Business is booming.

انتخابات الكنيست ال24 .. مأزق تشكيل حكومة مستقرة

تَوجَّه الناخب الإسرائيلي للمرة الرابعة، في أقل من عامين، إلى صناديق الاقتراع للانتخابات البرلمانية، وذلك في 23 آذار/ مارس 2021. وعلى الرغم من حصول الأحزاب اليمينية، واليمينية المتطرّفة، على أغلبية كبيرة في الكنيست في هذه الانتخابات، فإنّ المعسكر اليميني المتطرّف الذي يقوده بنيامين نتنياهو فشل للمرة الرابعة في الحصول على أغلبية تمكِّنه من تشكيل حكومة، فقد حصل هذا المعسكر، الذي يشمل إلى جانب حزب الليكود، أحزاب “شاس” الديني الحريدي الشرقي، و”يهدوت هتوراه” الديني الحريدي الغربي، و”الصهيونية الدينية” الفاشي، على 52 مقعدًا في الكنيست، من مجموع المقاعد البالغ عددها 120 مقعدًا، في حين حصلت الأحزاب المناوئة لنتنياهو على 57 مقعدًا، وهي حزب “يوجد مستقبل” بقيادة يئير لبيد، وحزب “أزرق أبيض” بقيادة بيني غانتس، وحزب “العمل” بقيادة ميراف ميخائيلي، وحزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب “أمل جديد” بقيادة جدعون ساعر، وحزب “ميرتس”، والقائمة العربية المشتركة. أما الأحزاب التي لم تصنّف بعد ضد نتنياهو أو معه، فهي: حزب “يمينا” المتطرف بقيادة نفتالي بنيت الذي حصل على سبعة مقاعد في هذه الانتخابات، والقائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية) بقيادة منصور عباس، وحصل على أربعة مقاعد. وكان حزب “يمينا” أعلن، في أثناء حملته الانتخابية، أنه لا ينتمي إلى معسكر نتنياهو، وأنّ رئيسه، نفتالي بنيت، ينافس على رئاسة الحكومة، وأنه سيقرّر موقفه بشأن تشكيل الحكومة في أعقاب المفاوضات التي سيجريها مع الأحزاب المختلفة. أما الحركة الإسلامية الجنوبية التي انشقّت عن القائمة العربية المشتركة عشية هذه الانتخابات، فأعلنت هي أيضًا أنها لا ترفض التحالف مع أيٍّ من المعسكرين، وأنها ستقرر موقفها وفق المفاوضات التي ستجريها مع الطرفين.

السمات الأساسية للانتخابات

اتسمت هذه الانتخابات بسمات أساسية، أبرزها:

1. مثّلت شخصية نتنياهو، المتهم في ثلاث قضايا فساد، موضوعًا رئيسًا في هذه الانتخابات.

2. ازدادت قوة الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة في هذه الانتخابات بصورة ملحوظة؛ إذ حصلت على 72 مقعدًا، في مقابل تضاؤل قوة ما يسمى اليسار الصهيوني (ميرتس وحزب العمل) الذي حصل على 13 مقعدًا فقط. 

ازدادت قوة الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة في الانتخابات بصورة ملحوظة؛ إذ حصلت على 72 مقعدًا، في مقابل تضاؤل قوة ما يسمى اليسار الصهيوني

3. انشقّ جدعون ساعر، أحد أبرز قياديّي حزب الليكود، والمحسوب على جناحه اليميني، عشية هذه الانتخابات، عن الحزب، وتم تأسيس حزب “أمل جديد” الذي حصل على ستة مقاعد. وبذلك، أضحى حزبان يمينيان متطرّفان، أحدهما بقيادة ساعر والآخر بقيادة ليبرمان، يرفضان الدخول في ائتلاف حكومي يقوده نتنياهو، لأسباب متعلقة بشخصه فحسب.

4. نجحت جميع الأحزاب التي كانت قريبة من العتبة الانتخابية التي تسمّى في إسرائيل “نسبة الحسم”، والتي تبلغ 3.25% من مجموع أصوات الناخبين، في الحصول على تمثيل في الكنيست، وذلك بفضل السياسة التي اتبعها نتنياهو ولبيد ليمنعا سقوط أيّ حزب من معسكر كليهما؛ لأنهما أدركا أنّ سقوط أيّ حزبٍ من معسكر أيٍّ منهما سيؤثر في فرص تشكيل ائتلاف.

5. غيّر نتنياهو دعايته الانتخابية تجاه العرب في هذه الانتخابات، نتيجة إدراكه أنّ الأحزاب العربية كانت عاملًا مهمًا في فشل معسكره في الحصول على أغلبية في الكنيست في الانتخابات السابقة، وأنّ تحريضه العنصري على الناخبين العرب، وأحزابهم السياسية، أدّى إلى استفزاز هؤلاء الناخبين، وزيادة مشاركتهم في الانتخابات والتصويت لفائدة الأحزاب العربية بنسبة مرتفعة. لذلك هادن نتنياهو هؤلاء الناخبين في حملته الانتخابية وزار  كثيرا من البلدات العربية. وساهم ذلك، إلى جانب عوامل أخرى، في تخفيض نسبة المشاركين العرب في هذه الانتخابات.

انخفضت نسبة مشاركة العرب في الانتخابات انخفاضًا ملحوظًا؛ إذ بلغت نحو 46%، مقابل 65% في الانتخابات السابقة

6. انخفضت نسبة المشاركة العامة في هذه الانتخابات انخفاضًا ملحوظًا؛ فعلى الرغم من زيادة عدد من يحق لهم الاقتراع فيها بنحو 124 ألف ناخب، فإنّ عدد المشاركين كان أقل من الانتخابات السابقة. وقد بلغت نسبة المشاركة العامة في هذه الانتخابات 67.4% في مقابل 71.52% في الانتخابات السابقة التي جرت في آذار/ مارس 2020. ويرجع ذلك، كما هو واضح، إلى تكرار الانتخابات أربع مرات خلال عامين.

7. انخفضت نسبة مشاركة العرب في هذه الانتخابات انخفاضًا ملحوظًا؛ إذ بلغت نحو 46%، مقابل 65% في الانتخابات السابقة. وقد تأثرت الأحزاب العربية التي خاضت هذه الانتخابات في قائمتين تأثرًا كبيرًا بانخفاض نسبة تصويت العرب فيها. ويعود ذلك إلى التعب من تتالي الجولات الانتخابية، وأيضًا، إلى فقدان الحماس بعد الانقسام الذي حصل في القائمة المشتركة، وفقدان وضوح الموقف الوطني بعد إعلان هذه القائمة دعم ترشيح غانتس لرئاسة الحكومة ضد نتنياهو، عقب الانتخابات السابقة، وما تلا ذلك من استعداد بعض القوى التي انشقّت عن المشتركة لدعم نتنياهو نفسه بشروط، ما دام مبدأ دعم قوى صهيونية يمينية أصبح مقبولًا.

الاصطفافات الانتخابية والنتائج

خاض قسم كبير من الأحزاب الإسرائيلية هذه الانتخابات في قوائم انتخابية مختلفة عن انتخابات الكنيست السابقة، فقد تفكّكت قائمة حزب “أزرق أبيض” إلى مركباتها الأولية، على إثر دخول بيني غانتس الائتلاف الحكومي الذي شكّله نتنياهو في السنة الماضية. وتفكّكت أيضًا قائمة حزب العمل – ميرتس – غيشر، والقائمة العربية المشتركة التي شملت أربعة أحزاب، وقائمة “يمينا” التي كانت تتشكّل من ثلاثة أحزاب يمينية فاشيّة. إلى جانب ذلك، ظهر عشية هذه الانتخابات حزب “أمل جديد” اليميني المتطرّف. 

وقد خاضت الأحزاب الإسرائيلية هذه الانتخابات بقوائمها نفسها التي خاضت بها الانتخابات السابقة عامة، ولم تجر انتخابات داخلية لقوائمها الانتخابية باستثناء ثلاثة أحزاب، هي العمل وميرتس والتجمع الوطني الديمقراطي، أحدثت تغييرات في قوائمها الانتخابية على إثر الانتخابات الداخلية التي أجرتها. 

خاض حزب الليكود هذه الانتخابات بقائمته الانتخابية نفسها التي خاض بها انتخابات الكنيست السابقة، باستثناء بعض التغييرات التي أجراها على قائمته بعد انشقاق ساعر، وكذلك على إثر تحصين نتنياهو بعض الأماكن لأعضاء في الكنيست، مثل النائبة أورلي ليفي أباكسيس رئيسة حزب غيشر التي انضمت إلى حزب الليكود، وأوفير سوفير من حزب الصهيونية الدينية الفاشي، الذي حصّن له مكانًا في قائمة الليكود؛ من أجل تشجيع حزب الصهيونية الدينية الذي يقوده بتسلئيل سموتريتش لقبول إبرام تحالف مع حزبَين فاشيَّين آخرين من أتباع كهانا، هما حزب عوتسماه يهوديت وحزب نوعم.

تراجعت قوة حزب الليكود الانتخابية بصورة كبيرة مقارنة بقوّته الانتخابية في الانتخابات السابقة

لقد سعى نتنياهو إلى زيادة قوة معسكره في هذه الانتخابات، مستفيدًا من الحملة التي قادها لتطعيم الغالبية العظمى من الإسرائيليين البالغين ضد وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19)، وتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية عديدة، وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتَين في ظل التطبيع، وتهميش القضية الفلسطينية وحتى قضية السلام اللتين لم تعودا مواضيعَ مركزية في الانتخابات، وتفكيك قائمة “أزرق أبيض” والقائمة العربية المشتركة، ومساعدة أحزاب اليمين اليهودي الفاشي على الوحدة في قائمة انتخابية واحدة، مكّنتها من اجتياز عتبة الحسم والحصول على تمثيل برلماني. مع ذلك، تراجعت قوة حزب الليكود الانتخابية بصورة كبيرة مقارنة بقوّته الانتخابية في الانتخابات السابقة. فقد حصل في هذه الانتخابات على مليون و66 ألف صوت، في حين حصل في الانتخابات السابقة على مليون و352 ألف صوت؛ أي إنّ الليكود خسر نحو 288 ألف صوت، فتراجع عدد المقاعد التي حصل عليها في هذه الانتخابات إلى 30 مقعدًا مقابل 36 مقعدًا سابقًا. ويعود ذلك إلى عدة أسباب؛ أهمها انخفاض نسبة التصويت في المدن والبلدات التي تعدّ معاقل للحزب، وتصويت بعض أنصار الليكود لحزب “أمل جديد”. 

وحصل حزب شاس الديني الحريدي الشرقي في هذه الانتخابات على تسع مقاعد، كان قد حصل عليها في الانتخابات السابقة. وحافظ حزب يهدوت هتوراه الديني الحريدي الغربي على سبع مقاعد، والتي حصل عليها أيضًا في الانتخابات السابقة. 

وفي سياق استعداده لخوض هذه الانتخابات، غيّر سموتريتش اسم حزبه من حزب الاتحاد الوطني- تكوماه إلى حزب الصهيونية الدينية، في محاولةٍ منه لكسب أتباع تيار الصهيونية الدينية، مدّعيًا أنّ حزبه هو الذي يمثّل هذا التيار التاريخي، لا سيما بعد اندثار حزب البيت اليهودي الذي كان يمثّل هذا التيار. وقد انسحب سموتريتش عشية هذه الانتخابات بتشجيع علني من نتنياهو، من قائمة “يمينا”، وخاض انتخابات الكنيست بقائمة مشتركة مع حزبين فاشيَين آخرين (عوتسماه يهوديت ونوعم)، تحت رعاية نتنياهو. وقد حصلت قائمة حزب الصهيونية الدينية على 6 مقاعد، منها 4 لحزب الصهيونية الدينية، ومقعد لرئيس حزب عوتسماه يهوديت، ومقعد آخر لرئيس حزب نوعم.

تفكّكت قائمة حزب “أزرق أبيض” إلى مركباتها الأولية، على إثر دخول غانتس الائتلاف الحكومي الذي شكّله نتنياهو في السنة الماضية

أمّا حزب “يمينا” فقد قرّر، عشية هذه الانتخابات، أن يفضّ تحالفه مع سموتريتش ويخوض الانتخابات منفردًا. وقد جاء هذا القرار في سياق سعي نفتالي بنيت إلى توسيع قاعدة حزبه الشعبية، وكسب شرائح جديدة من اليمينين، الديني والعلماني، على حدٍّ سواء. وقد أعلن بنيت، منذ بدء حملته الانتخابية، أنه يتنافس على رئاسة الحكومة، لا سيما أنّ استطلاعات الرأي العام في تلك الفترة كانت تتوقع له الحصول على نحو 20 مقعدًا. بيد أنّ هذا العدد المرتفع الذي كانت تتوقعه استطلاعات الرأي العام سرعان ما انخفض بعد الإعلان عن تأسيس حزب “أمل جديد”. وقد حصل حزب “يمينا” على سبعة مقاعد في هذه الانتخابات، مقابل ثلاثة مقاعد حصل عليها في الانتخابات السابقة في أثناء تحالفه مع أحزاب اليمين الفاشي. 

في ضوء انهيار قائمة “أزرق أبيض”، عندما انضمّ بيني غانتس إلى الائتلاف الحكومي الذي شكّله نتنياهو في السنة الماضية، خاض حزب “يوجد مستقبل” بقيادة يئير لبيد هذه الانتخابات منفردًا، ومن دون عقد تحالفات حزبية. ففي عشية هذه الانتخابات، أنهى هذا الحزب تحالفه مع حزب “تيلم” الذي كان يقوده الجنرال موشيه يعلون، والذي قرّر عدم المشاركة في الانتخابات، لاقتناعه بأنّ حزبه لا يمكنه اجتياز عتبة الحسم. وقد حصل حزب “يوجد مستقبل” على 17 مقعدًا في هذه الانتخابات، مقارنة بـ 15 مقعدًا حصل عليها في انتخابات الكنيست السابقة، عندما خاضها في قائمة “أزرق أبيض” التحالفية. أما حزب “أزرق أبيض” الذي يقوده غانتس فقد حصل على ثمانية مقاعد في هذه الانتخابات، بخلاف جميع استطلاعات الرأي العام التي توقعت له الحصول على 4 أو5 مقاعد فقط.

خاض حزب “إسرائيل بيتنا” الانتخابات بقائمته نفسها التي خاضت الانتخابات السابقة، وحصل على سبعة مقاعد، وهو عدد المقاعد نفسه الذي حصل عليه في الانتخابات السابقة

وخاض حزب “إسرائيل بيتنا” هذه الانتخابات بقائمته نفسها التي خاضت الانتخابات السابقة، وحصل على سبعة مقاعد، وهو عدد المقاعد نفسه الذي حصل عليه في الانتخابات السابقة، والتي جاء معظمها من أصوات الناخبين الذين هاجروا إلى إسرائيل من دول الاتحاد السوفياتي سابقًا. 

استقال جدعون ساعر عشية هذه الانتخابات من حزب الليكود بسبب خلافه مع نتنياهو. وأسّس حزبًا جديدًا أطلق عليه “أمل جديد”، كما أسلفنا. وسرعان ما انضم إلى هذا الحزب النائبان يوعز هندل وتسفي هاوزر اللذان كانا في قائمة “أزرق أبيض” في الانتخابات السابقة، وانشقّا عنها. واستقطب ساعر أيضًا النائبة عن الليكود ورئيسة حزب “كلنا” يفعات شاشا بيطون والوزير زئيف إلكين القيادي في حزب الليكود والذي كان مقرّبًا من نتنياهو. وقد حصل حزب “أمل جديد” على 7 مقاعد جاءت أغلبيتها من قاعدة حزب الليكود. 

أما حزب العمل فقد دبّت الحياة فيه مجدّدًا بعد انتخاب ميراف ميخائيلي رئيسة له خلفًا لعمير بيرتس في كانون الثاني/ يناير 2021. وقد حصل الحزب على سبعة مقاعد مقابل ثلاثة مقاعد في الانتخابات السابقة. أما حزب ميرتس فقد اجتاز هو أيضًا عتبة الحسم وحصل على ستة مقاعد بعدما كانت استطلاعات الرأي العام تشير إلى إمكانية عدم اجتيازه عتبة الحسم.

وشهدت القائمة العربية المشتركة التي كانت تضم أربعة أحزاب، وهي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة الإسلامية الجنوبية وحزب التجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير، انقسامًا على إثر انسحاب الحركة الإسلامية الجنوبية منها. وبعد هذا الانقسام، خاضت الأحزاب العربية هذه الانتخابات بقائمتين، هما القائمة العربية المشتركة والقائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية). وقد فشلتا في استنهاض الناخبين العرب، وذلك في ضوء مهادنة نتنياهو هؤلاء الناخبين لفظيًا، وانقسام القائمة المشتركة، وتراجع قوة الأحزاب العربية كتنظيمات أو مؤسسات بعد التركيز على القائمة المشتركة، وتوسّع الفجوة بين التوقعات المبالغ فيها من النواب بشأن معالجة المشكلات التي يعانيها العرب الفلسطينيون في داخل الخط الأخضر، قياسًا بوزنهم وقدرتهم على التأثير في صنع القرار داخل الدولة اليهودية، وهي القضايا التي يركّزون عليها مع انحسار الأجواء والأجندات الوطنية وعدم اتخاذ موقف حاسم من اليمين الإسرائيلي، ولا سيما بعد أن تبنّت قيادة القائمة العربية الموحدة موقفًا يعرب عن الاستعداد لدعم أيٍّ من المعسكرين الصهيونيَين لرئاسة الحكومة، مدّعيةً أنه ما دام دعم ائتلافٍ بقيادة غانتس لرئاسة الحكومة كان واردًا، فلماذا يُقصَى احتمال دعم ائتلاف بقيادة نتنياهو؟ تبتعد هذه النقاشات تمامًا عن صيغة الموازنة بين المكوّنين، الوطني والمدني، في واقع فلسطينيّي الداخل (المواطنون العرب في إسرائيل)، ولا يمكن أن يقود إلى وحدة صفّ وطنية واستراتيجية عملٍ تلائِم واقعَهم وتطلعاتِهم وتحافظ على هويتهم الوطنية والصراع مع الصهيونية. كما أنّ استمرار مثل هذه التوجهات قد يؤدّي إلى تدهور أكبر. وفي هذه الأجواء، سجّلت نسبة مشاركة العرب في هذه الانتخابات انخفاضًا غير مسبوق. وأحرزت القائمة المشتركة ستة مقاعد بحصولها على 212 ألف صوت، وحصلت القائمة العربية الموحدة على أربعة مقاعد بحصولها على 167 ألف صوت. وبذلك خسرت الأحزاب العربية في هذه الانتخابات خمسة مقاعد برلمانية مقارنة بالانتخابات السابقة؛ إذ بلغ مجموع الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب العربية في هذه الانتخابات 379 ألف، صوت مقابل 581 ألف صوت في الانتخابات السابقة. 

خاتمة

لم تُخرِج الانتخابات الأخيرة إسرائيل من المأزق؛ بسبب إصرار نتنياهو على التمسّك بالحكم على الرغم من توجيه لائحة اتهام ضده في ثلاثة قضايا فساد، ومحاولاته المستمرة للحصول على أغلبية في الكنيست تمكّنه من سنّ قوانين تمنع محاكمته، ورفض المعسكر المناوئ له المشاركة في حكومة يشكّلها، إضافة إلى عنصرية غالبية المجتمع الإسرائيلي ونخبه السياسية التي ما زال كثير منها يرفض تشكيل حكومة ائتلافية تستند إلى دعم أحزاب عربية.

تبدو السيناريوهات العديدة الممكنة لتشكيل حكومة ائتلافية صعبة، لكنها غير مستحيلة، ويحمل كلّ منها بداخله عوامل فشله

تبدو السيناريوهات العديدة الممكنة لتشكيل حكومة ائتلافية صعبة، لكنها غير مستحيلة، ويحمل كلّ منها بداخله عوامل فشله. فسيناريو أن يقوم نتنياهو بتشكيل حكومة ائتلافية تستند إلى معسكره وإلى حزب “يمينا” بقيادة نفتالي بنيت والقائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية)، فيه الكثير من التناقضات التي قد تتفجر في أيّ لحظة من لحظات المفاوضات. وتكمن الصعوبة حاليًا في إقناع حزب الصهيونية الدينية الفاشي وإقناع بنيت بقبول تشكيل حكومة لا تستند إلى أغلبية يهودية خالصة وتحتاج إلى دعم الحركة الإسلامية. أما بالنسبة إلى الحزب العربي الذي يمكن أن يدعم حكومة كهذه، فما المقابل الذي يمكن أن يقدّمه نتنياهو كي يقبل دعم مثل هذه الحكومة التي يشارك فيها فاشيون يعتزّون بعنصريتهم ضد المواطنين العرب في الداخل على نحوٍ خاص؟ أضف إلى ذلك، أنّ نتنياهو هو نفسه الذي قاد، في العقد الأخير، عملية سنّ القوانين العنصرية ضد العرب في داخل الخط الأخضر، لا سيما قانون القومية، وهو نفسه الذي أخرج الحركة الإسلامية الشمالية خارج القانون، وتحت حكمه وبتشجيع منه ومن حكومته، ازداد في العقد الأخير اقتحام المستوطنين المسجد الأقصى، بغرض اقتسامه أو تهويده، وهو الذي زاد من وتيرة الاستيطان في القدس والضفة الغربية المحتلة، وحكومته هي التي ما انفكّت ترفض مكافحة عصابات الإجرام التي تنشط بين العرب الفلسطينيين في داخل الخط الأخضر، وتقوم ضمنيًا بتشجيعها من خلال غضّ الشرطة الإسرائيلية النظر عن نشاطاتها. 

أما سيناريو أن يشكل يئير لبيد حكومة ائتلافية تستند إلى دعم القائمة العربية المشتركة والقائمة العربية الموحدة، فإنه مستبعد أيضًا، بسبب معارضة أعضاء كنيست يهود في هذا المعسكر دعم حكومة ائتلافية تستند إلى أصوات الأحزاب العربية. ويبدو أنّ سيناريو تشكيل حكومة ائتلافية بين “معسكر لبيد” ونفتالي بنيت، بحيث يتناوبان على رئاستها، مرجّح أكثر من السيناريوهات الأخرى. بيد أنّ هذا السيناريو، إذا جرى تحقيقه، يحتوي على تناقضاتٍ كثيرة من الصعب التعايش معها فترة طويلة. وقد يتم الاتفاق على تشكيل مثل هذا الائتلاف فترة محدودة، يتم فيها إنهاء حكم نتنياهو والاستعداد لإجراء انتخابات جديدة. وأما إذا فشلت جميع المساعي في تشكيل حكومة، وهو أمر مستبعد أيضًا، فلا مناصَ عندها من إجراء انتخاباتٍ جديدة.