Business is booming.

3 أسباب لغضب القاهرة من بيان مجلس حقوق الإنسان

كشفت مصادر حكومية ودبلوماسية مصرية مطلعة على مستجدات التعامل مع ملفات أوضاع حقوق الإنسان والاتصالات بالعواصم الدولية أن البيان الذي صدر ضد مصر في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوم الجمعة الماضي، عن 30 دولة، والتي أعربت فيه عن قلقها على أوضاع حقوق الإنسان في مصر، تسبّب في تعميق الخلافات بين وجهات نظر دوائر النظام وشخصيات نافذة داخل دائرة السيسي نفسه. وفي بيانها، أعربت هذه الدول، ومعظمها من المحسوبة كأصدقاء وشركاء دائمين لنظام عبد الفتاح السيسي، عن قلقها من انتهاك الحريات في مصر، مطالبة القاهرة بالتوقف عن اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب لتكميم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين، وإبقاء المنتقدين في الحبس الاحتياطي إلى أجل غير مسمى. وعمّق هذا البيان الخلافات داخل دائرة السيسي، مع إصرار الأغلبية من قيادات مؤسسة الرئاسة والاستخبارات العامة والأمن الوطني، على عدم التعجّل في تقديم تنازلات، والاستمرار في لعبة تكديس الأوراق التي يمكن التنازل عنها لاحقاً، في حال توترت الأمور أكثر، واتخذت منحى ينعكس سلباً على العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

الخارجية المصرية لم ترصد اشتراك كلّ هذا العدد من الدول، في البيان

وأضافت المصادر، لـ”العربي الجديد”، أن حالة من الغضب تسيطر على أجهزة النظام جرّاء هذا البيان تحديداً. ويأتي الغضب، لأسباب عدة، أولها أن وزارة الخارجية المصرية لم تكن قد رصدت اشتراك كلّ هذا العدد من الدول، مشكّلة أغلبية كبيرة من أعضاء المجلس الذي تشغل عضويته 47 دولة، في البيان. وكانت المعلومة المتاحة لدى القاهرة، بحسب المصادر، تفيد باشتراك عدد قليل من الدول الأوروبية، معظمها من دول منطقة اسكندنافيا، بالإضافة إلى عدد من دول وسط أوروبا الصغيرة، لكنها لم تكن تعلم بمشاركة الدول الأوروبية الرئيسية في إصدار البيان والتوقيع عليه.

وذكرت المصادر أن المباحثات التي أجراها وزير الخارجية سامح شكري في باريس مع نظيريه الفرنسي جان إيف لودريان والألماني هايكو ماس، عشية إصدار البيان، على هامش اللقاء الرباعي بشأن عملية السلام في الشرق الأوسط، قد تطرقت إلى أوضاع حقوق الإنسان، لكن الوزيرين لم يشيرا إلى اشتراك بلديهما في إصدار مثل هذا البيان. وبحسب المصادر، فقد كان التركيز ينصبّ على علاج آثار البيان الذي أصدره البرلمان الأوروبي منتقداً مصر في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وآراء برلين وباريس في قانون العمل الأهلي الجديد في مصر، ولائحته التنفيذية، ومستجدات الطلبات الفرنسية بالإفراج عن عشرات المعتقلين في السجون المصرية، والتي لم تلبها القاهرة حتى الآن.

ومرّت أكثر من ثلاثة أشهر على زيارة السيسي إلى باريس، وتسليمه هناك ثلاث قوائم تضم أسماء 40 معتقلاً مطلوباً الإفراج عنهم، منهم معتقلو “خلية الأمل”، بواسطة نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون وأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ. لكن بعدما روّجت شخصيات بارزة من دائرة السيسي في الأوساط الإعلامية والحقوقية قرب الإفراج عن عدد معتبر من هؤلاء المعتقلين قبيل ذكرى ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011 عاد النظام أدراجه بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، في إطار رؤية تجعل النظام يضع نصب عينيه في المقام الأول طبيعة الضغوط الأميركية، ويقدمها على المطالبات الأوروبية الشفاهية.

وخلال زيارة السيسي إلى باريس كانت المشكلة الأبرز هي قضية “خلية الأمل” التي تضم رامي شعث، الناشط ضد الصهيونية والمتزوج من مواطنة فرنسية، وهو نجل السياسي الفلسطيني نبيل شعث. وعلى الرغم من الإلحاح الفرنسي المتكرر خلال عام تقريباً حرص السيسي وشكري على عدم إعطاء أي تعهدات بقرب إطلاق سراح شعث.

ويكمن السبب الثاني للغضب المصري في طبيعة البيان التي حملت مستجدات لافتة بالنظر للبيانات الأوروبية والأميركية السابقة عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر. واتسم البيان بالدقة والتحديد الشديدين لعدد من المشاكل الجديدة وغير المعتادة، والتي تعكس، بحسب المصادر، إدراكاً واضحاً لكيفية التعامل الأمني والقانوني مع النشطاء السياسيين والمعارضين. ومن الأمثلة على ذلك سوء أوضاع المعتقلين، وتدوير المحبوسين منهم في قضايا جديدة تفتح داخل السجون، وتجاوز فترات الحبس الاحتياطي، والإفراط في استخدام قانون الكيانات الإرهابية للإدراج على قوائم الإرهاب، والمنع من السفر والتصرف في الأموال. كذلك تمّ توجيه انتقادات لقانون العمل الأهلي الجديد الذي صدرت لائحته التنفيذية قريباً، وما زالت الدول الغربية الرئيسية الممولة لأنشطة المجتمع المدني المصرية غير متحمسة لاستئناف العمل تحت طائلته، فضلاً عن الإشارة الواضحة للمحامين الحقوقيين بشكل عام ومنظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بشكل خاص.

يدل البيان على أنه ثمرة عمل كبير من نشطاء حقوقيين مصريين وتنسيق عالٍ بينهم وبين السفارات

وأوضحت المصادر أن هناك غضباً في الأمن الوطني والاستخبارات العامة من هذه المؤشرات، لأنها تدل على أن البيان ثمرة عمل كبير من نشطاء حقوقيين مصريين داخل وخارج مصر وتنسيق عالي المستوى بينهم وبين السفارات الأجنبية في القاهرة، ومنظمات غربية كبرى، ما يؤكد استمرار قدرة هؤلاء النشطاء على تشكيل خطورة على نظام السيسي، رغم كل الإجراءات القمعية التي تمارس ضدهم. ورجّحت المصادر فتح قضية جديدة في هذا الصدد، كاشفة صدور تكليفات من مكتب مدير الاستخبارات العامة اللواء عباس كامل للأمن القومي ولجهاز الأمن الوطني في وزارة الداخلية بالتحري تفصيلياً عن الاتصالات التي أجريت بين مجتمع النشطاء الحقوقيين وسفارات الدول الموقعة على البيان.

أما السبب الثالث للغضب الأمني، فهو تزامن البيان مع حملة حقوقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تأسيساً على اتهامات الناشط السياسي المعتقل علاء عبد الفتاح، للداخلية، بممارسة التعذيب بالكهرباء في السجون، وهي المرة الأولى التي يُكشف فيها صراحة عن مثل هذه الممارسات منذ سنوات طويلة. كذلك أصبح الأمر محل بلاغ مقدّم من أسرة علاء عبد الفتاح إلى النيابة العامة، والذي لم تحركه حتى الآن. أما الداخلية فلا تقلق من أثر هذا البلاغ بذاته، ولكنها قلقة من اتساع الحديث عن الأمر إذا ما عُرض أمام القضاء واستمرّ تداوله في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

وحتى قبل صدور البيان المهاجم لمصر بساعات، كانت شخصيات سياسية وصحافية مصرية تبذل جهوداً لإقناع الأمن الوطني والاستخبارات العامة بالإفراج عن عدد من المعتقلين، وبصفة خاصة الصحافيين الناصريين واليساريين وعدداً محدوداً من النشطاء الحقوقيين ومعتقلي قضية “خلية الأمل”. لكن الآمال في نجاح هذه الجهود تراجعت بعد صدور قرار محكمة جنايات القاهرة الأول بتجديد حبس الصحافيين خالد داود وهشام فؤاد وعبد الناصر إسماعيل وحسام مؤنس ورامي شعث لمدة 45 يوماً.

تزامن البيان مع حملة عبر مواقع التواصل بناء على اتهامات للناشط المعتقل علاء عبد الفتاح للداخلية بالتعذيب

وتلقى نظام السيسي نصائح من بعض النواب والسياسيين من جماعات الضغط الأميركية التي تكثف مصر التعاون معها، وكذلك من المتعاملين مع شركة “براونستين هيات فاربر شريك”، بضرورة الاستعداد لاتخاذ إجراءات تعكس رغبة النظام في تحسين أوضاع حقوق الإنسان خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك بحث إمكانية الإفراج عن معتقلين ومحكومين من حاملي الجنسية الأميركية. لكن التقديرات الاستخباراتية والأمنية مشفوعة برؤية السيسي نفسه، تتجه إلى عدم المسارعة في ذلك، اللهم بإمكانية إخلاء سبيل “عدد محدود جداً” من المعتقلين المشاهير، بحسب مصدر أمني. وقال المصدر لـ”العربي الجديد”، إنه من المستبعد حالياً أن يخرج عدد كبير من المعتقلين بشكل جماعي، ولكن نموذج إخلاء سبيل الأكاديمي والكاتب السياسي حازم حسني، المتحدث الرسمي السابق باسم حملة ترشح سامي عنان لرئاسة الجمهورية، “قابل للتكرار”، علماً بأنه أخلي سبيله بتدبير احترازي جديد من نوعه، وهو تحديد إقامته في منزله.

وسبق لمصادر مصرية أن قالت لـ”العربي الجديد” إن بعض الشخصيات في دائرة السيسي كانت تعتبر أن إخلاء سبيل نحو 600 من المتهمين المحبوسين (غير المشاهير) على ذمة قضايا تظاهرات مختلفة، أبرزها القضيتان 1338 و1413 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا بشأن أحداث تظاهرات سبتمبر/ أيلول 2019، في الفترة بين نوفمبر/ تشرين الثاني ويناير/ كانون الثاني الماضيين، هي بادرة كافية لفتح نقاش مباشر، بدلاً من الاعتماد على الوسطاء، وذلك استجابة لنصائح تلقتها مصر من وسطاء ديمقراطيين أميركيين خلال الاتصالات التي أجرتها القاهرة عبر قنوات مختلفة للتقرب من حملة جو بايدن قبيل فوزه. وتزامن ذلك مع موجة من الاتصالات الأوروبية الرسمية للإعراب عن القلق بسبب ارتفاع عدد المواطنين المعتقلين على خلفية الحراك الشعبي في سبتمبر/ أيلول 2020، سواء خلال مشاركتهم في التظاهرات أو في إطار الحملات الأمنية للتخويف والحد من اتساع الحراك، والتي دعت النظام للمسارعة في الإفراج عن عدد من النشطاء السياسيين والحقوقيين ممن تم اعتقالهم قبيل وعقب أحداث سبتمبر 2019.

وكانت مصر قد انتهجت خطاباً انفتاحياً مشوباً بالتشكك في الوقت ذاته، منذ فوز بايدن بالرئاسة. وبادر السيسي إلى تهنئة الأخير، وتحدث وزير الخارجية سامح شكري بصورة إيجابية عنه في مؤتمرين صحافيين سابقين، على عكس حديثه النقدي دائماً لملاحظات العواصم الأوروبية على أوضاع حقوق الإنسان في مصر. وقال شكري في يناير/ كانون الثاني الماضي إنه “على الإدارة الأميركية الجديدة تحت رئاسة جو بايدن أن تعتمد في تجميع معلوماتها عن مصر على عموم الشعب المصري ومختلف فئاته”، وليس فقط على من وصفهم بـ”الفئات التي لا تمثل الشعب وتروج لأكاذيب لتحقيق أهدافها البعيدة عن حقوق الإنسان”، مضيفاً أن “مصر تشارك الإدارة الأميركية الجديدة الحرص على أوضاع حقوق الإنسان”.