Business is booming.

في يوم الجريح الفلسطيني… نماذج لجراح لم تندمل

لم يأت إطلاق لقب “الجرح النازف” على فلسطين هباء، فقد سبقه إهراق دم، ما زال مستمراً، من عدو مجرم أفلت وما زال يفلت من العقاب، في زمن ما زالت فيه موازين القوى الدولية لصالح الاحتلال الإسرائيلي على حساب الدم الفلسطيني، لتغطية جرائمه اليومية عبر الصمت المطبق، وهو أمر ربما ليس بجديد، فقد اعتدنا هذا الصمت الذي خرقه أخيرا، صوت ضعيف من المحكمة الجنائية الدولية التي وعدت بأنها ستحاسب الاحتلال على جرائم الحرب المرتكبة بحق الفلسطينيين، وما زال من المبكِّر جدا أن نبني آمالاً ووعوداً قد تكون زائفة وحتى كاذبة.

ثلاثة نماذج من الشعب الفلسطيني، ناشط وصحافيان، دخلوا سجل الجرحى، لنحتفي بهم هذا العام، لكل منهم حكاية وشهادة على جرائم الاحتلال. الناشط وسام الديماسي، شاب في مقتبل العمر، لاجئ في لبنان، شارك في عام 2011 في إحدى الفعاليات الفلسطينية في بلدة مارون الراس اللبنانية الحدودية مع فلسطين المحتلة، ولكن ليس كغيره من المشاركين. لقد تعاهد وسام هو ومجموعة من رفاقه على أن يدخلوا إلى أرضهم، وكما وصفها أرض الآباء والأجداد، التي حرموا منها، بقطع السياج الذي يمنعهم من وطء أرض وطنهم فلسطين، يتملكهم شعور جارف راكموه عبر السنين  لصور ومشاهد الانتفاضة الثانية ومعركة مخيم جنين، ولشهداء خرجوا من المخيمات الفلسطينيىة في لبنان، وحضنهم ثرى الوطن.

اقترب وسام ورفاقه من السياج الفاصل، لكن العدو كان أسرع، وبدأ يإطلاق النار على الشبان العزّل من أي سلاح، فسقط الشاب عماد أبو شقرا شهيداً، تلاه الشاب غسان حماد جريحاً، لكن هذا لم يردع وسام عن غايته، فتوجه إلى مكان آخر من السياج محاولاً قطعه، لتغدره رصاصة قناص في بطنه، وتحدث أضراراً في أمعائه وعموده الفقري، وينجو وسام من الموت، ويسجل اسمه في عداد الجرحى.

يقول معاذ: لا يمكن أن تكون إصابتي مصادفة، ويضاف إلى ألم الإصابة زيارة جيش الاحتلال الإسرائيلي له في المستشفى ليوثق الإصابة

تمضي السنوات وصولاً للعام 2018 في فعاليات مسيرات العودة في غزة، لينضم هذه المرة المصور الصحافي عطية درويش للسجل عينه، عبر قنبلة غاز أطلقها الاحتلال فأصابت وجهه مخلفة أضراراً لعينه وأذنه، ومحدثة علامة فارقة في وجهه، ولمَ لا، فوجوه الفلسطينيين تقرأ من إصاباتهم. لم يكن عطية يظن وهو بكامل زيه الصحافي، من خوذة ودرع، أنه سيصاب، فقد بدا بالنسبة له أنه ظاهر لعيان الاحتلال بمظهره الصحافي، وقصد أن يكون بعيداً عن الشبان، وبمسافة 500 متر عن السياج، وهو الحريص على أن ينقل عبر صوره جراح الشبان في غزة، موثقاً بشاعة جرائم الاحتلال للعالم، فكان هو الحدث.

في السنة التالية مباشرة، من العام 2019، تتصدر “عين الحقيقة” المشهد، هي عين الصحافي معاذ العمارنة، التي أصابتها أيضاً يد قناص إسرائيلي. لم يختلف ذلك اليوم عن بقية أيام معاذ خلال عمله الصحافي، فكان كعادته يقوم بعمله مغطياً فعالية احتجاجية ضد مصادرة الأراضي، وكان الحدث في صوريف، لكن سبق ذلك بأسبوع استهدافت للصحافيين، تنبأ معاذ بأن الاحتلال ضاق ذرعاً بهم.

يقول معاذ: لا يمكن أن تكون إصابتي مصادفة، ويضاف إلى ألم الإصابة زيارة جيش الاحتلال الإسرائيلي له في المستشفى ليوثق الإصابة، ويعقِّب معاذ قائلاً: لقد كانت رسالة تحدٍ بالنسبة لي. كان من المفترض أن يتم اعتقالي، فالجريح الفلسطيني عرضة للاعتقال مهما كانت حالته، لكنهم فعلوا ما شعر أنه أسوأ من ذلك، لقد جاؤوا ليتأكدوا من أنهم نجحوا بإيقافي، فرصاصتهم لم يستطع الأطباء انتزاعها من رأسي، فهي على بعد مليمتر واحد من دماغي.

كتبت للثلاثة النجاة والحياة، وأكملوا مشوارهم، فكل منهم يحمل جرحه ومعاناته الجسدية التي لم تندمل، وإنهم وإن شكلوا في زمن إصابتهم حدثاً تناولته الصحف والإعلام، لكن مؤسسات السلطة آثرت أن تدخل جراحهم في غياهب النسيان، فلا اهتمام من المؤسسسات الرسمية لمتابعة علاجهم، وأهملت النقابات الصحافية قضيتهم.. وكان عزاؤهم الوحيد أنهم دخلوا في عداد جرحى النضال الفلسطيني.