Take a fresh look at your lifestyle.

الوضع الوبائي في تونس
الحالات
177٬231
الوفيات
5٬616
مريضة حاليا
43٬761
حرجة
379
الحالات التي شُفيت
127٬854
أخر تحديث بتاريخ 01/17/2021 الساعة 12:01 ص

فراشات "مكاريا" للكاتبة سلوى البحري.. بقلم عبدالرزاق بن علي

بقلم الاستاذ عبدالرزاق بن علي

يقال : “رب صدفة خير من ألف ميعاد” … هكذا كان للصدفة دور في اكتشاف “مكاريا”

مكاريا هو عنوان لمجموعة قصصية نسجت خيوطها أنامل المبدعة سلوى البحري. كتاب ما إن تخرج من المكتبة بعد اقتنائه فتغريك غرابة عنوانه غير المألوف فيهجرك الصبر على التهامه، وما إن تفتح الكتاب وتقرأ اول صفحة  حتى تجد نفسك عند آخر اقصوصة…

لا اخفي سرا ان كنت اسمع هذا الإسم لأول مرة. كم من التساؤلات والأفكار تواترت وأيقظت إله الفضول والمعرفة لدي. ولم يكن التعريف الذي افتتحت به المجموعة القصصية كافيا لتجاوز جهلي بالمفهوم. ورحت ابعث في العلاقة بين “الموت المبارك أو السعيد ” وبين “فراشات الليل ” كما فسرت سلوى البحري.

من تكون أو من يكون “مكاريا” ؟ أ من سعادة ترجى اذا تعلق الأمر بالموت ؟

 إن الكتاب الذي لم يحرك فيك الجانب الوجداني ولم يدعك للبحث في أغوار ذاتك أو الذي لم تتمثل فيه نفسك هو في اعتقادي غير جدير بالقراءة. بكل بساطة ستجدك وانت تتصفح الكتاب، موضوع حديثنا، محاطا بكم هائل من الذكريات التي ما انفكت تؤثث الفضاء على امتداد صفحات الكتاب وتطبع تفاصيلها في مخيلة القارئ فيسافر معها ممتطيا  سفينة الزمن في رحلتها الاسترجاعية. ستجد اذا الطفل الذي فيك كما الكهل الذي يعتمل داخلك.

بقراءتك للكتاب ستخوض  تجربة فريدة  من نوعها وهي انك ستعيش حصة من العلاج النفسي كتلك التي يقوم بها الطبيب المختص في العلاج النفسي على أحد زائريه. لقد جعلت الكاتبة من شخصياتها كتلا من العقد النفسية وتركتها تخوض صراعاتها الداخلية أو الاجتماعية بعين ذكية في اعتقادي. لذلك لن تسقط شخصية ما أو “تنهزم” إلا بإرادة من الكاتبة نفسها.

يظهر ذلك جليا خاصة في اقصوصة “أعلنت انتصاري” التي طوعت من خلالها الكاتبة لحظة الانكسار والهزيمة إلي نشوة  الانتصار، واعطت للنصر مفهوما جديدا لم يألفه القارئ من قبل وهو استشعار النصر في أقسى لحظات الهزيمة. وهذا في اعتقادي لم يكن انتصار الشخصية بقدر ما هو انتصار الكاتبة نفسها. وهو ما يفسر النزعة الذاتية في العنوان، فهي اذا التي اعلنت انتصارها بانتصار شخصيتها التي رسمت…

ستلاحظ وانت تعالج الكتاب ذلك الصراع المعلن والخفي بين صورة المرأة وصورة الرجل. صراع يبدو بلا نهاية على امتداد النصوص فيه بدى الرجل مصدر “الدراما النسوية” إن صح التعبير. حضور الرجل لم يقطع مع النزعة الذكورية في المجتمع التي ألفناها إلا أن طرافة الطرح كانت في القدرة العجيبة على تحويل وضعية المرأة من المسيطر عليها الي المسيطرة، من المهزومة الي المنتصرة. ربما يتم اتهام الكاتبة للوهلة الاولى بأنها لا ترى خيرا في الرجل مطلقا، وهذا لعمري قصور في الفهم وتجن على مؤلفة الكتاب.

كيف يكون ذلك هو موقفها من الرجل وهي من كتبت  اقصوصة “مفرد في صيغة الجمع”. ألم “يقبل الرجال مسرعين” ملبيين نداءات الأم المكلومة على أبنائها أثر المصيبة التي حلت بهم؟  ألم يكن الولد البكر الذي مات بعد الانفجار سندها وسلاحها الذي ستخوض به معارك الزمن ؟… لم تكن في نظري صورة الرجل “المشوهة” غاية الغايات بقدر ما كان البحث عن معاني الرجولة الصرفة وتأسيس لعلاقة فضلى بين جنسين لم يخلق أحدهما لو لم يكن الآخر كان قد خلق… حيث يظهر ذلك واضحا في الحضور المكثف “للرجل “: أبا، زوجا، حبيبا،… ولدا. لعل حضور الولد نهاية لم يكن اعتباطا بل هو اقتناع بأنّ الذكر يولد على السليقة محبا وحنونا وفيه من آثار الرجولة الحق التي لم تشوهها التقاليد وأحكام المجتمع، الكثير…

لقد أسست في ما أرى الكاتبة لبناء علاقة استثنائية مع القراء حيث استجمعت كل فراستها وإلمامها بعلوم اللغة و وظفت ما تملكه من  مؤهلات وأسلوب شيق لتوريطه -بكل لطف- في تفاصيل كل حكاية وكل قصة على اختلاف أحداثها وشخصياتها. فيقفز فرحا لفرح احدى شخصياتها ويقاسمها تلك اللحظات ويكلم قلبه ويكاد ينفطر حزنا لحزن إحداها، فيصل ذلك  حد التماهي…

يبدو للوهلة الأولى انك أمام مجموعة قصصية لا يربط بين اقصوصاتها رابط ولا معنى إلا أنّ قراءة في العمق تتيح لك فرصة اكتشاف الخيط الحريري الذي رتقت به المقصوصات. إن فراشة من فراشات مكاريا تطل آخر كل حكاية لتتبنى الحكايات كلها وتقول كل الأحداث أنا، كل الشخوص أنا، كل الحزن أنا، كل الفرح أنا، كل الهزائم أنا، كل الإنتصارات أنا… أنا كل ما قد قيل مجتمعا… انا مكاريا.

لابد أن تقرأ “مكاريا” بكل بساطة.

بقلم عبدالرزاق بن علي

aderazak e ali pt - فراشات "مكاريا" للكاتبة سلوى البحري.. بقلم عبدالرزاق بن علي