Business is booming.

شيء ما ناقص في مملكة المغرب

عندما قال هاملت، في مسرحية شكسبير، قبل قرابة خمسة قرون، “شيء ما نتن في مملكة الدنمارك”، كان يقصد، في ما يشبه المثَلَ السائر، أن هناك مشكلة ما، شيئا ما منفلتا، ويكاد يكون غير محدّد الملامح، وأن هناك في مكان ما من البلاد أمرا ما زال غامضا. .. ومن كل الطَّيف البلاغي في العبارة الشكسبيرية، يبدو وكأن ملك المغرب، محمد السادس، أخذ تأويله المفضل، يخص عاهلا على وشك أن يتمم ربع قرن على تربعه عرش البلاد. قال، وهو ينظر في اللوحة الاجتماعية “شيء ما ينقصنا” في المملكة.
تفصيلا، في يوليو/ تموز 2018، قال الملك، في ما اعتبره تثبيتا لفضيلة النقد الذاتي، إنه “إذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين، يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني، في نفس الوقت، أحس أن شيئا ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي. وسنواصل العمل”. .. هذا الشيء الذي ينقص المغرب يمكن للمتتبع المسكون بأسئلة اليومي والمستقبلي في الحياة الفعلية للمغاربة، وعلى ضوء التحديات المطروحة، أن يستدل بعبارةٍ، لعلها منسوبة إلى الفيلسوف سبينوزا للتعبير عنه. تقول العبارة “كل شيء ما زال مملوءًا بهذا القليل الذي ينقصنا”!

انطلقت في المغرب ثورة اجتماعية بكل المقاييس، سمّاها الخطاب الرسمي التغطية الصحية والاجتماعية، ستكلف قرابة خمسين مليار درهم سنويا

والحقيقة، أن مجريات الحياة العامة تنبئ بذلك بقوة أكبر، فقبل أقل من أسبوعين، انطلقت في المغرب ثورة اجتماعية بكل المقاييس، سمّاها الخطاب الرسمي التغطية الصحية والاجتماعية، ستكلف قرابة خمسين مليار درهم سنويا. وبالنسبة لدولة مداخيلها معروفة، ولا تعوّل على أي هبةٍ خارج الطبيعة، أو من داخلها، يُعتبر ذلك ثورة اجتماعية.
وعلى الرغم من إعلان فشل نموذجها التنموي العتيق في إيجاد الاستجابة الضرورية لكل حاجات المغاربة، استطاعت البلاد تدبير (إدارة) الجائحة بغير قليلٍ من الجرأة والنجاح، حتى باتت الصحافة الإسبانية، مثل “الباييس” تتحدث عن “معجزة مغربية”. .. وهذا الذي ينقص المغرب، ألزَمَ به الملك الأفقَ السياسي لبلاده، عندما وضعه نصب عينيه، وجعل منه قاعدة للمرحلة الجديدة، وطريقا للإقلاع الذي يريده شاملا. وفي تتبع الاقتراب من الجواب الشافي، على قلق ممض في اليومي المغربي، يكاد المرءُ يخلص إلى القول إن الانشغال بهذا التوجه يكاد يكون غير ما تخطّط النخبة للقيام به.
والمتتبع الموضوعي عندما يقوم بجرد التقدّم الذي حصل يكون في وضعٍ من المفترض، أو من المنطقي، أن يطمئنه، غير أن ذلك لا يحدث. وفي خضم هذا التأرجح، في المغرب اليوم شيء ما غير سوي: كل هذه المعضلات الكبرى التي يزيدها الوضع الوبائي تعقيدا، والتحرّكات الجامحة في المحيط الإقليمي وفي الداخل، تتوارى عندما تطغى على السطح قضايا ذات أفق فردي، مهما كانت جدارتها في جدول المتابعة الاعلامية، أو حزبي ضيق. وفي هذا السياق، ما زال صدى قضية رجل واحد تملأ الأفق في التصريحات والتراشق والتعليقات والنقاش العام، فقد خرج المعطي منجب، المؤرخ والمعارض، والذي تطرح قضيته منذ 2015، ليعلق على إطلاق سراحه بالقول إن الدولة في المغرب بوليسية، ولا بد من إلغاء الأمن البوليسي… إلخ. ولم تجد الدولة سوى وزارتها في الداخلية، للتعبير عن الرفض القاطع لادّعاءٍ كهذا حسبها. وفي المقابل، بدا وكأن المنبع الطبيعي للتداول في القضايا الوطنية، أي مؤسسات المجتمع، المدني بالأساس، والمثقفون والمسؤولون، بهذه الدرجة أو تلك، عن سجل كامل من التاريخ الحديث للمغرب، قد نفد.

ينتظر المغرب الإعلان عن نموذج تنموي جديد، ولو اشترط زلزالا سياسيا، حسب دعوة الملك نفسه

وبدا أن النقاش السياسي الذي عرفه العهد الجديد في العشرية الأولى يعطي الانطباع أنه انتفى وترك المكان لنوع من “التقية” السياسية، يشترك فيها جزء من اليسار والليبراليين والوطنيين اليمينيين والإسلاميين، لأسبابٍ ليست تاريخية أو عقدية، بقدر ما تعود إلى حسابات اللحظة وعدم تملك الأسئلة التي يواجهها البلد.
ينتظر المغرب الإعلان عن نموذج تنموي جديد، ولو اشترط زلزالا سياسيا، حسب دعوة الملك نفسه (!)، وينتظراستقبال الملك الرجل الذي تكلف بهذا النموذج، وهو سفير المغرب في فرنسا، شكيب بنموسى، ولجنة علمية معه، لإعلان ميلاد الطريق السيار الجديد للتنمية والإقلاع الاقتصادي، والتجاوز الإيجابي لقضايا التنمية الاجتماعية والعدالة المرافقة لها.. غير أن الطبقة السياسية ما زالت محكومةً بسؤال حضورها في المشهد السياسي المقبل، لما بعد انتخابات 2021، بدون الحاجة إلى أي نقاش سياسي حارق!
تلخيض المشهد المغربي يكمن في التسطير على وجود مفارقة جوهرية بين حيوية المرحلة (وتعقد رهاناتها) وميل الساحة العمومية إلى ما يشبه الواقع “الروتيني اليومي” الذي يطبع الوجود الافتراضي للأفراد.