Business is booming.

فُصحى التلفزيونات والترجمات السينمائية

النزاع بين العاميّات العربية والفصحى والدعوات الأتاتوركية لإحلال الأبجدية اللاتينية محلّ العربية، يمكن أن تُنسب جميعُها إلى أواسط القرن الماضي، ولا يبدو أنها انتقلت منه إلى القرن الجديد. مثّلت السينما العربية والمسرح والرواية تهديداً فعلياً للفُصحى، قاومته بتثاقُل، لكنها استطاعت بدرجات متفاوتة النجاة. توقفت المعركة في أواخر القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين، لا يعني ذلك أنها انتهت، لكن يعني أن القضية خرجت من السجال، ليس بدون عوامل جديدة.

يجوز لنا أن نذكر من هذه العوامل السينما الأجنبية المعرّبة والتلفزيون، ناهيك بالطبع عن الصحافة والترجمات. التلفزيون في كل دار، ولا تتقدّم عليه أدوات أخرى للتواصل، وليس هناك ما هو أكثر جماهيرية وعمومية منه. قد يكون لاعتماد الفُصحى في المحطات التلفزيونية أسباب شتّى، عملية وأيديولوجية، إذ لا يمكن أن نتصوّر جمهوراً عربياً جامعاً بدون اعتماد الفصحى كلغة قادرة على استقطاب الكلّ. ليس هذا فقط أمراً عملياً لكنه باقٍ، ويستمر في البقاء لأسباب عقائدية. الإسلام والقرآن بلغته وتنزيله هما بالفصحى، كما أن الدعوة القومية لا تزال تجد في الفصحى، كلغة جامعة، عنواناً أساسياً.

ليست نشرات الأخبار وحدها بالفصحى في محطات التلفزيون. هذا بطبيعة الحال فعّال ونافذ، لكن برامج التلفزيونات وما يصاحبها من حوارات مع ممثلين شتى لفئات المجتمع، جميعها تكاد تكون بالفصحى. هذا ما يبدو شبه إعجازي، فنحن في متابعاتنا لها، نجد وليس من غير دهشة، بأن أصنافاً عدة من المجتمعات العربية، ليس المراسلون وحدهم فيها، ولكن أيضاً سياسيين وقادة من مختلف الفئات وإداريين ونقابيين وموظفين واقتصاديين وعسكريين، وبطبيعة الحال كتّاباً وأكاديميين. يمكن أن نضيف أطباءَ ومهندسين وممثلين لجمعيات ومنظمات شتى. يفاجئنا أن جميع هؤلاء، وليسوا كلّهم ممن يفترض أنهم تلقوا الفصحى في مدارسهم وجماعاتهم، جميع هؤلاء أو معظمهم على الأقل، يزاولون الفصحى بدون جهد وباقتدار نسبي، لكنهم في أكثرهم يمارسونها بطبعية وبدون تكلف، ومن غير إعياء أو تعمّل.

ساحتان تزدهر فيهما الفصحى ثانيةً وتغدو لغةً للجمهور

متابعاتنا لهؤلاء على شاشات التلفزيون تثير عجبنا، وتكاد تقلب مُسبقاتنا، فنحن كنا نحسب أن الكلام بالفصحى قريب من الأدب، ولا يتسنّى بسهولة إلا لمن زاول الكتابة أو الخطابة أو الأدب. كنا نظن ببساطة أن الفصحى هي فقط لنُخب مغلقة، وأنها ليست بأية حال للجمهور العريض. وإذا بنا نجد نقابيين وإداريين وعسكريين وعلماء وعاميّين، نجد أن كل هؤلاء يزاولون الفصحى بشيء من الدُربة والطبعية والتمكن، وكأنها، على نحو ما، لغتهم المعتادة. كأنها هكذا حاضرة في رؤوسهم وعلى ألسنتهم. هذا الواقع يجعلنا نتساءل عمّا إذا لم تكن فُصحى غير ما نظنّ. لقد أدّت عوامل شتى، قد يكون من بينها الصحافة والتلفزيون والمساجد، إلى جعلها جماهيرية إلى حد ما، ودارجة على هذا النحو أو ذاك. كنا من قبل نحسب أنها تقارب اللاتينية في ماضي اللغات الأوروبية، وأنها ليست لغة إلا للأدباء ورجال الدين، فإذا بنا نرى أنها طيّعة لكل الفئات وأنها، إذا جاز القول، تكاد تكون شعبية ودارجة.

السينما العربية تبنّت في الأخير العامية. لكن ماذا يكون من السينما الأجنبية التي لا تزال، إلا في قلة، تترجم حواراتها. هذه الحوارات تُنقل إلى العربية الفصحى، إنها مناسَبة أُخرى لنعيد الفصحى المترجمة لغةَ للجمهور. هذه الترجمات السينمائية، لها مع ذلك خصوصيتها، هي في جانب منها لا تُنجز فقط كتابة بالفصحى، بل تبحث عن معادل بالفصحى لصياغات أجنبية، يضطرها أحياناً إلى اللجوء إلى فصحى قديمة وقد تكون تراثية. في ترجمات الأفلام وحدها لا نزال نقول لمن نمتدح عمله “أبليت حسناً”، ولمن يذهب إلى سريره “خلد إلى النوم”. فيها وحدها نسمي الأمر “خطباً” وتسأل بدلاً عن “ما حالك؟” “ما خطبك؟”. فيها يمكننا أن نقول “ولو بقدر أنملة”، أو نستعير للغضب “تباً”، ونقول بدلاً من جيد “حسناً”، ومن فكرته صائبة “سديدة”، ونقول “فطر قلبها” للتأسف.

الأمثلة جميعها من فيلم واحد، وقد نجد كثيراً مما يوازيها في أفلام أُخرى. هنا أيضاً يستمر تعجبنا، فنحن لا ننتظر أن نقع على لغة تراثية في حوارات أفلام، لكن لغة كهذه تسود، كما يبدو، الترجمات السينمائية. هذا ما يرد إلى الفصحى، وإلى الفصحى التراثية أحياناً. ما يجعلها، حتى في هذا القالب جماهيرية وعامة.

هناك ساحتان للفصحى، تزدهر ثانيةً فيهما، وتغدو معهما للعموم أكثر منها للخصوص، وللجمهور أكثر منها للنخبة.

* شاعر وروائي من لبنان