Business is booming.

سد النهضة: تعليمات مصرية بتصعيد خطاب "ضرورة الحسم بالقوة"

تطورت المناوشات الدعائية بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، حول انسداد المسار التفاوضي لقضية سدّ النهضة، إلى صدور تعليمات من الاستخبارات العامة المصرية إلى وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، بتصعيد الحديث عن “ضرورة الحسم بالقوة” والإشارة الصريحة إلى “مطالبات استخدام القوة العسكرية”، طالما استمرت أديس أبابا على موقفها المتشبث باستمرار العمل للملء الثاني المنفرد للسد، بدون اشتراط التوصل إلى اتفاق نهائي على قواعد الملء والتشغيل.

وتزامن هذا التطور، الذي لم يستخدم بهذا الشكل في القاهرة منذ عامين تقريباً، مع التصريحات المتناثرة الضمنية من المسؤولين السودانيين بعد الزيارات التنسيقية المتبادلة مع مصر، حول “ضرورة حماية الأمن القومي بكلّ السبل الممكنة”. كما تزامن مع التصريحات الإثيوبية حمّالة الأوجه، والتي كلّما تقدمت خطوة في سياق استئناف التفاوض، عادت لتفرغ هذه الخطوة من مضمونها، بالتأكيد على حقّها السيادي في الملء الثاني، سواء توصلت الأطراف إلى اتفاق أو لم تتوصل.

تحاول مصر اجتذاب الأطراف الغربية للانخراط في الوساطة والضغط على إثيوبيا

وقالت مصادر دبلوماسية وحكومية مصرية مطلعة على مستجدات الملف، لـ”العربي الجديد”، إن العودة لاستخدام الإعلام المحلي لإشاعة مناخ من المطالبات بالحلّ العسكري، جاءت استجابة من دائرة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي لتوصيات استخباراتية ودبلوماسية وأخرى من وزارة الري، بضرورة ازدواج الخطاب الإعلامي المصري وعدم الاكتفاء بالتصريحات التي تركز على التفاوض فقط من السيسي ووزير خارجيته سامح شكري. ويرتكز الهدف في ذلك، على محاولة لإعادة إنتاج حالة التخوف التي كانت قد سادت العلاقات بين مصر وإثيوبيا عندما لوّحت القاهرة بصورة مكثفة بقرب استخدام الحلّ العسكري، وذلك قبل مفاوضات واشنطن التي استمرت نحو ثلاثة أشهر مطلع العام 2020. وكانت هذه المفاوضات انتهت بالفشل بسبب رفض الخرطوم وأديس أبابا آنذاك للصياغة الأميركية التي وافقت عليها مصر منفردة.

وأضافت المصادر، أن الهدف الثاني من خلق هذا المناخ الإعلامي، المدعوم أيضاً بمنشورات في هذا الاتجاه على صفحات مجهولة في مواقع التواصل الاجتماعي، هو اجتذاب اهتمام الأطراف الغربية لضرورة الانخراط في الوساطة الإيجابية والضغط على إثيوبيا للعودة للتفاوض. ومن أهم هذه الأطراف، الإدارة الأميركية الجديدة والأمم المتحدة، باعتبار أن الاتحاد الأوروبي لا يزال من الأطراف الرئيسية الملتزمة بالوساطة، وتتوافر لديه دائماَ النوايا للتوصل إلى حلّ يرضي الدول الثلاث المعنية بالأزمة. وقالت الخارجية الأميركية مرتين خلال شهر مارس/آذار الحالي، إنها تشجع التوصل إلى حلّ من خلال المفاوضات، معربة عن استعدادها للعب دور لتقريب وجهات النظر. وبحسب المصادر المصرية، فإن اتصالات أجرتها الوزارة مع نظيرتيها في القاهرة والخرطوم، تركز حالياً على استكشاف الحلول المقبولة، بعيداً عن اللجوء لإعادة إرسال شكوى للأمم المتحدة.

وأوضحت المصادر أن التصريحات الإثيوبية الصادرة الثلاثاء الماضي عن المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، تحمل مؤشرات إيجابية، على الرغم من إصرار الأخير على الحق السيادي لبلاده في الملء الثاني. وتتمثل هذه المؤشرات في زعمه بعدم وصول المقترح السوداني المصري بشأن آلية الوساطة الرباعية الدولية لأديس أبابا، وهو ما لم يحدث بالطبع، ولكنه ربما يعني أن بلاده على استعداد لمناقشة الأمر، سواء بتطويره أو بالاستجابة المطلقة له.

وسبق أن ذكر مفتي في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، أن بلاده ترفض الآلية المقترحة. وتذرعت الخارجية الإثيوبية في الاتصالات غير الرسمية التي كشفت تفاصيلها في وقت سابق مصادر مصرية وسودانية، بأن هذه الآلية تتنافى مع اتفاق المبادئ المبرم بين الدول الثلاث في مارس/آذار 2015، قبل أن يعود مفتي وينفي وصول تفاصيلها. ويأتي ذلك علماً بأن الرئاسة الحالية للاتحاد الأفريقي تؤيد الآلية التي تفترض أن تقودها التحركات برئاسة الكونغو الديمقراطية، الرئيس الحالي للمنظمة القارية.

وشدّدت المصادر المصرية على أن حديث مفتي عن أولوية إعطاء الفرصة للدول الثلاث للتوصل بمفردها إلى صياغة نهائية للاتفاق، هي “من قبيل التلاعب والتهرب من الالتزام بشيء”، لأن جميع التجارب السابقة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك استحالة الاتفاق الثلاثي على جميع التفاصيل، بما في ذلك ما سبق وتم حسمه بالفعل خلال مفاوضات واشنطن.

وفي سياق متصل، كشف مصدر فني سوداني مطلع لـ”العربي الجديد”، أن الخرطوم أبلغت القاهرة بخريطة التصرفات المائية في سدّ الروصيرص وبعض السدود الأخرى خلال الفترة السابقة على فيضان النيل، حيث بدأت الأجهزة المختصة تفريغ السد بعد إبلاغها من قبل إثيوبيا بالبيانات الخاصة بالملء الثاني لسد النهضة وكميات المياه المتوقع نزولها ومرورها خلال فترة الفيضان، حماية للسد والسدود الأصغر من الخطر. وأضاف المصدر أن التوقعات المناخية تشير إلى أن الملء الثاني للسد قد يتحقق قبل الموعد المتوقع سلفاً في نهاية يوليو/تموز المقبل. كما تتنبأ هذه التوقعات، بحسب المصدر، بأن الفيضان هذا العام سيكون أكثف ومبكراً قياساً بالعام الماضي، وهو ما يؤكد ضرورة التوصل إلى اتفاق خلال الشهرين المقبلين على أقصى تقدير.

التوقعات المناخية تشير إلى أن الملء الثاني للسد قد يتحقق قبل الموعد المتوقع في نهاية يوليو

وسبق أن كشفت “العربي الجديد” عن محاولة إثيوبية، لم تؤت ثمارها حتى الآن، لوقف التنسيق المصري السوداني القائم على المطالبة باستئناف مفاوضات سد النهضة بآلية وساطة الرباعية الدولية، وإنهاك الطرفين في البحث عن شكل متفق عليه للتفاوض حتى موعد الملء الثاني، وذلك من خلال إبلاغ الخرطوم بالبيانات الخاصة بعملية الملء الثاني والتشغيل وفترة ما بعد الملء حتى نهاية وقت الفيضان المقبل. ويأتي ذلك في إطار اصطناع إبداء حسن النوايا تجاه السودان، والمساعدة في منع حدوث أي مشاكل في سدّ الروصيرص والسدود الصغيرة الأخرى بالسودان نتيجة الفيضان أو بسبب الملء.

ويلبي إعطاء إثيوبيا هذه البيانات للسودان، نظرياً، بند الإخطار المنصوص عليه في المبدأ الخامس من اتفاق المبادئ المبرم في مارس/آذار 2015، في ما يخص الجانب السوداني فقط. لكن في المقابل، لم تعط إثيوبيا مصر أي بيانات تتعلق بفترة الملء أو كيفية التشغيل، بما يخالف هذا المبدأ من ناحية التناقض المعتاد بين التصرفات الإثيوبية والاتفاق، لكنه يعبر عن وعي أديس أبابا التام بالشواغل السودانية ومحاولة ضرب الجهود المصرية للحفاظ على التنسيق مع الخرطوم.

وفي ما بدا أنه ردّ فعل سوداني على البيانات الإثيوبية التي تحدثت عنها المصادر، أعلن وكيل وزارة الري السودانية ضو البيت عبد الرحمن، في التاسع من الشهر الحالي، أن مهندسي الوزارة في إدارتي الخزّانات ومياه النيل، يعملون للتحسب لكل السيناريوهات المحتملة جراء الملء الأحادي لسد النهضة، وذلك للحد من الآثار السلبية المتوقعة. ويشمل ذلك تعديلات في نظم تفريغ وملء خزّاني الروصيرص وجبل الأولياء. وحذّر عبد الرحمن المزارعين والرعاة ومحطات مياه الشرب ومشروعات الري، وكل مستخدمي المياه والمواطنين عامة في النيل الأزرق من الدمازين إلى الخرطوم، بأنه من المرجح أن تنخفض كميات المياه الواردة من النيل الأزرق خلال الفترة من أبريل/نيسان المقبل حتى نهاية سبتمبر/أيلول. ويعني ذلك أيضاً أن مناسيب المياه في هذا القطاع، ستنخفض، كما ستتأثر مساحات الجروف المروية على طول هذا القطاع، وكذلك مداخل محطات مياه الشرب وطلمبات (مضخّات) الري.