Business is booming.

الجزائر… لا رفاهية ولا حريات

منذ عامين يخرج الجزائريون، كثيرهم أو قليلهم، في حراك سلمي، لم يرفع مطلقاً شعارات الخبز والمطالب الاجتماعية، حتى في عز أزمة السيولة النقدية والحليب والبطاطا، والزيت أخيراً. يدرك الجزائريون مكمن الخلل، ويغمرهم اليقين بحكم التجارب المريرة أن الأزمة ليست مشكلة خبز، ولكنها أزمة سياسية تتعلق بنظام حكم فاسد يدير بشكل فاشل ديمقراطية مغشوشة ومنظومة من المؤسسات المعتلة يهيمن عليها العقل الأمني.

منذ عقود، يرفض النظام السياسي إجراء تقييم موضوعي للمسارات المتعددة التي قطعتها البلاد، لتحديد عوامل النضج ومكامن الخلل التي تعيق التطور، والمكاسب التي تحققت على قلتها والإخفاقات الأكبر التي مني بها ثلاثة، البلد والنظام والشعب. ثمة فيلم سينمائي جزائري (الطاحونة)، يعبّر بكثير من الجرأة عن الخداع والأكاذيب السياسية التي كان يعيش في مناخها النظام الحاكم في الجزائر في السبعينات والثمانينات، ويعمل على تسويقها. يُبرز الفيلم جملة الفوارق الكبيرة بين ما كان يعيشه الجزائريون كمواطنين وبين سياسات حكام الجزائر، ويصور في جمل سينمائية جريئة جملة المتناقضات التي كان النظام يحسمها دائماً بالحل الأمني والإجبار السياسي، بحيث يصور الفيلم كيف يتغول البوليس السياسي على كل صوت يقول الحقيقة ويعارض تزوير الواقع وتزييف المخرجات.

تلك هي الحقيقة الجزائرية كما هي، فخلال عقود الاستقلال الستة لم يحصل الجزائريون على مغانم كبيرة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، تكون في مستوى الانتصار الثوري الكبير الذي حققته ثورة نوفمبر/تشرين الثاني 1954 والطموح الكبير لبناء دولة وطنية قوية وصلبة، فلا يكون هناك معنى للدولة القوية بغياب العامل الرئيس الذي قاتل لأجله الثوار، وهو الحرية. بغياب الحرية في بُعدها الأعم والممارَس في كل المراحل السياسية للجزائر، غاب الصوت المعارض والنقد والمكاشفة، وغاب التقييم والمحاسبة والمساءلة، وتم تطويع القانون لصالح الولاء، وهيمن حكم مجموعات الظل والمحاصصة على حساب الشرعية والمؤسسات، وحل محل التدبير العلمي التوجيه الإداري الفاسد. غابت الحريات وحضر القمع والقهر، ومعه الفساد الذي نخر الدولة من سنة إلى سنة ومن عقد إلى عقد.

كل نظام سياسي يمكن أن يعمل على أهداف رئيسة في تطوير البلد وتحقيق التنمية والرفاهية وتعزيز الممارسة الديمقراطية وتوفير الحريات. قد ينجح في أي من هذه الأهداف لسبب ما وقد يخفق في أخرى، لكن حين يكون نظاما بمستوى النظام السياسي الذي يتوارث الحكم في الجزائر، فاشلا في تحقيق كل الأهداف برمتها، وعاجزا عن تحقيق أي منجز، لا تنمية ولا ديمقراطية، لا حريات ولا رفاهية، وفاشلا في توفير الحليب والزيت والإعلام الحر والشغل والسكن والانتخابات النزيهة معاً، وفاشلا في وضع البنى التحتية لأي إقلاع اقتصادي أو انفتاح سياسي، فبسبب هذا الفشل المزدوج يمكن فهم لماذا تستمر الثورات السياسية للجزائريين ضد السلطة، خصوصاً في العقود الثلاثة الأخير.

سيكون من الصعب على الجيل الجزائري الجديد، بعد الديناميكيات السياسية والاجتماعية ما بعد الحراك الشعبي، الاستمرار في خسارة الأمرين معاً لفترة أخرى، حريات تكفل كافة حقوق المواطنة، ورفاهية ومستوى مقبول من العيش مقارنة بثروات البلاد.