Business is booming.

إيراسموس بعد بريكست… طلاب أوروبيون يُحرمون من التبادل والمنح

بعد أكثر من 30 عاماً، تنسحب بريطانيا من برنامج “إيراسموس” للمنح الطالبية المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي، كجزء من اتفاقية ما بعد “بريكست”. وهذا القرار الذي وصفه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالصعب، مبرراً الأمر بكلفته الباهظة على بلاده، سوف يُترجم عملياً بحرمان عشرات آلاف الطلاب الأوروبيين من الاستفادة من البرنامج مستقبلاً، إذ إنّ الدراسة في المملكة المتحدة لن تكون سهلة بالإضافة إلى كلفتها العالية، وذلك بعدما كانت مكسباً حقيقياً وأتاحت لمئات آلاف الطلاب متابعة تحصيلهم العلمي وتبادل المعارف.
من منظار الحكومة البريطانية، لم يكن البرنامج مثالياً لوجود خلل في الأعداد المتبادلة بين الدول والتدريبات التي يدعمها البرنامج، فكثر هم الطلاب الأوروبيون الذين يقصدون المملكة المتحدة مقارنة بالطلاب البريطانيين الذين يقصدون دولاً أوروبية أخرى للدراسة. وقد أشارت صحيفة “دي تسايت” الأسبوعية الألمانية إلى أنّ الإحصاءات الأخيرة تفيد بأنّه في العام الدراسي 2018 – 2019، استفاد 9993 طالباً بريطانياً فقط من البرنامج في مقابل ضعفَي هذا العدد تقريباً، 17768 طالباً من دول الاتحاد الأوروبي حصلوا على مقاعد جامعية بريطانية مجانية. وهو ما يعني أنّ ما تتكلف به لندن على برنامج “إيراسموس” أكبر من استفادتها منه.

وفي هذا الإطار، أوضحت المسؤولة المكلّفة بتنظيم عمل برنامج علاقات تبادل “إيراسموس” في جامعة غوته الألمانية بيانكا ياكيل، في حديث إلى صحيفة “دي تسايت” الأسبوعية، أنّ بريطانيا كانت تحلّ على رأس قائمة خيارات الطلاب الألمان، إذ تحظى بشعبية كبيرة بينهم، فيما العكس غير صحيح. ويعزو أكاديميون السبب إلى أنّه من الصعب إغراء الطلاب البريطانيين بمغادرة جزيرتهم لوجود حاجز اللغة، ومن يستفيد من برامج التبادل لفصل دراسي أو فصلَين، يفضّل إسبانيا أو فرنسا أو هولندا أو الدول الإسكندنافية. ومن المعلوم أنّ طلاب “إيراسموس” البريطانيين وبسبب جائحة كورونا وحظر السفر حالياً يتابعون الدراسة من أماكن سكنهم في المملكة المتحدة. من جهة ثانية، يُعَدّ برنامج المنح للدراسة في بريطانيا جذاباً للطلاب الأوروبيين، لأنّه يوفّر عليهم كثيراً من الرسوم، ويتلقى الجميع دعماً خاصاً بنفقات المعيشة بما يعادل 450 يورو (نحو 540 دولاراً أميركياً) شهرياً.

وقد حقّق اقتصاد المملكة المتحدة من خلال المشاركة في برنامج التبادل الطالبي هذا، ملايين الجنيهات الإسترلينية، خصوصاً أنّ “إيراسموس” يجذب نحو 30 ألف طالب في العام. وفي السياق، أشارت صحيفة “تاغس شبيغل” الألمانية إلى أنّه في عام 2018 مثلاً، حقّقت بريطانيا من خلال عضوية “إيراسموس” 243 مليون جنيه إسترليني (أكثر من 335 مليون دولار أميركي)، بعد حسم تكاليف رسوم طلاب دول الاتحاد الأوروبي. يُذكر أنّ صندوق البرنامج ما زال يستحوذ على بعض الأموال المتبقية، الأمر الذي قد يمكّن عدداً من الطلاب من الالتحاق بالجامعات البريطانية للمرّة الأخيرة هذا العام. من جهة أخرى، تفيد بيانات مختلفة بأنّ عدد الطلاب الأجانب من كل أنحاء العالم ارتفع بشكل كبير في بريطانيا. وقد التحق أكثر من نصف مليون أجنبي أخيراً بالجامعات البريطانية، من بينهم 148 ألفاً فقط من دول الاتحاد الأوروبي، منهم 13 ألفاً من ألمانيا. والأجانب غير الأوروبيين يدفعون مبالغ كبيرة كرسوم دراسية للتعلم هناك.

تداعيات الانسحاب
على الرغم من أنّ الاتحاد الأوروبي خطط لرفع الميزانية الجديدة المخصصة للبرنامج إلى 26 مليار يورو (نحو 31 مليار دولار أميركي)، على مدى السنوات السبع المقبلة، فإنّ نهاية برنامج “إيراسموس” مع بريطانيا تمثّل مأزقاً لأيّ طالب يكافح من أجل الحصول على المساواة في التعليم في الخارج، ولو لفصل دراسي واحد. فمن المطلوب تخصيص ما لا يقل عن 30 ألف جنيه إسترليني (نحو 42 ألف دولار أميركي)، سنوياً للتعلم في بريطانيا، لأنّ رسوم التعليم الكاملة ستُفرض على الطلاب الأوروبيين ابتداءً من العام الدراسي المقبل، 2021 ـ 2022. وأمام هذا الواقع، نقلت “تاغس شبيغل” عن مكتب الهيئة الألمانية للتبادل العلمي (داد) في لندن، أنّ للجامعات في كلّ من إنكلترا وويلز واسكوتلندا وأيرلندا الشمالية حريّة التنازل أو تخفيض الرسوم لطلاب دول الاتحاد الأوروبي، مع العلم أنّ الحكومة في أيرلندا الشمالية تريد مواصلة تمويل أجزاء من برنامج “إيراسموس” بطريقة مستقلة.
والانسحاب البريطاني من “إيراسموس” من شأنه أن يقطع جسر التواصل الحيّ ما بين طلاب بريطانيا ونظرائهم في بقية الدول الأوروبية، مع غياب الفرص الفريدة لتشكيل صداقات جديدة، بالإضافة إلى خسارة البيئة الأكاديمية والتبادل الثقافي واكتساب اللغة وتضييق الآفاق المستقبلية والتجربة القيمة والأوقات الرائعة، من دون إغفال تعلّم الانفتاح على الآخرين. بالتالي، سوف ينكسر شيء ما، خصوصاً أنّ برنامج التبادل الطلابي هذا يشكّل ميزة تعبّر عن الروح الأوروبية، بالإضافة إلى أنّه من غير السهل الدخول في اتفاقيات تعاون جديدة. والبرنامج يحمل قيمة مضافة للطالب ولسيرته الذاتية، إذ يمثّل ما يشبه جوازاً للحصول على فرصة عمل واعدة، إلى جانب ما يقدمه من إضافات إلى المهارات الشخصية. وتعليقاً على ذلك، ثمة من يرى أنّه لم يكن ينبغي على بريطانيا رفض برنامج “إيراسموس” بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنّ ثمّة دولاً غير منتمية للاتحاد وتشارك في البرنامج، من قبيل سويسرا والنرويج وتركيا وآيسلندا وليشتنشتاين.

وقد برز امتعاض ألماني بهذا الخصوص، فأشارت صحيفة “نورد فست تسايتونغ” الألمانية إلى أنّ انسحاب بريطانيا من برنامج المنح المموّل من الاتحاد الأوروبي يظهر بكل وضوح مدى عدم اهتمام بريطانيا بعلاقاتها مع التكتل الأوروبي، وعدم اهتمامها بالمساهمة في برنامج وفّر لأكثر من 4.4 ملايين طالب منذ عام 1987 الفرصة لإنجاز جزء من دراستهم في بلد آخر غير بلدهم الأمّ، وسمح لهم بمراكمة الخبرات التعليمية مع محاضرين أكفاء. وكانت قد برزت أخبار تفيد بأنّ الطلاب الملتحقين بالجامعات البريطانية وفق برنامج “إيراسموس” قد يستفيدون من المشاريع حتى مارس/ آذار من عام 2023، بعدما تمّ تمديدها 12 شهراً بسبب جائحة كورونا ومع توفّر بعض المال في صندوق البرنامج.

برنامج “تورينغ” كبديل
ودّعت بريطانيا برنامج “إيراسموس” مع إعلانها عن الموازنة العامة الجديدة وعن أنّها لن تخصّص أيّ أموال للبرنامج. أتى ذلك بعد الإعلان عن برنامج بديل يحمل اسم “تورينغ” لملء الفراغ الذي سيحدثه الخروج من “إيراسموس”. يأتي ذلك وسط خيبة، إذ كان البرنامج يُعَدّ من أفضل التجارب. أمّا برنامج التبادل الجديد للبريطانيين “تورينغ”، الذي تمّت تسميته تيمّناً بباحث الرياضيات وعالم الكومبيوتر البريطاني آلن تورينغ، الذي ساعد في فكّ شيفرة “إنيغما” وسمح للبريطانيين بقراءة رموز الراديو المشفرة في خلال الحرب العالمية الثانية، فمن المقرر أن يبدأ العمل به في سبتمبر/ أيلول 2021 بعدما خُصّص نحو 100 مليون جنيه إسترليني (أكثر من 138 مليون دولار أميركي)، لتمويله. وفي هذا الإطار، أشار مدير معهد سياسات التعليم العالي (مؤسسة بحثية) نيك هيلمان، إلى أنّه من غير الواضح كيفية تحقيق هدف إرسال نحو 35 ألف طالب ومتدرب إلى الخارج بهذا المبلغ فقط.
وتفيد تقارير بأنّ الحكومة البريطانية وعدت باستفادة كل دول العالم من البرنامج المذكور، وليس فقط دول الاتحاد الأوروبي، علماً أنّ وزير التعليم البريطاني غافين وليامسون قال إنّ “تورينغ” برنامج دولي حقيقي “يمثل فرص متقدمة”. ونقل مقال نُشر على موقع “كونسرفاتيف هوم” عن المسؤولة عن الجامعات في إدارة بوريس جونسون، الوزيرة ميشال دونولان، قولها: “لماذا نرغب في أن يقتصر برنامج التبادل على الاتحاد الاوروبي عندما تكون البلدان الأسرع نمواً والأكثر حيوية وديناميكية موجودة بشكل متزايد في آسيا وأفريقيا، أضف إلى ذلك حلفاءنا القدامى في أميركا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا. وهذا ما قد يساعد كذلك في رفع المستوى الثقافي والتعليمي لدى الشباب من الأسر ذات الدخل المتواضع”. أضافت دونولان أنّه لا بدّ من أن يستفيد من التجربة طلاب من كل الخلفيات والمجتمعات، وليس أبناء الأثرياء في المقام الأول فقط.

أمّا موقع “يتس” الألماني، فأوضح أنّ “تورينغ” برنامج تقشف يهدف إلى تمكين الطلاب البريطانيين من الالتحاق بأفضل الجامعات في العالم، في خارج أوروبا. وفي السياق ذاته، رأى هيلمان أنّه لا بدّ من التعامل مع الوعود بحذر، لأنّه ليس من السهل بناء شبكة جديدة من الشراكات في فترة زمنية قصيرة، موضحاً أنّ برنامج “إيراسموس” استغرق ثلاثين عاماً من التطور ليصل إلى مستواه اليوم. ويأتي كل ذلك وسط ترجيحات بأن يتّجه طلاب “تورينغ” المستقبليين إلى الجامعات الأوروبية، وبسبب اللغة قد ينتقل كثيرون إلى بلدان إنغلوساكسونية.