Business is booming.

وقفة مع الغناء الكوميدي

لا يمكن لأحدٍ أن يعرف، على وجه التحديد، متى ظهر الغناء الكوميدي العربي، ولكنه، أغلب الظن، كان يظهر حيث يوجد الغناء والطرب، فبما أن إنجاز أغنيةٍ يتطلب مشاركة مجموعة أشخاص، بين مؤلف وملحن وموزع وعازفين، فلا بد أن يكون بينهم شخصٌ مرح، تفلت منه في أثناء البروفات جملة فكهة، يضحك لها الآخرون، ويسارعون إلى تلحينها وعزفها.. والحق أن بعض الناس يستخفّون بهذا النوع من الغناء، ويعتقدون أنه من سقط المتاع، ولكن ما رأيكم أن أبرز مُبْدِعَيْن عاشا في النصف الأول من القرن العشرين، وأنجزا مع أم كلثوم ملاحم غنائية كـ “الأولة في الغرام”، و”حُلُم”، و”الآهات”، و”الأمل”، و”أنا في انتظارك”.. أعني بيرم التونسي وزكريا أحمد، قد أنتجا أغنياتٍ كوميدية كثيرة، منها “يا أهل المغنى، دماغنا وجعنا، دقيقة سكوتْ لله- داحْنا شبعنا، كلام مالُه معنى، يا ليل ويا عين ويا آه”.. ومنها واحدة يبدو أن بيرم كتبها في رحلة منفاه الأوروبية، وحنينه إلى مصر، ولحّنها الشيخ زكريا وغنّاها بصوته، وفيما بعد غنّاها سيد مكاوي والشيخ إمام، وكلاهما من مدرسة زكريا الغنائية، يقول في مطلعها: “حا تْجَنّ يا ريت يا خوانَّا، ما رحتش لندن ولا باريز- دي بلاد تمدين ونضافة وذوق ولطافة وحاجة تغيظ”. وتقول أبياتها ما معناه إنك لا ترى في باريز ولندن رجلاً كدعاً ماشياً يقشّر الخس، وآخر يمصّ قصب السكر، وثالثاً يفصص بزراً أسمر أو فستقاً سودانياً، ولا تسمع صوت معركة دائرة في منتصف الليل، والبوليس يسحبون رجلاً مصاباً في عرس، ولا تسمع عند الفجر صوت امرأة تولول، لأن زوج خالتها سلفة أخيها مات، لا ترى رجلاً يطارد آخر، ويقول له “حصلتك”.. وحلفان وعراك ومناهدة على شراء حتى الإبرة، ويمكن ضرب كفوف يا حفيظ.

كتب الشاعر حسين السيد للفنان الشعبي الكبير نجيب الريحاني “الأستاذ حَمَام”، أجمل أغنية كوميدية قُدمت في فيلم “غَزَل البنات” الذي أنتج سنة 1949، والملحن هو محمد عبد الوهاب: أبجد هوز حطّي كَلَمُنْ، شكل الأستاذْ بقى مُنْسَجِمُنْ.. والبنات يغنين معه، وهو ينساق معهن، على الرغم من أنه معلم منحوس ينتظر أجرة التعليم (المَهِيَّة). لذلك يتخوّف، ويقول مخاطباً ليلى مراد: آه لو أبوكي حضر وَيَّانا، وشاف وسمع الغنا دا معانا، أنا اللي هَا صْبَحْ فى خبر كانَ، بدل المَهِيَّه راح آخد صُرَمُنْ.

لا يقتصر الغناء الكوميدي على الشخصيات المرحة، من أمثال نجيب الريحاني، فعند رائد التجديد في الغناء العربي، سيد درويش، تجد دائماً تلك النبرة المضحكة كما في أغنية “حَرَّج علي بابا ما روحش السينما، وأقابلَك فين؟”. في مقابلة لسمير صبري يقول محمد عبد الوهاب: كنا نقفل على روحنا الباب، ونسمع أغاني سيد درويش، لأن الوسط الفني المحافظ ما يقبلش إن حد يغني “حَرَّج علي بابا ما روحش السينما” مثلاً. ولعل الشيء الأغرب أن تسمع أغنية هزلية من فريد الأطرش الذي اشتهر بأغانيه الحزينة، حتى لقبه محمد الماغوط “ملك النواح والندب”، أعني أغنية “يا سلام على حبي وحبك”، بالاشتراك مع شادية، (كتبها فتحي قورة)، وقدّمت في فيلم “أنت حبيبي” 1957. وبني الفيلم على حكاية تقليدية ملخصها أن البطل يتهرّب من الفتاة التي اختارها له أهله، لأنه يحبّ فتاة أخرى. لذلك يقول لها، خلال تلك الحوارية الهزلية المدهشة: مش ممكن أعيش من بعدِكْ، ده خيالك جنبي ليلاتي، وأقول لو ربّنا ياخدك، كنت أعمل إيه يا حياتي؟ فتردّ عليه البطلة: إن شالله أنت يا حبيبي. ثم تهدّده بالقول: حَ وَلَّع في روحي يا قلبي وعينيَّ (سأحرق نفسي)، فيقول لها: لأ أوعي إنتي يا روحي، ده واجب عليّ.