الرئيسية / عالمية/

إسماعيل ناشف.. في إشكالية علاقة البيانات بالواقع

إسماعيل ناشف - إسماعيل ناشف.. في إشكالية علاقة البيانات بالواقع

نظّم “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة، أمس الأربعاء، لقاءً افتراضياً مع الباحث الفلسطيني إسماعيل ناشف بعنوان “في أعقاب البيّنة: تمرين في رصد مكانة “الواقع” في البحث العلمي”، وأدار الجلسة والنقاش الذي أعقبها الباحث المغربي مراد دياني.

افترض المحاضِر أن البيانات هي الحلقة الضعيفة في التفكير في البحث العلمي، وعادة ما نفكّر فيها عميقاً كباحثين وباحثات، إنما نأخذ التقنيات وطريقة العرض وطريقة جمع البايانات كأشياء مسلّم بها، وفي الحد الأقصى قد تجري عملية تنويع ههذ البيانات، 

ورأى ناشف أنه وصل إلى إشكالية البيانات، ليس من خلال القراءة والتأمل في البحث العلمي، بل من تجربة بحثية عملية، حيث تبيّن أن هنالك العديد من البيانات المتنوعة والمختلفة التي تعبّر عن ذات واقع الظاهرة، ومن هذا التنوّع انبثق سؤال: أيّ نوعٍ من البيانات يعبّر عن أي جانب من ظاهرة البحث، مستعرضاً بعض الأمثلة من أجل نقاش إشكالية علاقة البيانات بالواقع.

افترض المحاضر أن البيانات هي الحلقة الضعيفة في التفكير في البحث العلمي

وقدّم ثلاثة أمثلة من خلال أبحاث قام بها خلال عقدين من الزمان، وأولها بحث في الاعتقال السياسي في فلسطين، حيث كان جزء من البيانات التي جمعت، ومنها كتاب كان في سجن جنيد الذي نُقل إلى مكتبة بلدية نابلس بعد تسلّم السلطة الفلسطينية مهامها، ولكنه استخدم في فترة سابقة لإدخال معلومات ومستندات تنظيمية وشخصية، حيث لم يعد فيه بيان واحد، بل عدّة بيانات، وعدّة مستويات من البيان الواحد، تثير السؤال عن زمان ومكان وكيفية التعامل مع هذا البيان بحيث يستطيع القول إنه يبدأ من (x) وينتهي بـ(y)، فبغضّ النظر عن زاوية البحث، فإننا أمام بيان مركّب ويصبح سؤال “ما الواقع هنا؟” أو “ما هو البيان الأصلي هنا؟” عديم الجدوى من ناحية عملية إنتاج المعرفة.

في المثال الثاني، بحث ناشف في ظاهرة الاستشهاد في فلسطين ما بين تسعينيات القرن الماضي وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وتناول فيه ما يسمّى “وصية الاستشهادي/ الاستشهادية” التي يتضمّن تسجيلاً له/لها يعلن خلاله رغبته ومبادئه ونيته في الاستشهاد، لافتاً إلى أن البحث عن جينالوجيا هذه الوصية تبيّن أن هذا الشكل من التوثيق بدأ مع نشوء المقاومة اللبنانية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، حيث حصل على وصية للاستشهادية سناء محيدلي (1968 – 1985) التي استشهدت في بلدية جزين في التاسع من نيسان/ إبريل سنة 1985، إلى جانب وصايا لعدد من الاستشهاديين، وأخيراً فيديو للفنان الفلسطيني شريف واكد، محاكياً الوصية، لكنه يقرأ فيه من كتاب “ألف ليلة وليلة”.

قدّم أمثلة من أبحاثه حول  الاعتقال السياسي في فلسطين وظاهرة الاستشهاد والأطفال في أدب غسان كنفاني

وخلص صاحب كتاب “قصة قناع استعماري” (2017) إلى أن هنالك بيانات متعدّدة عند البحث في هذه الوصايا تعكس كلّ منها الظاهرة بشكل مختلف، وهنا تبدو العلاقة بين البيان والواقع نثير تساؤل: أيّ واقع تعرض هذه البيانات؟

وفي المثال الثالث، بحسب ناشف، يتعلّق ببحث حول الأطفال في أدب غسان كنفاني، مستخدماً أنواعاً مختلفة من البيانات، كلّها نصية، ومنها الإهداءات في بداية النصوص والرسائل وقصص قصيرة وروايات، ومنها قصة “القنديل الصغير” التي كتبها ورسمها كنفاني هديةً لابنة أخته لميس نجم التي استشهدت معه عندما اغتيل عام 1972، وقد نشرت القصة للمرة الأولى عام 1975 في بيروت عن “دار الفتى العربي” و”مؤسسة غسان كنفاني”، وأعيد نشر النسخة الأصلية من النص بخط يد غسان عام 2005، لنكون إزاء نص مركّب جداً يتكون من إهداء ورسالة ونص أدبي ورسوم تصويرية في طبعتين مختلفتين، وهنا لا يمكن التعامل معه كبيان واحد.

ثم انتقل إلى إشكالية هذه العلاقة بين البيانات وما تعبّره عن الواقع في الفلسفة، وصولاً إلى العلم الحديث، وتطرّق أيضاً إلى كيفية تجلّي هذه الإشكاليات في العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال طرح نموذجين كلاسيكيين: الأول لدوركايم حول الحقيقة الاجتماعية، والثاني لفيبر عن النموذج المثالي، باعتبارهما نموذجين مؤسسين لم يجرِ تجاوزهما.

ونبّه ناشف إلى أن هناك تطورين أساسيين في العقود الثلاثة الأخيرة تمثّلا بتطوّر البنية الاقتصادية الاجتماعية في هذه المرحلة من الرأسمالية وتنعكس في عدّة مفاصل في بنية السوق والمجتمع والدولة، والتطوّر في التكنولوجيا الرقمية وسيطرتها على معظم مناحي الحياة، وأثّر هذان التطوران في علاقة البيانات بالواقع حيث خلقت التكنولوجيا بنية مادية مؤسساتية تحوّل الوجود الاجتماعي المختلف للظواهر الاجتماعية إلى مستوى مادي واحد من مادة رقمية يفترض أنها ستحلّ تناقضات أساسية في بنية المجتمع، لكنها خلقت جدلية أو تناقضاً مركباً جديداً لم يعد بالإمكان فهمه من طريق التقسيم الماركسي التقليدي ما بين القيمة الاستعمارية والقيمة التبادلية، وإنما هنالك القيمة الرقمية ذات معايير ومنطق مختلفين التي شكّلت مع القيمتين السابقتين ما أسماه “جدلية النكوص” تحتّم إعادة التفكير بالبيانات وعلاقتها بالواقع. 

وتشير إلى أن الواقع نسق مغلق، وما يقوم به الباحث/ة، دراسة هذا الواقع بوصفه إنشاءً تاريخياً لا يمتّ بصلة إلى الواقع المتخيّل على أنه واقع حقيقي.

وفي تعليق الباحث الفلسطيني إلياس خليل، أوضح أن اللبنة الأساسية في محاضرة ناشف هي التمييز بين البيانات و”الواقع” حيث يضع باستمرار كلمة الواقع بين علامتي اقتباس، وقدّم اقتراحين أساسيين، أولهما أن “الواقع” ليس شيئاً موضوعياً يقف بشكل مستقل عن جهازنا المعرفي للواقع الاجتماعي، يبني إطارنا المفاهيمي المعرفي “الواقع” حيث يحاول الإطار شرح البيانات المتعلقة بالظاهرة قيد الدراسة، وعليه “لا فرق بين تصنيع أدوات الإنتاج وتصنيع الواقع”، وثانيهما: نظراً لأن “الواقع” يتغير ويتطور، يجب أن نتبنى نهجاً شاملاً لفهم الواقع. 

وتشير إلى أن الواقع نسق مغلق، وما يقوم به الباحث/ة هو دراسة هذا الواقع بوصفه إنشاءً تاريخياً لا يمتّ بصلة إلى الواقع المتخيّل على أنه واقع حقيقي.

 

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة