغيره فرقد السبخي، الواعظ الإسلامي المعروف، وأحد تلاميذ الحسن البصري، وكانت لديه معلوماتٌ وفيرةٌ ويقينيةٌ عن الديانتين، المسيحية واليهودية. وهناك غيره أيضاً، مثل ميلخ أمير أرمينيا الصغرى، وكان الأمير الثامن عليها.. وجميعهم أرمن، أباً عن جد، اعتنقوا الإسلام وتحدّثوا باللغة العربية، وبعضهم كتب فيها، وأنشد أشعاراً كذلك.

أقدم كنيسة في العالم

ينتمي معظم الأرمن في وطنهم الأم والشتات إلى الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية، وهي كنيسة لاخلقيدونية، على غرار الكنائس اللاخلقيدونية الأخرى في الشرق، وفي طليعتها الكنائس القبطية والسريانية اليعقوبية. وكان انخراط الأرمن، أمة وشعبا ودولة، في الديانة المسيحية مبكراً جداً، بُعيد فاجعة صلب السيد المسيح (ع). ولهذا السبب، صنّفت كنيستهم أقدم كنيسة وطنية في العالم، ودعيت بالكنيسة الرسولية الأرمنية الأرثوذكسية، كما صنفت مملكة أرمينيا في عهد الملك الأرمني تيريداتس الثالث سنة 301 ميلادية أول دولة في التاريخ تتبنّى المسيحية دينا رسميا للدولة.

وبُعيد اختراع الأبجدية الأرمنية على يدي الراهب الأرمني، مسروب ماسدوتس، سنة 406 ميلادية، بدأت ترجمة الإنجيل إلى اللغة الأرمنية، وترجمت إلى جانبه أيضاً أمهات الكتب التاريخية والعلمية والدينية والثقافية. وسمّي ذلك العصر بالعصر الذهبي للأدب والثقافة الأرمنية. وقيل أن أصولا عديدة للكتب المنقول عنها قد فقدت، فتم إنقاذها بالبديل الترجماتي الأرمني لها.

وثمّة إجماع بين المؤرخين على أن عصر الترجمة في أرمينيا كان قد سبق عصر الترجمة في دولة الخلافة العربية الاسلامية بقرون عدة، الأمر الذي جعل أرمينيا وشعبها يتقدّمان على غيرهما من الدول والشعوب المحيطة في مضمار الحضارة والعلم والتكنولوجيا والحداثة والتحديث، وجعل الأفراد الأرمن يتفوقون على كل صعيد، داخل أرمينيا نفسها، وفي سائر دول الشتات الأرمني اليوم، ومن بينها لبنان.

كان انخراط الأرمن، أمة وشعبا ودولة، في الديانة المسيحية مبكراً جداً. ولهذا السبب، صنّفت كنيستهم أقدم كنيسة وطنية في العالم، ودعيت الكنيسة الرسولية الأرمنية الأرثوذكسية

والحقيقة أن ثقافة الأرمن المنفتحة ساعدتهم كثيراً على جريرة الاندماج في الشعوب الأخرى وتبنّي خيارات الراهن والمستقبل. ولم تشعر الجماعة الأرمنية في لبنان مثلاً بأي اغترابٍ عن سائر اللبنانيين، خصوصاً أن كنيستهم كانت تشجّعهم على الانفتاح على جميع الطوائف. وفي الوقت نفسه كانت، ولا تزال، تؤكّد على حفظ الهوية القومية للأرمن. ومن هنا، يصحّ القول إن الكنيسة الأرمنية تتفوق على الأحزاب السياسية الأرمنية الراديكالية في معركة تثبيت الهوية القومية للأرمن، حتى ليخال المراقب، على هذا الصعيد، أن هذا الشأن “السياسي الكنسي” بات يتمّ على حساب أولويات العقيدة الدينية نفسها.

لقاء مع سارويان

الأرمن اللبنانيون مسيحيون جميعاً، وهم اليوم جزءٌ من الفسيفساء اللبنانية المتنوّعة على المستويات العرقية والدينية والثقافية التي تميّز المجتمع اللبناني. ولئن كان عهدهم في لبنان يعود إلى فترة نهايات الحرب العالمية الأولى ما بين 1915 و1916. (هناك من يردّ الوجود الأرمني في البلد إلى 770 سنة خلت، خصوصاً في شمال لبنان، وتحديداً في مدينة زغرتا القريبة من طرابلس، ويدلل على ذلك بوجود أديرة وكنائس أرمنية)، إلا أنهم باتوا جميعاً اليوم مواطنين لبنانيين، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم كسائر إخوانهم في الوطن الصغير؛ مع فارق، وهو أنهم عُرفوا على الدوام بتأييدهم الدولة اللبنانية ومناصرتها في كل المراحل، لكنهم ظلوا حياديين إيجابيين تجاه سائر طوائف لبنان ومذاهبه.

وبالنظر إلى غياب الإحصائيات السكانية الرسمية في البلاد، فقد قدّرت جهات أرمنية مسؤولة، أن عدد أرمن لبنان يتراوح ما بين 145 إلى 160 ألفاً حدّا أقصى. وجلّهم من الطائفة المسيحية الأرثوذكسية، يليهم الأرمن الكاثوليك، ثم أرمن الطائفة الإنجيلية، وجميعهم يتمركزون في محافظة جبل لبنان، وتحديداً في منطقة برج حمّود، كما في مدينة مجدل عنجر في محافظة البقاع، وأقلية منهم في طرابلس.

 وليم سارويان: أرمن لبنان أكثر من يعرف التصدّي لمجرد ورود خيال فكرة الانهزام الروحي لديهم أمام ثابتة مبدأ استعادة وطنهم القومي، فالوطن لديهم إحساس تاريخي ذاتي متواصل

ويتميز الأرمن (في لبنان وخارجه) بتواصلهم الحي واليومي مع موروثهم التاريخي، فالوفاء لدماء الأجداد أمانةٌ في عنق كل أرمني أينما كان، وسواء أكان منتميا للكنيسة الأرمنية أم خارجها. كما أن العرف الوطني الأرمني لا يقبل التفريط بالشخصية الأرمنية، مهما اشتدّت عليها الضغوط وكثرت الإغراءات. ومن المستحيل بالنسبة إلى الفرد الأرمني الذوبان في الجماعات الكبرى، وهو أبداً شاخص إلى هدفه: أرمينيا التاريخية. وفي هذا يقول الروائي الأميركي من أصل أرمني، وليم سارويان: “الأرمني أينما كان في هذا العالم، هو وطنه التاريخي يتحرّك على قدمين ثابتتين، وعقل رؤيوي نافذ، وروح عالية متوثبة، وقلب خصب لا يعرف العطب”.

وكنت التقيت عام 1976 بسارويان في “الحي الأرمني” المتواضع في لوس أنجلس الأميركية، والذي يضم في معظمه أرمن لبنانيين مهاجرين من منطقة برج حمود (شرق بيروت) عام 1975 هرباً من جحيم الحرب الأهلية اللبنانية. كان اللقاء في منزل هاغوب شاربيجيان، وهو شاعر أرمني لبناني صديق. وعندما عرّفت سارويان بنفسي إنني عربي لبناني كان يسكن في وسط أرمن برج حمود، ضحك وأجابني بأريحيّة لم أكن أتوقعها: “هذا يعني أن فيك شيئاً من الأرمن. فهل تفيدني عن نسبة الأرمنية فيك؟”. أجبته وأنا أبتسم: سيدي لا أحد في لبنان إلا ويحتفظ بود حقيقي وصادق للأرمن، خصوصاً الذين يعرفونهم عن كثب، فكيف بالذين يعيشون في وسطهم؟ .. وبعدها خاطبته بما تبقى لديّ من معرفة باللهجة الأرمنية، فازدادت ضحكته قائلاً: أهلا بك في وسط شعبك الأرمني هنا في لوس أنجلس”… وسألته بعدها: أنت روائي الدياسبورا الأرمنية في العالم، حسناً ماذا تقول في مصير هؤلاء المهاجرين الشاخصين أبداً في وطنهم أرمينيا حسب تعبيرك؟ هل سيبقون هكذا إلى ما لا نهاية؟ أجابني: “الوطن، بالإضافة إلى سردية الأجداد والآباء فينا، والتي ننقلها نحن بدورنا إلى الأبناء، يرتبط أيضاً بالتحوّلات الفكرية والفلسفية للمرء تجاه الأرض ومعناها الأخلاقي المتجذّر كالحياة فينا، ولا سبيل للغَلَبَة هنا، إلا بالعودة إلى الأرض الأولى نفسها .. أي أرض أرمينيا التي تنتظرنا وننتظرها على الدوام.. وهذا أمر لا يشذّ عنه أي أرمني في الدياسبورا. وفي المناسبة، دعني أقول لك إن أرمن لبنان هم أكثر من يعرف التصدّي لمجرد ورود خيال فكرة الانهزام الروحي لديهم أمام ثابتة مبدأ استعادة وطنهم القومي، فالوطن لديهم هو إحساس بفعل تاريخي ذاتي منواصل، ولا يعرف التوقف”.

ليس مستغرباً هذا الكلام من وليم سارويان عن أرمن لبنان في المهجر الأميركي، فهم كانوا على اتصال دائم به، ولسانهم معه كان مرآة لعقولهم وقلوبهم ومشاعرهم المتعلقة أبدا بأرمينيا، كما أخبرني. وهنا تدخّل صديقي الشاعر هاغوب شاربيجيان معلّقاً وشارحاً: “إنهم ينظرون إلى سارويان حامل شعلة أزلية في اتجاه أرمينيا، وأهمية جذوة هذه الشعلة أنها تحمل شيئاً جوهرياً ثميناً من روحه الواثقة والرياديّة”.

مرآة الأدب الأرمني في لبنان

وبالعودة إلى أرمن لبنان في لبنان، عرف أبناء جبل أرارات هؤلاء سبل الاستمرار في حفظ ثقافتهم وشخصيتهم الوطنية والحضارية من خلال تشييدهم المدارس والجامعات الخاصة بهم في بيروت وسائر مناطق وجودهم على الأرض اللبنانية. وتعتبر جامعة هايكازيان التي تأسّست في 1955 من أهم الصروح العلمية التي شيّدوها، وهي كما نقرأ في التعريف بها “تعمل وفق النموذج الأميركي للتعليم العالي واستخدام الإنكليزية لغة للتعليم، وتسعى لإعداد الطلبة لمناصب قيادية ومحترفين للخدمة في المجتمعات اللبنانية والأرمينية وغير الأرمينية”. وقال مدير مركز البحوث عن الشتات الأرمني في الجامعة، أنترانيك داكيسيان، في حديث صحافي، إن جامعة هايكازيان “لم تؤسس للحفاظ على الهوية الأرمنية في لبنان فقط، بل هي أيضاً لتأصيل ثقافة الاحترام المتبادل بين سائر مكوّنات الشعب اللبناني”.

من جهة أخرى، وعلى مستوى الشعر و الأدب الأرمني في لبنان، برز شعراء وكتّاب أرمن مرموقون، منهم، على سبيل المثال، الشعراء: هاروت بربريان، أوهانس بابكيان، سركيس غيراغوسيان، كريكور بلديان، خاتشيك هاجاكيان الذي كان يكتب بالأرمنية والعربية، وكان متمرّداً على الأساليب التقليدية في كتابة الشعر، وخاصم كل المنابر الأدبية، من أرمنية وعربية في بيروت، بامتناعه عن النشر فيها؛ ودعا إلى نوع غير مألوف من التشاركية المشاعية في كتابة النصوص الشعرية، وإلى أن يكون الشاعر بلا امتياز شهرة، أو معرفة، أو حتى إصدار دواوين شعرية فردية، وإقامة أمسيات شعرية. وتطور الأمر معه لاحقاً ليدعو إلى “كتابة قصيدة الصمت” والاكتفاء بالإبداع تأملاً وإنصاتاً للتأمل. وكان هذا الشاعر الأرمني اللبناني يزور دورياً كاتب هذه السطور في مكتبه في أسبوعية “الكفاح العربي” اللبنانية قبل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982. وبعد الاجتياح انقطعت أخباره نهائياً، وقيل في ما بعد أنه وُجد جثة في إحدى القرى النائية في جزيرة كريت اليونانية.

من كتّاب الرواية والقصة الأرمن اللبنانيين: كيفورك عجميان وأرمين أناريان وآرا أرزونيان وبوغوص سينابيان الذي كان ناثراً وناقداً وناشطاً أدبياً

ومن كتّاب الرواية والقصة الأرمن اللبنانيين: كيفورك عجميان وأرمين أناريان وآرا أرزونيان وبوغوص سينابيان الذي كان ناثراً وناقداً وناشطاً أدبياً، بل ومعلّماً للأجيال الأدبية الأرمنية الجديدة في لبنان، وحتى في بعض أرجاء الدياسبورا الأرمنية. وكان بالإضافة إلى عمله مدرّسا لمادة الأدب الأرمني في الثانويات الأرمنية الخاصة في لبنان، رئيساً لتحرير مجلة “باكين” الأدبية الأرمنية في بيروت، وكان يعتبرها سلاحاً قويا ونافذاً لحفظ الهوية الأرمنية من التفكك والضياع والاندثار، وكان يرسلها بالبريد إلى الروائي وليم سارويان في الولايات المتحدة. كما كان على علاقة وثيقة بالتشكيلي اللبناني الأرمني الكبير بول غيرا غوسيان. اصدر في بيروت كتبا أدبية عديدة من أبرزها: “أصوات تحت القبور”، “سفينة تغوص في الرمال”، “لا يوجد وقت”، “اكتشافات”. وله كتاب حواري لافت مع سارويان. وتطغى على كتبه هموم الإنسان الأرمني، و”معجزة استمراره” في الشتات العالمي موحّداً، على الرغم من التشظّيات المتمادية له على كرّ الأيام والسنين. وكان سينابيان لا يجد ألبتة أي تناقض بين هويتيه الأرمنية واللبنانية العربية في أثناء كتابته الإبداعية. ولقد شغلته الحرب اللبنانية في الصميم، فعبّر عن دراميتها المؤسفة بأشكال مختلفة، وكتب فيها من موقع الحرص القاطع غلى ضرورة وقفها وإعادة اللحمة إلى أبناء الشعب اللبناني الذي يستطيع، في رأيه، أن يتجاوز، بقوة ومرونة، كل المحن، مستعيداً تألقه في المنطقة العربية والعالم. وشغلته القضية الفلسطينية في الصميم، وكتب مقالات عدة باللغة الأرمنية عنها من بوابة رفضه الظلم واقتلاع وتشريد شعب عريق ومتجذر في أرضه، ومصرّ على العودة إليها، مهما طال الزمن. وكان يقول “الشعب الفلسطيني من أقوى شعوب الأرض عناداً وتصلباً من أجل حقه في وطنه، ولن تهزمه أي قوة مهما كبرت وتعاظمت في سعيه من أجل هدفه النبيل هذا”. والشعب الفلسطيني “لن يذعن للتزوير الممنهج والفوضى المشوشة والمستمرة على حقوقه من قوى إعلامية عاتية في هذا العالم الذي يدعي حرصه على حقوق الإنسان”.

الحياد الإيجابي

حقّق الأرمن نمطاً فذّاً من الحياد الإيجابي خلال الحرب اللبنانية، كان مثار تعجّب في البداية، ولم يلبث أن انقلب إلى إعجاب، فمنطقة سكناهم كانت وسط الجانب المسيحي من ضواحي بيروت وتخومها، لكنهم لم ينتظموا في صفوف الأحزاب المُسيطرة، وأصرّوا على البقاء خارج دوّامة التقاتل اللبناني – اللبناني، ما تسبّب لهم بمضاعفاتٍ شتى في محيطهم، ودفعوا أثماناً باهظة، من دون أن يرضخوا للأمر الواقع، أو يتورّطوا في حمل السلاح. وفي حين أنهم لم يكسبوا رضا مسلّحي الأحزاب في المناطق المسماة سابقاً بـ”الشرقية”، باعتبارهم لم ينضموا إليهم، فهم، في المقابل، لم يحوزوا رضا مسلّحي الأحزاب في الجهة الأخرى من العاصمة (بيروت الغربية) وللسبب ذاته. وبالتالي، حافظوا على نمط من الحياد الإيجابي، ما لبث أن اعترف لهم الجميع بفضله بعد انتهاء الحرب، في حين أنهم رأوا في سلوكهم هذا سعياً إلى الحفاظ على الوجود والهوية وحب الحياة لهم ولمواطنيهم جميعاً.

ظلت مواقف الأرمن السياسية في لبنان ثابتة عبر العقود: الدفاع عن شرعية الدولة ومؤسّساتها، دعم سيادة لبنان وحريته واستقلاله، احترام مبدأ العيش الواحد بين كل الطوائف

ويحظى أرمن لبنان بموقع، ما انفكّ يتنامى في المشهد السياسي اللبناني، من خلال الأحزاب التي تمثلهم (الطاشناق، الهنشاك والرامغافار)، ساعدتهم على ذلك مرونة الدستور اللبناني الذي يحفظ للمجموعات المُكوّنة خصوصياتها الدينية والثقافية. كذلك منحهم اتفاق الطائف مساحة أكبر في البرلمان، وبات لهم ستة مقاعد، كما مُنحوا مناصب وزارية في الحكومات المتعاقبة، وأخرى قيادية في الإدارات العامة للدولة، مثل باقي الطوائف.

وظلت مواقف الأرمن السياسية في لبنان ثابتة عبر العقود، لا تحيد عن قواعد أساسية: الدفاع عن شرعية الدولة ومؤسّساتها، دعم سيادة لبنان وحريته واستقلاله، العمل على احترام مبدأ العيش الواحد بين كل الطوائف، ورفض اللجوء إلى العنف والسلاح أو أي خلاف يؤدّي إلى التناحر داخل البلد. لذلك لم يشهروا يوماً السلاح في لبنان، على الرغم من تعرّضهم ومؤسساتهم وكنائسهم للفادح من الأضرار.

لبنان – أرمينيا – لبنان

من الملاحظات بالغة الدلالة ما يتصل بعلاقة أرمن لبنان بدولة أرمينيا التي شكّلت على الدوام حلماً وغاية لكل أرمني في الشتات. ما أن قامت الجمهورية الأرمنية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، حتى سارع الأرمن اللبنانيون بالآلاف للمغادرة إليها، باعتبارها وطنهم التاريخي. لكن ما جرى في ما بعد كان مفاجئاً بقدر ما كان مُدهشاً أيضاً، وشكّل نقطة بيضاء ناصعة في تاريخ العلاقة المبنية بين الأرمن ولبنان الوطن الذي اختاروه، فخلال سنوات قليلة بعد موجات الهجرات الأرمنية من لبنان إلى أرمينيا، راحت الألوف المهاجرة منهم تعود إلى وطن الأرز، بعدما اكتشفوا أن ما أعطوه للبنان لم يكن أقلّ مما أعطاهم لبنان إياه، فبدا أنهم قد تلبننوا بالفعل، إذ عادوا بمعظمهم ليواصلوا دورة الحياة والإنتاج في لبنان الذي ما انفكّوا يحبونه وينتمون إليه. في المقابل، أحبّهم لبنان الرسمي وشعبه، واعتبرهم من مكوناته الوطنية وكفاءاته البشرية العالية، بخاصة بعد الأزمات البنيوية والمصيرية التي مرّ بها الوطن الجريح، والتي يبدو أنها عادت لتتجدّد اليوم على نجو أدهى وأعتى.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة