Business is booming.

الوضع الوبائي في تونس
الحالات
231٬298
الوفيات
7٬911
مريضة حاليا
27٬648
حرجة
259
الحالات التي شُفيت
195٬739
أخر تحديث بتاريخ 02/26/2021 الساعة 8:44 ص

في حوار خاص: الفيلسوف والمفكّر فتحي التريكي يتحدّث عن "عبث" بن سدرين بتاريخ تونس وعن التيه الفكري وعمّا غرسه الإسلام المتشدّد في مجتمعنا من جهل ودغمائية… وكلمات الى الغنوشي وموسي وسعيد

thumb img - في حوار خاص: الفيلسوف والمفكّر فتحي التريكي يتحدّث عن "عبث" بن سدرين بتاريخ تونس وعن التيه الفكري وعمّا غرسه الإسلام المتشدّد في مجتمعنا من جهل ودغمائية... وكلمات الى الغنوشي وموسي وسعيد

يعتبر الفيلسوف والمفكّر التونسي ورئيس كرسي اليونسكو للفلسفة بالعالم العربي الدكتور فتحي التريكي من أهم أعمدة وقامات الفكر التونسي المعاصر كما أنه يعتبر أيقونة فكرية يشع نورها ظلاما اكتنف واقعنا التونسي فننفض من خلالها غبار الجهل والظلامية التي “علّقوها ورسّبوها” بأطراف هذا البلد العزيز… ونضيء بها شمعة علّها تُبلج السّنا في عتبات دامسة لراهن عربي تلاطمته أمواج الورائية السابحة في دروب الرجعية والتخلّف…

وللفيلسوف فتحي التريكي تجارب واسعة في الحقل الفلسفي والفكري والابداعي على السواء، فعلى غرار ترأسه لكرسي اليونسكو للفلسفة بالعالم العربي فهو عضو بالجمعية العالمية للإنشائية بباريس وأحد مؤسسي معهد تونس للفلسفة. قد نال العديد من التكريمات والتوسيمات منها الوسام الوطني للاستحقاق التربوي 1994 سنة ووسام الجمهورية الصنف الرابع 1996 ووسام الاستحقاق العلمي من جامعة الفلسفة الفركفونية بكنشاسا الكونغو 2005 وجائزة محفوظ للآداب والفكر سنة 1995.

ولفتحي التريكي عدة مؤلفات مثل: “أفلاطون والديالكتيكية” و”العقل والحرية” و”الفلسفة والحرب” (باللغة الفرنسية) و”استراتيجية الهوية” و”الفلسفة الشريدة” و”الروح التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية العربية” و”فلسفة الحداثة” و”الذاكرة والمصير”…

وقد خصّ المفكر والفيلسوف فتحي التريكي الذي “يحبّ وطنه ولا يخدش كرامة أحد” ، خصّ موقع أخبار الجمهورية  بحوار تحدث فيه عن عدد من المسائل الفكرية والمجتمعية والثقافية كذلك السياسية…

فعن معاني الفلسفة وأعماقها، والتيه الفكري الذي أصاب الشعب التونسي، وعن المرأة التونسية وسياسيو اليوم و”العابثين” بتاريخ تونس… عن  قضايا تهم واقعنا، يبسط  الفيلسوف فتحي التريكي موقفه كما يلي…

 – في البداية، نعيش اليوم على وقع أزمة تسبّب بها عدوّ خفي تحدّى كل انماط حياة الفرد والمجتمع فأيّ دورللفكر والفلسفة ونحن نحيا معضلة شوبنهاور؟ وما الدرس الذي يمكن للفلسفة تقديمه عن هذه الأزمة الوبائية وانعكاساتها ؟

نعم نعيش اليوم أزمة إنسانية عميقة لعب فيها الوباء دورا كبيرا. ولكنّ الأزمة قديمة متجدّدة لها جذور في النمط الاقتصادي والاجتماعي الذي هيمن على العالم منذ سقوط جدار برلين. هناك هشاشة ملحوظة للإنسان في عالمنا الحالي. يتهدّدنا باستمرار خطر التّهميش في مجتمعاتنا عبر أحداث مختلفة تكون بالعزل، وبجميع أنواع الأمراض، والأوبئة وبالتلوّث، وبالنّووي ونفاياته، أو بالعنف الاجتماعي الذي يتصاعد يوميّا، وحاليا بالإرهاب الذي قد يصبح مألوفاً أكثر فأكثر في وطننا وفي العالم. وهذه التّهديدات المتفاقمة أكثر فأكثر تنضاف إلى التّهديدات القادمة من الخارج، من قبيل، الكوارث الطّبيعيّة التي لم يتوصّل بعد الإنسان إلى السّيطرة عليها. زد على ذلك ما فتحه تطوّر التكنولوجيا من مخاطر غير متوقّعة.

– إذن، ماذا يتولّد عن ذلك؟

يتولّد عن كلّ ذلك نتائج في مجملها سلبيّة، قلق وخوف، لا يقتصران على وضع حريّة الفرد وحياته في خطر، بل يتجاوز الخطر ذلك، إلى الحياة الاجتماعيّة نفسها. فهو كما قلت عدوّ خفيّ ولكنّه أعطى لهذه التهديدات حضورا أكبر فأصبح الإنسان يعيش المخاطر كلّ لحظة وقد ركّزت في أذهان البشر خوفا من الموت وفي ذات الوقت يعطيهم تقدّم العلم والتكنولوجيا أملا في الحياة في الآن نفسه.

 لذلك فالدرس الأكبر لهذه الجائحة يتمثّل في ضرورة الاعتماد على العقل في كلّ الميادين وتطوير العلوم والتكنولوجيا ومحاربة الجهل الذي تطوّر عندنا فأصبح المحامي في مجلس النواب يدافع عنه والطبيب يبدي جهله للجميع ويريد تمريره علما والآخر يدرّس في جامعاتنا أنّ الأرض مسطّحة وهكذا دواليك. أنا حزين عندما نلاحظ إنّ شعوب العالم الثالث يتقدّمون ويبتعدون شيئا فشيئا عن الجهل والشعوذة ونحن بعد ما تقدّمنا أشواطا في عهد بورقيبة وحتى في أوائل عهد بن علي تدحرجنا نحو الشعوذة والاعتقادات البالية. نموذجهم العلماء الذين تحصّلوا على الجوائز العالميّة في شتى العلوم ونموذج شعوبنا القرضاوي ومن لفّ لفّه. فالجائحة في رأيي ليست أخطر من مصيبة الجهل التي نتردّى فيها الآن.

– بعيدا عن الكوفيد والجهل ومخلّفاته، ماهي أهم المفردات التي تتعارض مع كلمة “فلسفة”؟

طبعا الجهل والتعصّب والدغمائيّة لأنّ الفلسفة تحثّ على التفكير وعلى التوضيح والنقد والانفتاح.

– في كلمات، ما هو تحليلكم لماهية الفلسفة؟

من الصعب جدا تحليل ماهية الفلسفة في كلمات ولكن سأحاول ذلك.

 1-    تكون الفلسفة قبل كل شيء في النظريات الكبرى والأنساق والمذاهب والتّيارات. ونعرف، هنا، أن أول من ركّب الفلسفة وأعطاها بعدها النسقي والشمولي هو أفلاطون.

2-    تكون الفلسفة نظريات ومواقف واتجاهات داخل العلوم والممارسات الخطابية الأخرى (كالدين والآداب) والإبداعات المختلفة (كالفنون)، وهي، في غالب الأحيان، فلسفة عفوية تهتم بقضايا مرتبطة بالتفكير وعناصره ولكنها لم تكتسب الوضوح والدقة والشمول، أي عناصر التركيب التنسيقي للفلسفة. ومع ذلك تكون هذه الفلسفة العفوية مدخلا أساسيا للتفكير الفلسفي، وربما تكون منطلقاً لفلسفة عميقة داخل علمٍ ما أو داخل ممارسة فنية معينة.

3-         تكون الفلسفة أخيراً، تفكيرا توضيحيا وتنويريا يفسّر وينقد ويشخّص وينظّر، وبذلك تفتح آفاقاً جديدة في نظرتنا إلى الزمان والحياة والطبيعة وتعطي أهمية إلى الجزئي وإلى الممكن والصدفة بصفة عامة بجانب الأهمّية التي نعطيها عادة للضروري.

هكذا تكون الفلسفة في وجهيها النظري والعملي دعوة مريحة وملحة إلى استنطاق المعنى والقيم التي تحدد حقول تكوّنها وانطباقيّتها وعملها في واقعنا وهي أيضاّ انتصار القوة الفاعلة فينا على القوة الارتكاسية، انتصار إرادة القوة والحياة على الإرادة العدمية. والفلسفة في كنهها ما هي إلاّ تسرّب الوعي في الذات بضرورة انتصار الحياة والوجود على الموت والعدم، نعني وجودنا التاريخي الذي يحدّد مصيرنا العربي الإسلامي مثلا.

–  هل تعتبرون انّ الفيلسوف المفكر والمتمرّد له مكان بين العرب والمسلمين؟

كان له مكان طبعا. بل كان له تأثير في الحياة الفكريّة عامة على غرار الجاحظ ومسكويه والفارابي والغزالي وابن رشد وغيرهم كثير. والفلسفة العربية والإسلاميّة تترعرعت في عدّة عواصم إسلاميّة وكانت باتصال عضوي باهتمامات الفكر الإسلامي والعلوم والاكتشافات وكذلك بالأدب والشعر وسائر الفنون كما ارتبط بطبيعة المجتمع الإسلامي آنذاك ومشكلاته الفكرية والحياتية. وفي عصر النهضة العربيّة كان الفيلسوف حاضرا ومؤثّرا في عمليّات التحديث الإسلامية وهو يحاول الآن بنضالاته المتنوّعة أن يوجّه التفكير نحو التقدّم والتنوير. ويحاول أيضا إعادة التّفكير في معجم التّصوّرات والمصطلحات التي نستعملها لنعرف أنفسنا ونعرف محيطنا ونتعرف على غيرنا.

– هل تعتبر أنّ تعريب الفلسفة يمثّل جريمة بحق الفلسفة أم هو ضرورة حتمية؟

لابدّ من إقرار حقيقة تاريخيّة فيما يخصّ هذا التعريب وهي أنّ تعريب الفلسفة كان قرارا سياسيا يدخل ضمن توجّه تيّار سياسي يميني عصرذاك (سنة 1975) يتزعمه محمد مزالي للقضاء على الفكر اليساري المهيمن على الحياة الثقافيّة. لذلك رفضت شخصيا آنذاك هذا التعريب ودرّست الفرنسية للسنوات الثالثة إعدادي. ولكنّ التعريب ضرورة محتّمة إذا ما أردنا غرس الفكر التنويري في الناشئة. ثمّ إنّ الفكر يحدث داخل لغة معيّنة ولايمكننا أن نفكّر بلغة غيرنا. فمتى ازدهرت الفلسفة عندنا ؟ ألم يكن ذلك بواسطة تعريبها ؟ فالفلسفة حسب رأيي ليست مادّة للتدريس فقط. هي تفكير متواصل ونقد لأوضاعنا وتوضيح لمشاغلنا وتشخيص لأمراضنا ولذلك يجب أن تخرج من بوتقة المدارس والكليات والأكاديميات نحو المجتمع. وهذا الخروج لن يحدث إلا إذا تكلّمت الفلسفة بلغة مجتمعها وشعبها.

– لقد أنجبت الفلسفة من جهة فتحي التريكي لكنّها من جهة أخرى أتت بأبي يعرب المرزوقي رغم اختلاف الأفكار؟

أبو يعرب المرزوقي فيلسوف متكوّن في المدرسة التونسيّة والفرنسيّة له كتابات هامة ومساهمة كبيرة في تطوير الفلسفة بتونس والعالم العربي. لكنّه ذو توجّه فكري مخالف لتوجّهاتي وهذا من حقّه بل هو ضروري حتى لا تكون الفلسفة ذا توجّه وحيد. فالتنوّع أصيل في الفلسفة وما أعيبه عليه هو حشو المواقف السياسيّة بالفكر الفلسفي. شخصيا لا أحبّذ ذلك.

– كيف ساهمتم في كسر النظرة السائدة لدى البعض تجاه الفيلسوف كشخص متاعلٍ يعيش في عالم مثالي لا وجود له في واقعنا، لتمثّل”فيلسوف الشعب” الذي يحس بآلام هذا الشعب وتفهم مشاغله ومعاناته؟

حاولت بلغة سهلة أن أتناول في كتبي وأبحاثي بالدرس والبحث إشكالية علاقة الفلسفة الحالية بالواقع المعيش وأن ألقي بعض الأضواء حول مقاربات تهمّنا جميعا من وجهة نظر فلسفية. وبدون تعقيدات حاولت التأكيد على ضرورة التفكير الفلسفي في مجتمعاتنا الحالية، ونحن نعرف أنّ مجتمعاتنا هيمنت عليها النظريات الإقصائية التي ترتدي تارة ثوب التكنولوجيا مؤكـدة أن الفلسفة ما هي  إلاّ أضغاث صالونات و تارة أخرى ثوب التدين لتعلن أن الفكر الفلسفي يعادي في كنهه الإيمان. وحاولت أيضا دحض هذه الأفكار الجاهزة.

صحيح أنّ الفلسفة من حيث هي ممارسة فكرية ذات تقنيـات خاصة ومآرب محددة ولكنّها وبما أنّها عملية توضيح ونقد وتشخيص ضرورية تهم كل من يريد أن يتعامل بذكاء ونجاح مع واقعه ومجتمعه يمكنها أن تتّصل بكلّ الممارسات الخطابيّة وغير الخطابيّة لتشخيص آلامه ومعاناته ولتساهم في تغيير مجرى الحياة أو إصلاحه..

– هل تعتبرون أنّ العلاقة بين الدين والفلسفة علاقة محرّمة أم شرعية؟

 يمكن للفلسفة أن تتعامل مع الحياة اليومية دون أن تكون هناك حاجة لمعاداة الإيمان الشخصي للفرد أو لطريقة عيشه أو لأنماط تفكيره، لأن مبدأ الفلسفة المعاصرة هو الاعتراف الصريح بالتنوع الفكري ومحاولة التفاعل مع معطيات هذا التنوع. فلا دخل للفلسفة في الدين وإذا تدخّلت فهي تهتمّ بالخطاب الديني لتوضيحه ونقده وتشخيص عوارضه وتنظيره أحيانا. فالدين من جهة العقيدة أمر شخصي وفي تقديري لا أحد كلّفه الله بالسلطة العقيدية ماعدا الأنبياء بطبيعة الحال. فلا يمكن الحديث عن علاقة محرّمة أو مشرّعة بين الفلسفة والدين فالفلسفة فكر والدين عقيدة.

 – هل تعتبرون أنّ الظلامية المعادية لحرية الفكر والفلسفة لها مستقبل في بلادنا؟ وبماذا تفسرون عداوة الظلامية للفكر الفلسفي وانتشار الدغمائية في المجتمعات العربية؟

 لقد بينت في أبحاثي أن نظرية النسق الموحد لفهم الواقع ومساره العام بما في ذلك ما أقره الفيلسوف هيغل من وحدة الواقع والعقل غير مجدية حالياً لفهم الواقع اليومي بتنوعه وتوتـره وتغيراته المستمرة. واستناداً إلى نظريـات مختلفة في الفلسفة المعاصرة مثل نظرية ميشال فوكو في التـاريخ أو كنظرية كارل بوبر في المعرفة أو نظريات مدرسة فرنكفورت الاجتماعية رأيت من المجدي أن أعتمد فلسفة التنوع أو ما سمـيتـُه فيما مضى بالفلسفة الشـريدة وذلك لفهم آليات المعاصرة والتمكن من تناول الحياة اليومية تناولاً فلسفياً. فكلّ دغمائيّة بما في ذلك الظلاميّة لا تؤدي إلى فهم الحياة بل مباشرة إلى العنف والموت. لذلك لابدّ من النضال الحقيقي ضدّها. أمّا الظلاميّة فهي ابنة الجهل. والجهل إذا هيمن في بلد من البلدان تحطّمت أركانه وانتشر فيه الفقر والحروب وكلّ أشكال العنف.

–  وفي تونس؟

نحن في تونس قد تقدّمنا أشواطا في معركتنا ضد الجهل ولكنّ الإسلام المتشدد الذي جاءتنا به الحركات الإسلامية من الشرق حيث الجهل وحيث غياب العقل والتعقّل فتغلّب على إسلامنا السمح الذي كان عماده جامعة الزيتونة، غرس في مجتمعنا الشعوذة والتخلف الذهني وعاد بنا لقرون خالية كما غرس في بعض أعضاء نخبتنا الفكر المتحجّر والدغمائيّة والانغلاق. وللأسف الشديد أن أصبح نسقنا السياسي ديمقراطيا في هذه الفترة دون أن يستوعب الشعب معاني الحرّية. فوضعت هذه الديمقراطيّة المتشددين في البرلمان بعدد يكفي للتحكّم في النظام.

فالظلاميّة معاديّة لكلّ فكر متحرر ولكلّ إبداع فني ولكلّ نقد بل لكلّ علم مهما كان. وذلك لا يستدعي منه مجهودا يذكر. يكفي أن يصرّح بأنّ ذالك كفر حتّى توافقه جحافل الجهلة في الشعب الذين لا يفكّرون ولا يستطيعون إقامة الحجّة فيلتجئون إلى التعنيف والتقتيل ويعتبرون أن الإسلام دين موت وقتل لا دين حياة ورحمة. 

وقناعتي أننا لن نستطيع بعد تقدم العلوم وإحداثيات التكنولوجيا المتطورة أن نرتضي لتونسنا الحبيبة هذا النوع من النظام لا سيّما وأنّ الشرق قد بدأ التخلي عن هذا الفهم المتشدّد للإسلام. ولكن يفعل بنا الجهل بما يريد.

 – هل من ينتخب حزبا دينيا يعتبر من أحباء الفلسفة والحياة والثقافة؟

لا يمكن أن نعتبر أنّ من ينتخب حزبا دينيا هو ضد الحياة وضد الفلسفة. هناك أسباب كثيرة تفسّر هذا الموقف وأهمّها أخلاقي إيثيقي. فالناخب يظن باختياره للحزب الديني قد ساهم في إعطاء الحياة السياسية صبغة دينية وأخلاقية وناضل ضد الفساد. نضيف أيضا الجهل المستتب في أعماق الشعب  والإنتهازيّة عند بعضهم. والعيب ليس فيهم بل في النظام الذي دستوره لا يسمح بتواجد الأحزاب الدينية وهو يغضّ النظر ويستبله الشعب.

 – في إصداركم الجديد الذاكرة والمصير، ما مدى بوح الكتاب بكينونة كاتبه وما مدى تأثيره في مجتمع بات بلا ذاكرة وأصبح مصيره ضبابيا؟

نعم أصبحت ذاكرتنا لا تتحمّل تاريخنا وأصبح كل من هبّ ودبّ يتدخّل في تاريخنا ليفعل به ما يشاء حسب مواقفه أو مواقف من كلّفه بذلك. سهام بن سدرين عبثت به كما شاءت وتعبث به حركة النهضة كما عبث به الحزب الدستوري في عهدي بورقيبة وبن علي. بقيت لنا الدراسات الأكاديميّة والشهادات الحيّة. وكتابي يحاول أن يقدّم شهادة على عصر عشته بأفراحه وأتراحه ولا أبتغي أي تأثير في مجتمعي.

– ماهو تحليلكم للأزمة التي يعيشها القطاع الثقافي في بلادنا اليوم؟

من الصعب جدا أن أقدّم في كلمات تحليلا للأزمة الثقافيّة عندنا. كنت قد كتبت على جداري في الفايسبوك ما يلي : للأسف الشديد وزارة الثقافة منذ الثورة لم تستطع بناء مشروعها الثقافي الذي قد يضمن للتونسي مستقبلا متسالما. لأنها مازالت تعتقد أن الثقافة هو شأن يجب تصريفه وتدبيره كما ندبّر شؤوننا العادية، دون نظرة مستقبلية ودون فلسفة واضحة ودون سياسة ملائمة لما أفرزته الثورة من مفاهيم جديدة وتصوّرات جذريّة، ذلك ما جعل بعض الذين يعتبرون أنفسهم مختصين في الثقافة يهيمنون على كل أقسامها وإنتاجيّاتها ويفرغونها من أهدافها وتصوراتها حتى تصبح الوزارة صندوق إعانات وإغاثة ولقمة لمن أستطاع إليها سبيلا.

حصلت إذن قطيعة واضحة بين الوزارة والشباب مثلا بينما كلنا يعرف أن قاطرة الابداع يقودها دائما الشباب المتعطش والذي يتحلى دائما بالجرأة في أعماله وثقافته وإبداعه وأحلامه وأصبحت الوزارة تكرّس ما هو مكرّس في المجتمع وتُثبت ما هو ثابت وتشجّع من تمّ تشجيعه المرّات العددية خوفا من الجديد والمحدث والإبداع والمبدع في الرسم والسينما والمسرح والموسيقى والرقص وغيرها من الفنون المتعددة.

لذلك توجه بعض شبابنا إلى السفارات الأجنبية أو إلى المؤسسات الخارجية للحصول على الدعم وأصبحنا نعيش في تونس ثقافة مزدوجة : ثقافة غلبت عليها صبغة تراثية حسب قاعدة المعاودة والتكرار تدعمها وزارة تصريف الشؤون الثقافية، وثقافة مستقبلية غلبت عليها صبغة التجديد ولكنها تخدم أجندات ثقافية أجنبية وطموحات استعمارية جديدة.

كذلك تدخّل اليوم في الساحة الثقافية رجل الأعمال والمال ليخلق سوقا ثقافية مازالت محتشمة ولكنها قد تتطوّر بتطور البورجوازية الكمبرادورية المافويّة التي لا تؤمن لا بالوطن ولا بالثورة ولا بالعقل ولا بالأخلاق، بل بالمال فقط وكأن القيمة الوحيدة الممكنة للثقافة هي قيمة المبادلات والتبادل فيسهل بذلك تبييض الأموال عن طريق الفن عامة والفنون التشكيلية والمعاصرة بصفة خاصة، مما يؤدّي إلى تكوين سوق مزعومة لفن تتحكم في طموحات الشباب وتنمّط إبداعاتهم حسب قاعدة العرض والطلب وقد يصل ذلك إلى إحداث فن مزعوم يقوم على الخديعة والكذب والتحيّل والسرقة .

– لو كان الفيلسوف فتحي التريكي يشغل منصب وزير للثقافة، ماهي أبرز القرارات التي سوف تتخذونها؟ ولو كنتم في منصب وزير التربية، ما هي أهم القرارات التي يمكن توخيها لإصلاح المنظومة التربوية؟

أنا الآن بصدد كتابة مؤلفا في ميدان الثقافة والتربية وأعتبر أنّ الوقت حان لتكوين لجنة وطنيّة موسعة من مثقفين وخبراء وسياسين لتشخيص الوضع في الثقافة والتربية والتعليم وتكوين لجان قطاعيّة لإصلاح عميق تقتضيه المجدات العلميّة والفكريّة والثقافية في بداية هذا القرن لأنّ نسقنا التربوي والتعليمي والثقافي قد أكل عليه الدهر وشرب. كذلك لابد من تركيز حرّية الفكر والإبداع بجانب قواعد العيش المشترك في كنف الاحترام والكرامة. أنا لا أحبّذ المناصب وأعتبر أنّ دوري الأساسي هو التفكير العمومي مع وبجانب المثقفين والمبدعين لتغيير ما يمكن تغييره.

– هل تعتبرون أنّ التونسي يعيش اليوم غربة في موطنه، غربة ثقافية وغربة مجتمعية أم هو يعيش تيها فكريا لا مثيل له؟

لا أبدا لا يعيش التونسي غربة في وطنه. ومهما كان الوضع لا يمكن للتونسي من حيث هو مواطن له حقوق وعليه واجبات أمّ إذا أحسّ بالظلم فما عليه إلّا أن يناضل من أجل سعادته وسعادة غيره. وقناعتي أنّ الشاب التونسي هو الآن في خضم الواقع المتحرّك بإيجابياته وسلبياته. طبعا هناك من قذف به الفقر إلى الهجرة وهناك من ظنّ أنّ الثراء والعيش الرّغيد يوجد في أوروبا.  هناك أيضا من تمّ ترحيله إلى بؤر التوتّر وهناك من المافيّات المتاجرة بالبشر والذين للأسف يعملون في وضح النهار ولا يجدون الردع يصطادون التونسي الذي أناخ عليه الجهل لترحيله خارج بلاده أو للعبث بجسده. تونس تعيش فترة صعبة لا محالة ولكنها فترة تأسيس لعيش آخر ربّما يكون في الاتجاه المنشود وأعني الديمقراطي الاجتماعي.

أمّا التيه الفكري فقد أصاب الكثير من الشعب كما أصاب أيضا عدد لا يستهان به من النخبة. فهل يُعقل مثلا أن يدرّس أستاذ جامعي الآن في القرن الحادي والعشرين بأنّ الأرض مسطّحة ويؤطّر طلبته في هذا الاتجاه ؟ وماذا عن محامي مجاز في الحقوق ونائب في البرلمان يخرج من جيبه علبة ويعلن أن صديقه المشعوذ وجد دواء للكوفيد ؟ فالمصيبة أنّ في تونس يمكن أن تكون متعلّما وجاهلا بدون ثقافة وبدون أخلاق.  

– ماهو تقييمكم لوجود دولة تونسية اليوم من عدمها؟

هناك دولة بطبيعة الحال ولكنّها تحت سلطة المافيات والمهرّبين. وأكاد أجزم أنّ من أسقط حكومة الفخفاخ هو تحالف بين الإسلام السياسي واللوبيات المافويّة التي شعرت بالخطر عندما بدأت حكومة الفخفاخ بمحاربة الفساد تحت نظر رئيس الجمهوريّة. وهنا لابد من التعمّق في هذه الوضعيّة الجديدة لنمط الدولة في تونس. فاندثار الدولة القوميّة  l’Etat-nation تلك التي تعتمد على الوطن والمواطنة. ولكنّ الحكم اليوم بيد الإسلام السياسي والحزب الليبيرالي العشوائي. فأمّا سياسة الأوّل فهي لا تقول بمفهوم الوطن بل بمفهوم الأمّة الأسلاميّة وبذلك يمكن أن تكون مثلا تركيا أقرب إليهم من تونس. وأمّا الليبيراليّة السوقيّة العشوائيّة فوطنها العولمة والمال مبدأها والأسواق في كل أنحاء العالم وطنها. زد على ذلك أنهم كلّهم لا يؤمنون بمفهوم الشعب ولا يعملون لصالحه. فبالنسبة للأولين المصلحة تكون للمسلمين أو بالأحرى من يعتبرونهم مسلمين وهم أقلّية كبرى.

وأما بالنسبة لليبيراليّة فللشعب هناك الصدقة “يرحم خليل” ولا التنمية. وقد اعتمدوا على مفهوم الدولة النحيفة L’Etat minimal الذي طوّرته مدرسة شيكاغو الاقتصاديّة لإضعاف الدولة التونسيّة والتحكّم في دوالبها وإخضاعها لأهدافهم ومصالحهم. وعلى الوطنيين التونسيين الحقيقيين النضال لعودة الدولة الوطنيّة بهياكل جديدة تعتمد الحرّية والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة.

–  كيف تفسرون انهيار اليسار على الصعيد السياسي والفكري في تونس؟

في رأيي علينا إعادة تحديد مفهوم اليسار وتعريفه حسب معطيات المعاصرة. فالكثير يحصره في اليسار الكلاسيكي الذي كان ينادي بالاشتراكيّة والشيوعيّة ويعتمد النظريات الماركسيّة بمختلف تأويلاتها. لكنّ اليسار أصبح يفيد التوجّه الوطني والمواطني بمعنى أنّ حقل دلالته قد توسّع وأضحى يضمّ كلّ الحركات الوطنيّة التي تريد بناء وطنا متقدّما خدمة لمصلحة كلّ الطبقات الشعبيّة. وشخصيّا أعتبر أنّ مفهوم الكرامة الذي جاءت به الثورة والذي استحوذ عليه الإسلام السياسي المتشدّد والإرهابي ليجعل منه مطيّة يصل به إلى الشعب ليخدّره ويستحوذ على عواطفه، كان يمكن أن يكون هذا المفهوم محرّكا لليسار الجديد لا سيّما إذا اقترن بمفهوم العيش معا وأعني بالحق للجميع بأن يحيى كما يريد ولكن تحت شعار الكرامة للجميع وتحت إمرة القانون الذي ساهم الجميع في وضعه. لكنّ اليسار في تونس بقي يعيد ويكرّر نظريات كانت مجدية في الستينات من القرن الماضي ولكنها لم تعد كذلك.

– كلمة  توجهونها إلى قيس سعيّد

يجب أن يقترن القول بالقرار وبالتنفيذ

– كلمة توجهونها إلى راشد الغنوشي

تونس قبل كلّ شيء والتاريخ علّمنا أنّ تونس تصمد دائما وتنتصر

– كلمة توجّهونها إلى عبير موسي

الحزب الدستوري الحر عريق في التاريخ وخدم تونس ولكنّه أخطأ وقام بأبشع الأعمال في حق الكثير من أبناء الشعب. والعودة إلى الحياة السياسيّة تقتضي الاعتراف بذلك والاعتذار والاعتراف بالثورة.

– رسالة توجّهها الى نساء تونس…

لا ننسى أنّ في كلّ أحقاب تاريخ تونس كانت المرأة مؤسّسة للحضارة ومناضلة من أجل حرّيتها والحرّيات بصفة عامّة. وأنا أدعو المبدعين في الرواية والسينما والمسرح وغيرها أن يهتموا بالمرأة في التاريخ حتى يعرف الناشئة نضالاتها وتضحياتها وحتى لا تنطلي عليهم حيل الأحمرة في البرلمان وخارجه الذين ينقصون من قيمة المرأة ويحتقرونها. أقول للمرأة التونسيّة إنها عظمة الشعب التونسي ونضالها هو نضال الشعب ولتواصلي  نضالك بكلّ حزم وبك وبنضالك ستعيش تونس رغم الداء والأعداء.

حاورته: منارة تليجاني

قد يعجبك ايضا