Business is booming.

كورونا وفشل أخلاقي

عام ونيف مضى ولا يزال العالم يتقلب على إيقاع تفشّي سلالاتٍ متوالدة ومتحوّرة من فيروس كوفيد 19. ولا يبدو أن الجائحة على وشك النهاية بعد، على الرغم مما يُشاع من تفاؤل مع تلقيح مزيد من البشر بأنواع التطعيمات التي بات الناس يعرفون أسماءها وكأنها ماركات سيارات، ويفاضلون بينها وكأنها علامات تجارية لأنواع عطور راقية وأخرى سيئة. في الأيام الأولى لتفشّي الوباء، انطلاقاً من ووهان الصينية وصولاً الى كبريات العواصم الأوروبية، ولاحقاً كل بقاع اليابسة، كشف الفيروس غير المرئي عن فشل المنظومة الصحية في ما تعرف بالدول الصناعية المتقدّمة، ناهيك عن الدول المتخلفة، إذ لم تستطع هذه الدول بعظمة شأنها، وتقدّم إمكاناتها مواجهة الوباء، وانكشفت مشافيها عاجزةً عن استقبال أفواج المصابين. أشهر طويلة ووكالات الأنباء تنقل صور الرعب من غرف المرضى، وما في الممرّات داخل مشافي إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا. ولم يكن حال الولايات المتحدة أحسن، إذ فشلت المنظومة الصحية الأميركية في مواجهة الفيروس، ودفعت أميركا من الضحايا ما يفوق ما خسرته بشرياً في كل حروبها الحديثة.

عيوب كثيرة عرّاها الفيروس داخل الدول منفردة، أو مجتمعة ضمن ما تسمّى الأسرة العالمية، ليس أقلها إقحام الفيروس في الحرب بين إدارة الرئيس الأميركي المنصرف دونالد ترامب والصين، أو ارتفاع منسوب العنصرية، بمختلف أشكالها وألوانها، في العالم. ثم تمّكن الفيروس من إعادة العالم إلى بدايته الأولى، إلى ما قبل “شعوباً وقبائل لتعارفوا” حيث سادت “الأنا القومية”، وانشغلت كل دولة بإجراءات وقائية لحماية مواطنيها ومنع الفيروس من التفشي داخل برّها، وظهر العالم وكأنه جزر متباعدة، وليس عالما واحدا يتعايش في ظل شعاراتٍ برّاقة، من قبيل التضامن الدولي والأسرة العالمية الواحدة .. إلخ.

عرّى الوباء المنظومة الأخلاقية التي تغطّت فيها دول وأنظمة عقودا طويلة. وليت الأمر توقف عند هذا الحد. هذا العالم الذي انقسم في مواجهة كورونا، عاد وانقسم، بل تفتت في معركة إيجاد لقاح مضاد للفيروس، وبدلاً من التضامن العالمي المزعوم، شهدنا أبشع المنافسات بين شركات أدوية عالمية تعاملت مع الجائحة بوصفها فرصة سانحة لجني مليارات الدولارات. ومع بدء الإعلان عن التوصل إلى لقاحات، تحولت المنافسة إلى حروب دعائية بين مختلف اللقاحات الاوروبية والر وسية والصينية والأميركية. وبينما كانت الأبحاث تعطي الأفضل لأحد هذه اللقاحات، كانت حرب التشويه تستعر مرة ضد اللقاح الصيني، وأخرى ضد اللقاح الروسي، حتى وصل الأمر إلى تشكيك أوروبي في اللقاح “أسترازينيكا – أكسفورد” البريطاني السويدي.

وكشفت حرب اللقاحات، سيما في جانب التوزيع بين الدول، عن جانب آخر من “الأنانية القومية” إذ راحت الدول تتنافس للحصول على أكبر كميات من اللقاح، وزعمت الدول المصنّعة للقاحات الأولوية في الحصول على ما يكفي سكانها من لقاحات. وبينما راحت الدول الكبرى تتباهى بالأرقام المتصاعدة لأعداد مواطنيها الحاصلين على جرعات التطعيم، لا تزال الدول الفقيرة تتسول اللقاح من الدول والمنظمات الدولية. بل إن وثائق مسربة اطلعت عليها “بي بي سي” أظهرت أن دولاً غنية، من بينها بريطانيا، عرقلت رفع قدرات إنتاج اللقاحات في الدول النامية، وأن عدّة دول فقيرة طلبت المساعدة من منظمة الصحة العالمية، ولكن دولاً غنية (بريطانيا، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي) تحول دون تحقّق تلك المساعي.

وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فحاجة الناس للقاح فتحت منافذ سوق سوداء للتجارة بلقاحاتٍ، بعضها حقيقي وأكثرها مزيف. عصابات تبيع في الصين، وتصدّر إلى العالم محلولاً ملحيا ومياها معدنية على أنهما لقاحات فيروس كورونا. وفي عالم الإنترنت المُظلم، فتحت نوافذ لبيع لقاحات فيروس كورونا مقابل ألف دولار للجرعة. بالنظر إلى الأشهر الماضية، منذ تفشّي الوباء، لا يبدو أن خطورة الوباء تقتصر على ما يحصده من أرواح بشرية، بل الأخطر من ذلك، ما كشفت عنه الجائحة من أمراض مزمنة في المنظومة الأخلاقية للبشرية.