Business is booming.

ياروسلاف ستيتكيفتش.. الاستشراق وأسئلته الحرجة

في دراسةٍ نُشرت ضمن كتاب “الاستشراق والشعر العربي” للمستشرق الأميركي ياروسلاف ستيتكيفتش jaroslav stetkevych، تتبلور ملامحُ نظرة جديدة إلى كلا المصطلحَين، الاستعراب والاستشراق، تتّجه نحو صياغة موقف جديد تجاه مهمّة المستشرق، والمستعرب على وجه الخصوص، في دراسته للأدب العربي، ووضع التزامات مختلفة عن تلك التي عرفتها هذه المهنة في الماضي القريب والبعيد على حدّ سواء.

هذه الموضوعة في الأصل محاضرة له ألقاها في كلية سانت أنتوني، بجامعة أكسفورد، ثم عاد إليها وجدّدها، متذكّراً مناقشاته المبكرة في شيكاغو حيث مارس التعليم في جامعتها هناك قبل تقاعده، فقدّم تحت عنوان “الاستعراب والأدب العربي: نظرة شخصية إلى المهنة” بحثاً أدبياً هو الأول من نوعه انطلاقاً من وحي تجربته الشخصية.

في البداية، يشيد هذا المستشرق أوكراني الأصل، المولود عام 1929، بجيل المستشرقين الرومانسيين، بوصفهم الجيل الأول، وعلى إثر هؤلاء وتأثُّراً بهم كما يقول، استولت عليه رغبة في أن يصبح مترجماً للأدب العربي إلى لغته الأم. بعد الرومانسيّين جاء المستشرقون المؤرّخون للثقافة، وأنتجوا الكثير من الأعمال الجديدة، ودمجوا الشرق في نسيج ثقافة كونية، على الرغم من أن هذا الدمج الحديث نجم عن بواعث غربية فقط.

يقترح ملامح لصياغة موقف جديد تجاه مهمّة المستشرق

والآن، جاء دور جيل استشراق ثالث يضع ستيتكيفتش نفسه فيه، ويقول عنه إنه جيل باحثين فقدوا البراءة الرومانسية، ولم تعد آدابه القومية كما يبدو بحاجة إليه، بالإضافة إلى أنه لم يعد مثالياً أيضاً، وأصبح في شك من وجود ثقافة كونية، وبدا أنَّ ما تبقّى له هو المعرفة من أجل المعرفة لا غير.

في هذه الوضعية المربكة للاستشراق كفرع معرفي تلاشت موجته الرومانسية، وانكشف الجانب المظلم من جوانب دراساته التاريخية للثقافة والسياسة والعقائد الشرقية، أي بوصفه خطاباً موجّهاً لصناعة شرق هدفه حكمه والسيطرة عليه، يتساءل: أما زلنا نعتقد، ونحن ننقل تجربتنا في الأدب العربي إلى قرّائنا، أننا نساهم في سيرورة الإبداع الجارية في آدابنا الأصلية؟ وهل نستطيع، على سبيل المثال، أن نشجّع بأي طريقة من الطرق شاعراً ناشئاً في اللغة الإنكليزية على أن يجد قرابة إبداعية له مع امرئ القيس أو المتنبّي؟ وإذا شعرنا أن هذا ممكن، فما هو السبيل؟ أيمكن أن تكفي الترجمات؟

وبعد ذكره لبعض الترجمات الشعرية إلى الإنكليزية في مطلع القرن العشرين، وكيف أنها أثرت الشعر الإنكليزي من أمثال ترجمات عزرا باوند وفيتزجيرالد، يصل إلى القول: “يجدر بنا عند هذه النقطة أن نسأل أنفسنا عمّا إذا كان مصدر الصعوبات التي تواجهنا هو أننا لسنا معنيّين أساساً بالأدب، بقدر ما أنّنا فقهاء لغات ومؤرّخون وعلماء اجتماع متنكّرون؟ أو بكلمة واحدة لأننا “مستشرقون”؟

في ضوء هذا يعبّر عن اعتقاده بأن أي نظرة إلى أفضل الكتابات التاريخية التي أنتجها الاستشراق تكشف عن أن ليس لدى المستشرقين مفهوم عمّا يصنع الأدب، وما الذي يصنع تاريخاً أدبياً. ويرجع سبب فقدان الاهتمام بالأدب إلى صعوبة التمكّن من اللغة العربية في وقت كانت الحماسة والأفكار الخصبة تملأ النفوس، ولأن السنوات والمعاجم وكتب النحو والصرف استنزفت طاقات المستشرقين، وجعلتهم ينسون ما كانوا شرعوا في عمله.

وما أن يلقي نظرة على دراساته ودراسات زملائه، كمستشرقين ومستعربين، للأدب العربي، حتى يلحظ فوراً أنها أصبحت دراسات هادئة مطمئنّة، ولا يستطيع التقرير هل يعود هذا إلى رضى متعال عن الذات، أم إلى قلّة اهتمام.

ولئن كان هناك من يلقي باللائمة على الأدب العربي في أنه لم يمر بتجربة تطوّر حقيقية، كما يقول، فلا بد أن المستشرقين وقعوا أيضاً في أسر الاطمئنان، وفي هكذا حالة لا يبقى لديهم الكثير مما يُنقل إلى أي أحد. ومن هنا “إذا عنى الأدب العربي لنا شيئاً، فعلينا الاستجابة لتحدّيات حوار أدبي مع آدابنا وفكرها النقدي. وفي هذا السياق يمكن رؤية علم المناهج بالمعنى الواسع للكلمة كاتصال ثقافي، وهو بالتحديد ما يبدو أننا نفتقر إليه حين ننظر إلى أنفسنا كجزء لا يتجزّأ من عالمنا الثقافي. نحن في الواقع على هامش هذا العالم، لا صلة لنا بمساعيه، وإذا غبنا لن ينتبه أحد إلى غيابنا”.

تصنع النزعة التاريخية الكلاسيكيات بينما يمنحها النقد الحياة

وينقلنا من هذا إلى قوله: “يجب أن تَحلّ محلّ البحث في الدراسات الأدبية قراءة ذكية شاملة دافعها اهتمام حميم وقادر على التأكيد على المتعة والإثارة لدى القارئ”. ويميّز هنا بين منهجين في تناول الأدب، المنهج التاريخي والمنهج النقدي. ويرى أن الكتب الغربية عن تاريخ الأدب العربي بلا استثناء تقع في خانة الكتابة التاريخية؛ أي أنّ هذا التاريخ كتبه مؤرّخون وفقهاء لغات كان اهتمامهم بالأدب ضئيلاً أو هامشياً.

وفي المفاضلة بين المنهجين، يرى أن المنهج التاريخي يهتم في تحليله للعمل الأدبي بعناصره ومركباته القابلة للتحديد والاستخدام في خدمة التأريخ، بينما لا يرى المنهج النقدي التحليل إلّا في علاقته بالعمل الفنّي كوحدة قائمة بذاتها. بالإضافة إلى أن النقد، ضمن التاريخ الأدبي، يعني استخلاص الماضي من أجل الحاضر، بمعنى تقييم الماضي وحمله على محمل شروط القيم والمواقف الجمالية الثقافية الخاصة بكل جيل. وبعبارة مختصرة؛ النزعة التاريخية تصنع الكلاسيكيات، بينما يمنحها النقد الحياة.

ولهذا نجده يتّخذ طريقاً وسطاً يمزج التاريخ بالنقد، لبلوغ مستوى من مناهج البحث الأدبي ثريّ من النوع الذي نادراً ما تمت مقاربته. وفي هذا المستوى البحثي يصبح المستعرب قادراً على أن يكتشف في الأدب العربي معنى يتوافق مع حساسيته، أي أنه سيجد في نفسه حاجة إلى هذا الأدب.

ويؤكد ستيتكيفتش: “وسنواصل العمل بهذه الطريقة في حقلنا الثقافي من دون أن تفترق حياتنا الأدبية عن فكرنا، ولن نبيع أرواحنا لأحد، وسنظل في أعماقنا غربيّين أوفياء، وستكون علاقتنا بالحياة الأدبية العربية علاقة مراقبين فقط. لن نحاول المساهمة في الحياة الأدبية العربية بأن نسمح لأنفسنا بصياغة الرأي الأدبي النقدي العربي. إن عبارة “صلة وصل بين ثقافتين” لن تبدو بلا معنى إذا وقفنا بثبات؛ قدم في الغرب وأخرى في الشرق”.

ويضيف معترفاً: “صحيح أننا لم نكن عديمي الجدوى أو المساهمة في إنعاش الحياة الثقافية والأدبية العربية منذ بداية النهضة، بإصداراتنا من النصوص الكلاسيكية العربية التي وجّهت انتباه المثقّفين العرب إلى جوانب مهملة ومنسية من جوانب تراثهم الثقافي، وبمساهمة مناهجنا النقدية في تدقيق تلك النصوص في ترسيخ مستوى علمي في البحث تبنّاه زملاؤنا العرب بفعالية، ووفّرت جامعاتنا تدريباً أكاديمياً لعدد من العرب كانت لهم أدوار مؤثّرة لاحقاً في حياة بلدانهم الثقافية والأدبية…”، إلا “أننا تصرّفنا في كل الأحوال إمّا كمديري مدارس يمارسون وظيفتهم عن بعد، أو رازحين تحت ثقل عقلية مؤسّساتنا الأكاديمية، ولم تكن لغة استعرابنا هي اللغة العربية ذاتها، بل كانت إمّا اللاتينية أو الألمانية أو الفرنسية، وتميل الآن إلى أن تكون الإنكليزية. لقد كان من الطبيعي تماماً وبلا استثناء تقريباً ألّا يكون المستعرب الغربي مؤهّلاً لكتابة جملة واحدة سليمة في اللغة التي كانت على نحو صريح معيار احترافه لمهنته”.

ويرفق هذه الاعترافات بالقول: “لسوء الحظ ما زال أمراً مشروعاً ومقبولاً في أوساطنا أن نكون أنصاف أميّين في لغة اختصاصنا، ولم يكلّف بعضنا نفسه أبداً عناء تعلّم كيف يكتب بالعربية، لأننا اعتبرناها لغة كلاسيكية، وهذا يعني أنها لغة ميتة، على الأقل إلى الحد الذي ادّعينا معه اهتمامنا بها”.

وبعد هذه الاعترافات يطرح ما يمكن اعتباره رؤية جديدة إلى آليات عمله، كما إلى آليات عمل زملائه فيقول: “في مقاربة الأدب العربي، علينا في المقام الأول أن نتعلّم كيف نفكّر ونشعر باللغة العربية، وأكثر الخطوات أهمية للوصول إلى هذا المستوى هي اكتساب عادة الكتابة باللغة العربية. وإذا لم تصبح رغبتنا في إثراء حياة حقلنا الثقافي الأدبية هي باعث عملنا في الأدب العربي، فلا أمل في أن نجد تبريراً لهذا العمل بوصفه أمراً نقوم به بيننا وبين أنفسنا، ومن أجل مجموعة صغيرة من المختصّين فقط”.

وبعد أن يشرح كيف أن من المحبط إخضاع قصيدة أو بيت شعر عربي مثلاً لتحليل أسلوبي تكون الترجمة أساساً له، يختتم بالتأكيد على أنّ “مستقبل دراسات الأدب العربي على وجه الخصوص يتوقّف على العرب، وسيرسم ويقرّر هذا المستقبل زملاء عرب، وأنَّ ما سيُكتب في هذا المجال باللغة العربية هو وحده ما سيحصل على المدى الطويل على مرتبة المساهمة الحقيقية البنّاءة والدائمة. وهذا هو ما سيكون الاستشراق/ الاستعراب الحقيقي الجدير بالبقاء. ولن يكون لدى الاستشراق التقليدي سوى القليل، أو لا شيء مطلقاً، ليضيفه من أجل صياغة هذا المزج بين الاستشراق والاستعراب في المستقبل”.

* شاعر وروائي وناقد من فلسطين