Business is booming.

باقة ورد أبيض إلى حسّان عباس

يوما في عام 1998، وكنت أقيم في طرطوس، ولم أنشر بعد سوى كتاب شعري واحد، يتصل بي حسّان عباس، ويدعوني لإقامة أمسية شعرية في المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى في دمشق، والذي كان حسّان مدرسا ومسؤولا فيه عن النشاط الثقافي. وافقت، وكانت تلك أول أمسية منفردة لي. يومها حين انتهيت من القراءة، تقدّم حسّان نحوي، وبيده باقة ورد أبيض، قدّمها لي، ثم أدار معي حوارا مهما، كان له أثر على كتابتي لاحقا. وكانت تلك الباقة أول هدية من نوعها أتلقاها من أحد، لم يهد لي أحد من قبل وردا أبيض، قلت لحسّان ذلك. قال: هذا فضل الشعر. .. اتضح لي بعد ذلك صدق ما يقول، فللشعر فعلا أفضاله الكبيرة، تلك التي قلت لحسّان يومها إنني لا أعرفها ولا أثق بها.

تربطني بحسّان عباس صلة قرابة بعيدة، غير أنه لم يهتم بها كثيرا. كنت، بالنسبة له، رشا عمران فقط، شاعرة، وتشتغل على مشروع ثقافي مستقل في مدينتها. كانت تلك هي الروابط التي تجمع حسّان بالآخرين، الشعر والفن والثقافة المدنية والإنسانية، تلك التي كان يرى أنها يمكن أن تحوّل البشر إلى أصدقاء حميمين، حتى لو اختلفوا بشأن تفاصيل أخرى كثيرة، فالجمال، كما رآه، قيمة كبيرة ينبغي إضافتها إلى الحياة والاشتغال عليها لنحظى بالأصدقاء. كانت الفنون واسطة الجمال الأولى لديه، هو الحاصل على شهادة الدكتوراه من السوربون في النقد الأدبي، والمدرّس في معهد الفنون المسرحية في دمشق لأجيال عديدة. وليس غريبا أن يعتبره جميع طلابه صديقا لكل منهم، إذ أثق أن باقة الورد الأبيض التي قدّمها لي تلك الليلة قدمها لكل طلابه وطالباته، بطرقٍ مختلفة. كانت لديه تلك الاستثنائية في جعل الجميع يشعرون أنهم أصدقاء مقرّبون. وسيلته لذلك الاستماع بحب، ودماثة مذهلة في التعامل، ومقدرةٌ على النصح من دون وصاية، بل عبر تبادل الأفكار والنقاش والاستفاضة في الشرح، بقدر الاستفاضة في الصمت والاستماع إلى الآخرين.

أتذكّر أن ابنتي، طالبة معهد الفنون المسرحية، سنوات ما قبل انطلاقة الثورة، كانت تستيقظ سعيدةً في الأيام التي يحاضر حسّان عباس فيها، وتلك حال جميع طلابه، سواء في معهد المسرح أو في معهد الدراسات. في دعوة شعرية في بريطانيا، التقيت بشاب بريطاني قدّم أمسية شاركت فيها، سألته أين تعلم تلك اللغة العربية الجميلة التي يتحدّث بها معنا، أخبرني أنه درس في دمشق في معهد دراسات الشرق الأدنى، وأنه بقي على صلةٍ وثيقةٍ ببعض الأساتذة هناك، “وبالأخص حسّان عباس الذي أصبح صديقي”.

ذات يوم في بيروت بعد الثورة، كنا مجموعة من السوريين في أحد المقاهي برفقة حسّان عباس، حين بدأ أحد الحاضرين بالتهجّم عليه، معتبرا أن “كل من يعمل مع منظمات المجتمع المدني، يجب ألا يتحدّث عن النضال الوطني والمواطنة (عمل حسّان على تعزيزها مفهوما أساسيا للوطنية بدأب استثنائي)، فهو لا يفعل سوى خدمة أجندات الممولين”. امتد النقاش طويلا، وكانت مدهشة قدرة حسّان عباس على الهدوء وسط كل تلك الاتهامات (تقترب من الشتيمة) التي كان يتعرّض لها وجها لوجه. أتذكّر ابتسامته، وهو يناقش صاحب الاتهام، هدوءه ودماثته، قدرته على إيصال فكرته من دون توتر ومن دون غضب ومن دون رد الاتهام بآخر، وتلك المساحة من التسامح والقبول التي ظهرت واضحةً في نهاية الجلسة، عندما عانق مهاجمه القادم من سورية، عارضا عليه مساعدته في شأنٍ خاص به في بيروت، ومتمنّيا له عودة آمنة. أعتقد أن من يملكون قدرته على تقبل النقد والاتهام محاولة تفنيدها بهدوء، هم أشخاص نادرون، خصوصا بين المثقفين السوريين الذين لا يكفّون عن حديث “النضال الوطني الديمقراطي”، وبأيديهم قاموسٌ من الشتائم والاتهامات، يلقونها على المختلفين معهم في الرأي، وأظنهم لن يتورّعوا عن استخدام المقاصل ضد معارضيهم، لو أتيح لهم استلام السلطة ذات يوم.

كان حسّان عباس مثالا يُحتذى في تقبل النقد والاختلاف، وحتى الخلاف الحاد. وعرف كيف ينقل هذا إلى كثيرين من طلابه الذين درّسهم على مدار سنوات حياته، وهم أكثر من شعر بهول فقدانه، إذ ثمّة فراغ تركه لديهم، عليهم واجب ملئه بإكمال مشاريعه العديدة، والتحلّي بالصفات التي ميزته عن مثقفين سوريين كثيرين، إذ لطالما آمن أن الأمل الوحيد لسورية هو في أجيالها الشابة.