Business is booming.

نار الغضب تتأجج في الأردن: هدوء مؤقت قابل للانفجار

جاءت فاجعة مستشفى السلط الحكومي في الأردن في 13 مارس/آذار، والتي نجمت عنها سبع وفيات جرّاء نفاد مخزون الأوكسجين، وفي ظل تشديد قيود مكافحة وباء كورونا التي شملت تمديد حظر التجول الليلي، لتزيد الاحتقان الشعبي في الأردن. وتُرجم الغضب بتظاهرات شهدتها مدن عدة في الأسبوع الحالي، قبل أن تخفّ حدتها بسبب التعامل الأمني من قبل السلطات، وتخوّف الناس من مخاطر كورونا بعد تسجيل أرقام قياسية في الإصابات. لكن هذه الاحتجاجات تأتي نتيجة تراكمات من الغضب على سياسات الحكومات المتعاقبة، خصوصاً ما يتعلق بتوزيع الأولويات والأموال على الصحة والاقتصاد والتعليم. وبدا ذلك واضحاً من مطالب المتظاهرين التي وصلت إلى الدعوة لإقالة الحكومة وحلّ مجلس النواب ووقف العمل بقانون الدفاع.

وعلى الرغم من أن فاجعة السلط وقانون الدفاع وآثاره الاقتصادية تُعدّ أسباباً مباشرة للاحتجاجات، لكن لا يُمكن إغفال حقيقة وجود عوامل غير مباشرة ساهمت في هذه الاحتجاجات. وأبرز تلك العوامل، الفشل في إدارة الأزمات، والإهمال البيروقراطي الحكومي، والأزمة الاقتصادية، وطريقة إدارة الموارد بعد تراجع المساعدات الخارجية، والفساد وثقافة المحسوبية والوساطة، والتضييق على الحريات العامة عبر العديد من القوانين وأبرزها قانون الجرائم الإلكترونية. أما الهدوء الذي نجحت السلطات في إرسائه، عبر فضّ الاحتجاجات بالقوة، واستخدام الغاز المسيل للدموع والاعتقال، وفي ظل ارتفاع الإصابات بكورونا وإجراءات الحظر، فيبقى مؤقتاً وقابلاً للانفجار في أي وقت.

أمام هذا الوضع، تبدو حكومة بشر الخصاونة منهكة في ظلّ سعيها إلى التقاط أنفاسها مع انتقالها من أزمة إلى أخرى، بعد أن أصبحت في وضع لا تُحسد عليه، وارتفعت الدعوات المطالبة بإقالتها عقب فاجعة السلط. وبرزت في السياق أيضاً دعوة النائب ضرار الحراسيس، أول من أمس الأربعاء، الحكومة إلى الإفراج عن المعتقلين الذين جرى توقيفهم على خلفية الاحتجاجات. واعتبر “أن تفشي وباء كورونا وما تبعه من تخبّط في القرارات، وسوء التعاطي من قبل الحكومات المتعاقبة مع الفيروس، وارتداداته النفسية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى ما حصل في مستشفى السلط، أدى إلى نموّ الحركات الاحتجاجية على مستوى الوطن”.

تبدو حكومة بشر الخصاونة منهكة في ظلّ سعيها إلى التقاط أنفاسها

ودخل العاهل الأردني عبدالله الثاني على الخط، متعهداً في 15 مارس الحالي، في اجتماع لمجلس السياسات، بمحاسبة المقصرين في حادثة مستشفى السلط، مؤكداً أن “كل شخص قصّر في عمله وفي حماية أرواح الأردنيين، سيُحاسَب، وفق نتائج التحقيق”. وأعرب عن تفهمه للصعوبات التي تواجه الأردنيين جراء كورونا.

من جهته، اعتبر الرئيس السابق للجمعية الأردنية للعلوم السياسية، خالد شنيكات، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن وقف الاحتجاجات يتطلب معرفة مطالب الناس، وإمكانية تلبيتها، وما إذا كانت مطالب فئوية أم اقتصادية أم مطالب تتعلق بالحريات. بالتالي إن على الحكومة، وأي حكومة، التعاطي مع مثل هذه الاحتجاجات بالاستجابة للممكن منها، لحلّ الإشكالات وخفض حجمها، باستخدام القوة الناعمة والاستجابة للمطالب، والحديث مباشرة مع المحتجين وأخذ قرارات تنعكس إيجاباً على المواطنين”.

ورجح شنيكات أن الحكومة قد تلجأ إلى الحظر الشامل في حال ارتفاع إصابات كورونا بشكل كبير، لكنه رأى أن مثل هذا الحظر قد يخفف من نمطية الاحتجاجات المتعلقة بالمطالب المعيشية لوقت قصير، لأن الحل هو استجابة الحكومة للمطالب الممكن تحقيقها، والتي تخفف من معاناة الناس، ومن الاحتقان الموجود في الشارع. ولفت إلى أن استمرار الحكومات في أي نظام سياسي، مرتبط بقدرتها على الاستجابة لمطالب الناس واتخاذ القرارات السياسية الصحيحة، فالهدوء المؤقت لأصحاب المطالب يهدد بعودة أقوى ليطفو على السطح من جديد في حال حدوث أي مشكلة جديدة.

وأشار شنيكات إلى أن حياة الناس تتأثر بكل القرارات الحكومية التي باتت تُناقش بشكل كبير في وسائل التواصل الاجتماعي. ورأى أن ما يميز الحالة الأردنية هو اهتمام الرأي العام بكل القرارات الحكومية، بدءاً من تعيين موظف صغير حتى أكبر القرارات المصيرية، في ظلّ تراجع الثقة في الحكومات وفي مصداقيتها، وفق استطلاعات الرأي لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية.

القوى السياسية الأردنية لا تمتلك خطاب الإصلاح السياسي الحقيقي

وأضاف أن هناك تزايداً كبيراً في حجم الانتقادات التي تواجهها الحكومات مع صعوبة الأوضاع، بسبب حصول المواطنين على معلومات أكثر عن تفاصيل الإدارة الحكومية، خصوصاً أن المعلومات لم تعد حكراً على وسائل الإعلام الرسمية، بل باتت المواقع غير الرسمية والنشطاء على مواقع التواصل توجّه الرأي العام بشكل كبير. ولفت شنيكات إلى أن الفقر والبطالة وتراجع الحالة الاقتصادية، التي تؤكدها التقارير الحكومية “خلّفت حالة من عدم الثقة بالحكومات وقدرتها على حل المشاكل”، مشيراً إلى أن أخطاء بعض أعضاء الحكومة الحالية، تدفع للاستنتاج بأن تجاربهم غير كافية لتولي مناصب وزارية، ويحتاجون إلى إعداد وتدريب حتى للظهور على وسائل الإعلام، فهم لا يمارسون العمل السياسي بحكم الاختصاص. ولفت إلى أن الاستقالات التي واجهتها حكومة الخصاونة متعددة الأسباب، ففي بعض الأحيان هناك استقالات، وفي أحيان أخرى إقالات. واستقالة وزير الصحة نذير عبيدات، نتيجة مباشرة للترهل الإداري، وما حدث في مستشفى السلط أجّج الاحتجاجات، والتي هي نتاج تراكمات للسياسات الحكومية المتعاقبة، خصوصاً فيما يتعلق بتوزيع الأولويات والأموال على الصحة والاقتصاد والتعليم.

أما الأمينة العامة لحزب “الشعب الديمقراطي” الأردني (حشد)، النائبة السابقة عبلة أبو علبة، فاعتبرت في حديث لـ “العربي الجديد”، أن إطلاق الحريات يجب ألا يخيف أجهزة الدولة، بل كبت الحريات هو ما يجب أن نتجنّبه تحديداً في مثل هذه الظروف الدقيقة. وأضافت: “نرى أن معالجة هذه الأوضاع لا يمكن أن تتم من خلال الإجراءات الأمنية، بل بات ملحاً من أجل إنقاذ الوطن والشعب أن تتم مراجعة كل السياسات الرسمية التي أدت إلى ما نحن عليه، واعتماد برنامج إنقاذ وطني شامل سياسي واقتصادي واجتماعي وعلى أسس تضمن مشاركة أوسع القطاعات والمؤسسات الجماهيرية”. ورأت أن “أن ما يحدث في البلاد الآن يقرع جرس إنذار علينا أن نسمعه ونستجيب لمتطلبات إنقاذ الوطن قبل فوات الأوان”.

ووفق أبو علبة، هناك إجراءات مطلوبة مباشرة بصورة ملحّة، وأخرى يمكن اعتمادها للمديين المتوسط والبعيد، فالإجراءات المباشرة تتطلب أن تعمل السلطة التنفيذية على التعويض على أصحاب المنشآت والمصالح الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة الذين تضرروا ولم يتم تعويضهم، وإلزام المصارف بتأجيل الأقساط طالما هناك حظر جزئي أو شبه شامل، والإفراج عن المعتقلين السياسيين وإدارة حوارات شعبية واسعة في جميع المحافظات. أما الإجراءات على المدى المتوسط والبعيد، فتتعلق بانتهاج سياسات تنموية تشغيلية وإصلاح القوانين الناظمة للاقتصاد فوراً، وأهمها قانونا ضريبة الدخل وضريبة المبيعات وإصلاح القوانين الناظمة للحياة السياسية وإطلاق الحريات العامة.

واعتبرت أن مأساة مستشفى السلط جاءت نتيجة سياسات الخصخصة ورفع يد الدولة عن رعاية قطاعات خدمية أساسية منذ فترة طويلة، منها قطاع الصحة، فعلامات الانهيار واضحة في المنظومة الصحية، بدءاً بالتراجع الحادّ في الخدمات المقدمة للمواطنين في المستشفيات الحكومية، مروراً بمغادرة عشرات أطباء الاختصاص الأكفاء للعمل في الخارج بسبب تدني الرواتب، وانتهاء بظهور مؤسسات احتكارية هيمنت على السوق الطبي والمستلزمات الرئيسية.

وأشارت أبو علبة إلى أن “الضحايا هم المواطنون الفقراء ومتوسطو الدخل وممن لا يستطيعون الذهاب للمستشفيات الخاصة”، مؤكدة أن “المشاكل المتراكمة أدت إلى احتقانات شعبية واسعة، خصوصاً إذا ما أضفنا المشاكل المتفاقمة للفقر والبطالة والتمييز والفوارق الاجتماعية الهائلة بين من يملكون ومن لا يملكون”. وخلصت إلى القول “حلّ الخراب في المؤسسات الرسمية في الدولة منذ أن بدأت سياسات بيع القطاع العام والالتحاق بشروط ووصفات صندوق النقد الدولي، وهذا ينطبق على كل القطاعات الاقتصادية والخدمية. لقد عمّت الفوضى وغابت خطط التنمية الوطنية وانتشر الفساد الإداري والمالي بصورة غير مسبوقة، وانعكست كل هذه السياسات على الأوضاع الحياتية والمعيشية اليومية للمواطنين”.

بدوره، اعتبر الأمين العام للحزب “الوطني الدستوري”، أحمد الشناق، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن حادثة السلط فاجعة وتقصير، وهناك جهاز قضائي يتابع القضية، مشيراً إلى أن هناك فرقاً بين المعالجة ومحاولة خلق حالة من الاختراقات السياسية. وأضاف أن الإصلاح مطلب شعبي، ومن حق المواطنين طلب إجراء تعديلات دستورية، وتغيير النظام البرلماني، وتعديل قانون الانتخاب، ولكن هناك فارقاً بين مطالب الإصلاح واستهداف النظام السياسي. وشدّد على أن لا جدال على حق الأردنيين بالمطالبة بإسقاط حكومة الخصاونة على تقصيرها وحل البرلمان، متابعاً “نحن مع المسيرات السلمية التي تستهدف الإصلاح والتغيير، باعتباره حق المواطنين المشروع، لكن هناك فرقاً بين الإصلاح السياسي والاستهداف السياسي”.

الحكومة قد تلجأ إلى الحظر الشامل في حال ارتفاع إصابات كورونا بشكل كبير

لكن الشناق، الذي يُعتبر سياسياً وسطياً، قال إن اختيار وقت الحظر للمسيرات أمر غير مناسب، مضيفاً “يمكن تنفيذ اعتصامات في الأوقات المسموح خلالها حرية الحركة والتنقل، وعلى السلطات توفير أجواء مناسبة لهم، وتقديم وسائل الراحة”. ووصف الإصرار على الفعاليات الاحتجاجية بعد الساعة السابعة مساءً ودخول ساعات الحظر، بأنها محاولة لإيصال رسالة أنها كسر لإرادة الدولة، معتبراً ذلك ليس في صالح جميع الأطراف.

وحول الانتقادات الحادة التي توجه للسياسات الحكومية، دعا الشناق إلى الفصل بين المسارات الوطنية بشأن الإصلاح الداخلي وكل ما يتعلق بالتفاصيل كالحريات والحقوق السياسية والانتخابات، ومسار موقف الدولة الأردنية في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد كالقضية الفلسطينية، والأحداث في سورية والعراق واليمن والخليج والتي تضع ضغوطاً على الدولة لا يمكن تجاهلها.

واعتبر أن “القوى السياسية الأردنية لا تمتلك خطاب الإصلاح السياسي الحقيقي، فلا توجد تيارات سياسية ولا عمل سياسي حقيقي بقدر ما هناك أفراد يتعاملون بعواطف”. وأضاف: “ندرك أن الحكومة لا تقوم بواجبها ومهامها بالشكل المطلوب وأن هناك الآلاف من العمال المياومين محجوزون ومحجورون في بيوتهم مع عائلاتهم بلا دخل، بسبب إصابتهم بالفيروس، وغيرهم من العاملين في القطاعات المختلفة تأثرت دخولهم، لكن من المهم ولمصلحة الجميع أن تكون المطالب الإصلاحية تحت سقف الدستور لا ضمن خرق قانون الدفاع واستهداف النظام السياسي والكيان الوطني”.