Business is booming.

سد النهضة: تردد حيال الوساطة الإماراتية

قالت مصادر دبلوماسية مصرية إن مشاورات استمرت بين القاهرة والخرطوم وأبوظبي حتى ظهر أمس الإثنين، للتباحث حول الفائدة المرجوة من الاجتماع الذي دعت الإمارات لعقده اليوم الثلاثاء، بين وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا، برعاية إماراتية، لبحث سبل العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.
وأضافت المصادر، التي تحدثت لـ”العربي الجديد”، أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بحث مساء أمس الأول، هاتفياً مع رئيس المجلس السيادي السوداني الانتقالي الفريق عبدالفتاح البرهان الخطوة الإماراتية المقترحة، وتبعات التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي أكد، أمام برلمان بلاده الأسبوع الماضي، استعداده للتفاوض حول “جميع القضايا العالقة مع مصر والسودان، عدا المساس بجدول الملء الثاني والمواعيد المحددة لإنجاز هذه المرحلة بحلول نهاية يوليو/تموز المقبل”.

لم تؤكد مصر أو إثيوبيا حضورهما اجتماع أبوظبي

وأوضحت المصادر أن السودان هو الطرف الوحيد الذي أكد للإمارات استعداده لحضور اجتماع الوساطة المقترح في أبوظبي، تقديراً لمبادرة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد لحل المشكلة الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا، والتي تسعى حكومتا البلدين لإنهائها سريعاً نظراً لاستنزافها المزيد من الأرواح والمجهودات والإنفاق العسكري. لكن في المقابل لم تؤكد مصر ولا إثيوبيا حضورهما الاجتماع حتى منتصف يوم أمس، ما يهدد بعدم إقامته. بل إن السفير الإثيوبي بالقاهرة ماركوس تيكلي استبق الموعد المقترح بإعلان نيته عقد مؤتمر صحافي بالقاهرة لتوضيح موقف بلاده أمام الإعلام المصري والعربي، ما يشي بأنه لا اتفاق على أي آلية بين الأطراف المختلفة.
وذكرت المصادر أن مشكلة مصر مع هذا الاجتماع -حتى وإن حضر بالفعل وزير الخارجية سامح شكري- أن الإمارات لم تقدم أي ضمانات لحمل إثيوبيا على الالتزام بالنقطة الأهم في مسار التفاوض، وهي ضرورة التوصل إلى اتفاق قبل الملء الثاني، خاصة وأن التقديرات الفنية على ضوء مستويات الأمطار المسجلة حالياً في هضبة الحبشة تشير إلى احتمالية تبكير موعد الفيضان، وبالتالي إمكانية إنجاز الملء الثاني للسد قبل الموعد المحدد، ومن ثم وضع مصر والسودان أمام الأمر الواقع للمرة الثانية على التوالي.

وأشارت المصادر إلى أن الإمارات طرحت هذه المبادرة من منطلق التنافس مع السعودية، بعد إطلاق الأخيرة مبادرة، الشهر الماضي في نفس الموضوع، واقتراحها عقد قمة بين زعماء الدول الثلاث في الرياض، وتباحث السفير السعودي بأديس أبابا مع القيادات الإثيوبية حول إمكانية تدخل الرياض للوساطة المباشرة وصولاً لحل، أو الوساطة المحدودة لتقريب وجهات النظر حول استئناف التفاوض تحت رعاية الاتحاد الأفريقي وحده، أو إقناع إثيوبيا بقبول آلية الوساطة الرباعية المقترحة من السودان ومصر.
وسبق أن كشفت مصادر مصرية، لـ”العربي الجديد”، أن مصر طلبت من السعودية والإمارات لعب دور ملموس في الأزمة، نظراً لعلاقتهما الوثيقة بإثيوبيا، لكن دائماً كانت هناك محاولات من الجانبين لجعل الدور في إطار “تحسين أجواء التفاوض بين الأطراف المتنازعة”، وليس بهدف “تقديم حلول نهائية”. ولذلك كان البلدان أبعد من أطراف أخرى غربية وشرقية في متابعة قضية السد، وأن مصر “باتت تتفهم” منذ عامين تقريباً أن الدول الخليجية ستكون من أبرز المستفيدين من مشروع سد النهضة، سواء بزيادة استثماراتها الزراعية أو في مجال الطاقة، “وبالتالي فلم تعد تراهن كثيراً على وساطات خليجية”. لكنها استدركت أن “التصريح السعودي الجديد ربما يحمل تغييراً في المستقبل، لكنه غير مجدول حتى الآن”، مشددة في الوقت نفسه على “ثقة القاهرة في شخص (وزير الدولة السعودي للشؤون الأفريقية أحمد) قطان، الذي كان على اطلاع واسع على القضية منذ بدايتها”.
وفي سياق متصل، قالت المصادر إن اللقاء الأخير الذي جمع المبعوث الأميركي إلى السودان دونالد بوث بعدد من قيادات الخارجية المصرية، السبت الماضي، ركز بشكل أساسي على رغبة الولايات المتحدة في لعب دور وساطة مقبول من الأطراف الثلاثة، ومخاوفها من تكرار ما حدث في مفاوضات واشنطن مطلع العام الماضي. وأشارت إلى أن هذه المخاوف تُستغل من قبل عدد من القيادات الديمقراطية القريبة من دائرة الرئيس الأميركي جو بايدن، لخدمة مصالح إثيوبيا، وتعطيل أي تصعيد ممكن من قبل مصر.

رغبة أميركية في لعب دور وساطة مقبول من الأطراف الثلاثة
 

وسبق أن قالت مصادر غربية بالقاهرة إن من أسباب حالة الفتور الأوروبي تجاه الانخراط في آلية الوساطة الرباعية المقترحة أن الإدارة الأميركية الجديدة لم تحسم أمرها بعد من المقترح السوداني المصري، وأنه يظهر عليها اتجاه لإبقاء الوضع على ما هو عليه، واقتصار جهودها على منع تطور القضية إلى مواجهة عسكرية بين مصر وإثيوبيا. ومن الأسباب أيضاً أن المقترح، وعلى الرغم من أنه يعطي صلاحيات واسعة للآلية الرباعية، إلا أنه قد يتسبب في “حساسيات” مع الاتحاد الأفريقي، بسبب اختلاف الاتجاهات الفنية بين بعض العواصم الأوروبية ومفوضية الاتحاد حول الأزمة، وفقاً لما سبق وأبداه خبراء الاتحاد من آراء خلال الجلسات الأخيرة من المفاوضات نهاية العام الماضي قبل تعثرها.
وحول تسريع هذه الأجواء الفاترة لخطوة مصر والسودان المتوقعة باللجوء لمجلس الأمن مرة أخرى لبحث حل جديد للقضية، قالت المصادر الغربية إن “تكرار هذه الخطوة سيكون من سبيل مصادرة استخدام الحل العسكري أو التلويح به لاحقا”. وأضافت أن “المصريين باتوا أكثر دراية بتبعات هذه الخطوة مما كانوا عليه العام الماضي”، وأن المسؤولين الأوروبيين – وخاصة الفرنسيين – نصحوا بعدم اتخاذ هذه الخطوة، من واقع خبرتهم الخاصة عندما فشلوا في توفيق وجهات النظر بين واشنطن وبكين لإصدار بيان يطالب بعدم اتخاذ أي خطوات أحادية، في إشارة لضرورة امتناع إثيوبيا عن ملء السد لأول مرة قبل التوصل إلى اتفاق، الأمر الذي لم يتم، وأفشل المساعي المصرية التي جرت في يونيو/حزيران الماضي، بل وألقى بالملف في جعبة الاتحاد الأفريقي، الذي سمحت وتيرة المفاوضات التي يرعاها لإثيوبيا بإتمام عملية الملء الأول للسد دون إخطار.
وفي ذلك الوقت كانت مصر تسعى، مدعومة من الإدارة الأميركية السابقة، لطرح مشروع قرار يتضمن ثلاثة أقسام، الأول يؤكد على دعوة كل من مصر وإثيوبيا والسودان إلى استئناف المفاوضات الفنية للتوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة بشكل مستدام، يضمن مصالح الجميع ويمنع إلحاق الضرر بأي طرف. والقسم الثاني يتضمن دعوة الدول إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي في حماية الحقوق المائية لجميع الدول المشاطئة للنيل الأزرق، وأن يكون الاتفاق منظماً لآلية دائمة لفض النزاعات التي قد تنشأ بين الأطراف. أما القسم الثالث فيدعو جميع الأطراف -والمقصود بذلك إثيوبيا بالطبع- إلى عدم اتخاذ أي خطوات أحادية الجانب بشأن السد إلا بعد التوصل إلى اتفاق.
في المقابل، استطاعت إثيوبيا، مدعومة من الاتحاد الأفريقي ودول أعضاء في مجلس الأمن كالصين وجنوب أفريقيا، إلى إبقاء النزاع محصوراً تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، بحجة أن المنظمات القارية هي الأجدر بالنظر في النزاعات الداخلية، وهي النقطة التي ركز عليها ممثل أديس أبابا في مجلس الأمن، في طلبه عدم نظر الموضوع في مجلس الأمن واعتباره غير مختص به.