Business is booming.

تحالف الضرورة بين الصين وروسيا بمواجهة أميركا وأوروبا

لم تكن زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال الأيام الماضية، إلى جنوب الصين للاجتماع بوزير خارجيتها وانغ يي، لمجرد تنسيق العلاقات التجارية بين الطرفين، في ظل توتر علاقتهما بالولايات المتحدة ودول أوروبية، ودخولها مرحلة جديدة من التصعيد في الأيام الأخيرة.
وقد لا تكون علاقة موسكو بالاتحاد الأوروبي أقل سوءاً من علاقتها بواشنطن. وإذا كان اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني، وتّر علاقة بروكسل بالكرملين أخيراً، وفي حين كان ساكن البيت الأبيض السابق دونالد ترامب، يبدو أقل حماسة لمواجهة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، والذي لم يمض على حكمه سوى شهرين، يحمل سياسة مختلفة في الظاهر حيال سياسات موسكو، الباحثة هذه الأيام عن تحالفات جديدة في الشرق، لصد الضغوط التي تستشرفها مع الإدارة الأميركية الجديدة.

تبحث موسكو هذه الأيام عن تحالفات جديدة في الشرق، لصد الضغوط التي تستشرفها مع الإدارة الأميركية الجديدة

وتذكر الملاسنة الأخيرة بين بايدن وبوتين بتلك التي صبغت الفترة الأولى من حكم ترامب تجاه زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. وصف بايدن لبوتين بـ”القاتل” قابله طلب الرئيس الروسي لنظيره الأميركي “التعافي”، وهو غمز من قناة ما يشاع عن مرض بايدن (78 سنة) وهفواته اللغوية، وتعثره أثناء صعوده الطائرة الرئاسية قبل أيام.
الأجواء الباردة بين القطبين، وإن كانت لا تذكر بالحرب الباردة حتى اللحظة، تزداد برودة مع اتهامات واشنطن للمرة الثانية، منذ 2016، بتدخل سيبراني روسي في الانتخابات الرئاسية، وما رافقهما من تقارير عن قراصنة برعاية الكرملين للتأثير في الديمقراطيتين الأميركية والأوروبية، والسعي، بحسب الأوروبيين، لشق الصفوف، بالتقرب المنسق مع اليمين القومي المحافظ والمتشدد لدى جيران موسكو في الغرب. والتهديدات الأميركية بفرض عقوبات على موسكو، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تعانيها روسيا، واستفحال ما يراه الغرب “قمع الحريات والمعارضة”، وتأييد بوتين لزميله في بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، لقمع انتفاضة الشارع، لا تخفف من استشعار أن حقبة “السمن والعسل” التي استمرت طيلة سنوات حكم دونالد ترامب ولت إلى غير رجعة.
أما بكين فتواجه أزمة حقيقية في علاقتها مع الغرب، الذي باتت ترتفع فيه أصوات غير مسبوقة في نقدها لسياستها تجاه أقلية الإيغور المسلمة. ولعله من اللافت عنونة السياسة والصحافة في دول أوروبية سياسة بكين في إقليم شينجيانغ بأنها “إبادة جماعية”. وقضية الإيغور ليست هذه الأيام سوى واحدة من قضايا المواجهة بين الغرب وبكين، المتحسسة من كل انتقاد لسجلها الحقوقي، حتى أنها ذهبت، الثلاثاء الماضي، إلى فرض حظر دخول رئيس الوزراء الدنماركي الأسبق، والأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، أندرس فوغ راسموسن، إلى أراضيها. وكانت خلال الشهر الماضي وضعت برلمانيين دنماركيين على “قوائم الملاحقة”، مطالبة كوبنهاغن بتسليمهم بسبب اتهامهم بـ”تهريب نشطاء” من الحركة الديمقراطية في هونغ كونغ.

ودانت بكين، أمس الأربعاء، “مضايقات ونفاق” الأوروبيين بعد استدعاء سفرائها في عدة دول، إثر العقوبات التي فرضتها بكين على برلمانيين ومنظمات أوروبية. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا شونيينغ إن “الصين لا تقبل هذه الطريقة غير العقلانية من بعض الدول الأوروبية لاستدعاء سفرائها”. وكانت هولندا وألمانيا وفرنسا والدنمارك والسويد وليتوانيا استدعت سفراء بكين. واستدعت بكين بدورها عدداً من السفراء الأوروبيين لدى الصين. وقالت هوا إن “الأوروبيين يسمحون لأنفسهم بتشويه سمعة الآخرين ومهاجمتهم، وفرض عقوبات تعسفية، بناء على معلومات وأكاذيب، لكنهم يرفضون السماح للصين بالرد والتصدي لذلك”. وأضافت أن التعليقات الأكثر حدة صدرت عن باريس، حيث انتقدت وزارة الخارجية الفرنسية السفير لو شاي الثلاثاء الماضي، واتهمته بإطلاق “إهانات وشتائم وتهديدات” ضد باحث وبرلمانيين فرنسيين.
وتستعرض بكين، في أكثر من دولة أوروبية قوة موقفها الصناعي، الذي كشفته جائحة كورونا، لجهة ارتباط أنظمة صحية أوروبية بتوريد مستلزماتها عبر الصناعات الصينية، في محاولة لفرض تعتيم وعدم انتقاد لسياسات الصين في المجمل. وإلى جانب كوبنهاغن، وجدت السياسة الصينية تعبيراتها في العلاقة مع برلين وأمستردام واستوكهولم وبروكسل، وغيرها، في الوقت الذي استخدمت فيه “دبلوماسية كورونا” لاظهار قوتها الناعمة في العلاقة مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي، في المجر وبولندا وجمهورية التشيك واليونان وإيطاليا، وهي ذات الدول التي يحاول الكرملين اللعب على تناقض ساساتها من معسكر اليمين القومي المحافظ مع عاصمة النادي الأوروبي، بروكسل.

ترتفع في الغرب أصوات غير مسبوقة في نقدها لسياسة الصين تجاه أقلية الإيغور المسلمة

في السياق، تأتي زيارة لافروف والالتقاء بوانغ يي في قويلين، جنوبي الصين أمس الأول، حيث أطلق منها مسؤول دبلوماسية الكرملين دعوات إلى الابتعاد عن نظام الدفع الدولي بالدولار. واعتبر لافروف أن على الشريكين الصيني والروسي “تعزيز استقلالهما التكنولوجي، والتحول إلى حسابات تجارية بالعملات الوطنية والعالمية البديلة عن الدولار الأميركي”.
يعلم الكرملين أن واشنطن بصدد تصعيد الموقف، وربما فرض مزيد من العقوبات على شخصيات من الدائرة المحيطة ببوتين، وأن لقاء ألاسكا، الصيني- الأميركي باء بالفشل، مع طفو خلافات الجانبين إلى السطح. وعليه، تحاول الدبلوماسية الروسية استغلال كل ثغرة متعلقة باختلافات أوروبية داخلية، أو في علاقة واشنطن مع بكين، والظهور قوية وغير مكترثة بالعقوبات الأميركية المستمرة منذ بداية 2015، بعد أشهر من ضم القرم.
والترويج الروسي للانفصال عن أنظمة الدفع العالمية، الغربية، في نظام معاملات “سويفت”، بالتنسيق مع بكين، يأتي بعد أن أدركت أنه لا يمكنها وحدها القيام بذلك دون شريك قوي كالصين. فموسكو جربت سابقاً الرد على عقوبات واشنطن، بإصدار بطاقتها الائتمانية الخاصة “مير” (MIR)، على أمل منافسة “ماستر كارد” و”فيزا”. ورغم وجود 95 مليون بطاقة “مير” في روسيا، إلا أنها تجربة لقيت فشلاً، حيث لا يمكن استخدامها إلا في سبع دول كحد أقصى على الصعيد الدولي.

تستعرض بكين في أكثر من دولة أوروبية قوة موقفها الصناعي، الذي كشفته جائحة كورونا

وفي هذا الإطار، يصعد لافروف لغته حيال الغرب، متهماً إياه بمحاولة “الحفاظ على الهيمنة بكل الطرق، بما في ذلك تزوير القيم” كرد على انتقادات للسجل الحقوقي لموسكو على خلفية قضية حبس نافالني، الذي نفى الكرملين محاولة تسميمه. واعتبر لافروف أن على الصين وروسيا العمل بشكل مشترك لمعارضة الهيمنة الغربية. هذا رغم أن الطرفين يختلفان في كثير من المواضيع، بما فيها المنافسة الصينية على أسواق أفريقيا وشرق وغرب آسيا، ومحاولة تعزيز وجودها في حوض البحر الأبيض المتوسط، من خلال اتفاقيات مع بعض دوله.
ويبدو أن الخلافات المتزايدة بين بروكسل (عاصمة الأوروبيين المشتركة) وموسكو وصلت إلى حد تجميد وكالة الدواء الأوروبية النظر في مسألة ترخيص لقاح “سبوتنيك في”، بعد أن لاحت في الأفق إمكانية لاستخدامه، إثر زيارة مسؤول السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في فبراير/شباط الماضي، والتي أشيع لاحقاً أنها “زيارة فاشلة”. ويلعب الكرملين في علاقته الأوروبية لعبته المفضلة في اعتبار معسكرها، الاتحاد الأوروبي، وكأنه غير قائم، مع كل ما يرافقه من حملات دعائية تشكك بديمقراطية وقيم القارة. فلافروف اعتبر، في زيارته إلى الصين، أن بلاده “لا تقيم علاقة مع الاتحاد الأوروبي كمنظمة، فالبنية التحتية لتلك العلاقة دُمرت بالكامل بقرارات أحادية من بروكسل (سياسة العقوبات والانتقادات الدائمة للكرملين)”. ويقرأ الأوروبيون جيداً ما يصبو إليه الكرملين، مع اتساع دائرة الخلافات بين الطرفين، حيث اتهم بوريل روسيا بأنها “متجهة نحو المواجهة”.
كل هذا السجال الروسي الغربي، بتناغم أكثر هذه المرة بين حليفي ضفتي الأطلسي تجاه موسكو وبكين، يأتي على خلفية تحول في الرأي العام الروسي، على ما تنقل الصحف الأوروبية، بما فيها “دير ستاندر” النمساوية و”أفتون بلاديت” السويدية. إذ يعتبر 29 في المائة فقط من الروس أن بلدهم أوروبي، و27 في المائة فقط يصنفون أنفسهم كأوروبيين. ويعد ذلك تراجعاً من 52 في المائة في 2008، مع تصاعد الروح القومية واتساع الفجوة الأوروبية- الروسية، والتي تدفع بدول البلطيق وفنلندا والسويد والدنمارك وبولندا إلى تعاون أوثق تحت مظلة “الناتو”، خوفاً من استفزازات موسكو المتواصلة، وخصوصاً من جيب كاليننغراد على البلطيق. هذا بالإضافة إلى محاولات “مجموعة دول الشمال” ترسيخ وجودها العسكري والصناعي وطرق الملاحة في المنطقة القطبية الشمالية، بتنسيق مع واشنطن هذه المرة، ومحاولة كبح مساعي موسكو وبكين خلق أمر واقع بقوة التواجد العسكري الروسي والتجاري-الاستثماري الصيني، بمغريات وضغوط ترفضها حتى اليوم كوبنهاغن فيما خص جزيرة غرينلاند والمحيط المتجمد الشمالي.
لعل الأسابيع القادمة ستحدد أكثر ما إذا كان الطرفان، الأميركي والروسي، ماضيين نحو سياسة حافة الهاوية، أو العودة إلى دبلوماسية الحوار، من دون إغفال العامل الصيني، وتعقيدات تشابك مصالح إقليمية وعالمية باتت بكين لاعبها الأكثر اندفاعاً في استثمار نتائجها، والمنطقتان العربية والأفريقية ليستا بمعزل عن كل ما يجري.