Business is booming.

الوضع الوبائي في تونس
الحالات
235٬643
الوفيات
8٬106
مريضة حاليا
26٬553
حرجة
263
الحالات التي شُفيت
200٬984
أخر تحديث بتاريخ 03/05/2021 الساعة 4:56 ص

فيلم "عابرون" لسنية الشامخي: استراحة المحارب-الفنان أحمد السنوسي

في فيلم “عابرون” للمخرجة سنية الشامخي، صدى صلوات صامتة لرجل رحل، رحل منذ زمن غير بعيد تاركا وراءه امرأة من نور وأدوار فارقة وطريق من الحب.

في هذا الفيلم الذي أخرجته سنية الشامخي خصيصا لافتتاح الدورة 31 لأيام قرطاج السينمائية، تكريم لروح الممثل الراحل أحمد السنوسي، فنان في سجّله مشاركات مسرحية عديدة (“ثورة الزنج” و”الحلاج” وعشرات الأعمال مع فرقة المسرح الوطني) وأكثر من 20 مشاركة سينمائية (“سجنان”، “شمس الضباع”، “الأستاذ” على سبيل المثال) وما يناهزها من المسلسلات التلفزية (“الدوار” و”منامة عروسية” و”اقفاص بلا طيور” مثلا). ممثل سيظلّ راسخا في الذاكرة الدرامية التونسية بكلّ ما تركه في الأعماق من أدوار مميّزة ولشخصيته السخيّة التي ينوّه اليها كلّ من عرفه من قرب.

عن هذا الرجل المطبوع بروح أعماق البلد، أنجزت سنية الشامخي فيلمها، فيلم شعري سعى لربط خيوط من النور والصمت بغية رسم بورتريه أو لنقل بورتريه مضاعف، الأول لأحمد السنوسي والثاني للمرأة والزوجة التي رافقته طيلة سنوات من حياته، الممثلة هيلين كاتزاراس. بالكلمات أحيانا وبالصمت أحيانا أخرى وبالمشاهد السينمائية تارة أخرى، سال شيء من حياة أحمد السنوسي على الشاشة، سالت تفاصيل كبرى كمثل المياه التي تتدفق بعد الموت في ارتياح. ارتياح المحارب الذي عاش وأحب وقاوم وأعطى وضحك وحمل على كتفيه وجع الفنان في عالمنا العربي.

بهدوئها، أخذتنا هيلين كاتزاراس بحديثها الى حيث كان يلتقيان بحديقة الكنيسة الأرثودوكسية اليونانية بوسط العاصمة لإلقاء الشعر، الى المغرب حيث شاركا في أوّل فيلم سويّا، فيلم “شمس الضباع” لرضا الباهي، الى مهجته، الى ألمعية أدائه، الى انتصاره الى العادل من القضايا ثم الى مرضه طيلة الثماني سنوات الأخيرة من حياته.

في “عابرون”، عانق الصمت روح الغائب، اذ لم تسع المخرجة للتعسف على الصورة ولا على الكلمة ولا على فكرة استهلاك ما يتوفر، بل جارت صمت الغائب وشخصيته المتفردة التي كانت حاضرة وراسخة ولكنها عزيزة ومتخفية في نفس الوقت. ففي حياة هذا الرجل ساعات من التصوير وأثر متنوع ومسيرة تشقها أنهار منسابة وخيول حرّة ورياح تلاعب أغصان الأعالي. هكذا صوّرتها سنية الشامخي عبر شذرات عانقت الأثر المتبقي دون مبالغة. بالنبرة المناسبة اجلالا لمسيرة رجل استثنائي.

ثم في مشهد سينمائي فائق، جمعت سنية الشامخي الزوجين من خلال مقطع فيديو يظهر فيه الراحل أحمد السنوسي على اليسار وهيلين كاتزاراس على اليمين، في خلط بين الواقعي والسينمائي حتى تتجمع الأرواح التي تفارقت. الأرواح التي طالما تقاسمت مع بعضها البعض شيئا من هذه الحياة، تجمعهما سنية الشامخي في مشهد يتجاوز عقبة المستحيل، يد هيلين على كتف أحمد، قبل أن يستدير ويغادر الركح المستحدث. تلحقه حينها هيلين الى مقبرة السرس حيث مسقط رأسه ونومته الأبدية لتتلو على روحه صلاة المحبة الدائمة.

في “عابرون”، هذه الكلمة المحبذة للشاعر الراحل محمود درويش، تسللت كاميرا سنية الشامخي الى هذا الزمن الفني الذي راح مع أحمد السنوسي والى الروح التي ظلّت مراوحة بداخل هيلين كاتزاراس في عمل يسترجع صدى رجل أعطى الكثير للدراما التونسية. بكثير من الكلام الذي لم يُقل، بانت أشياء عديدة من أحمد السنوسي، وبقليل من الصور اتضحت ملامح معبّرة لرجل أراد أن يظل فنانا حرّا الى آخر لحظات حياته.

شيراز بن مراد

قد يعجبك ايضا