الوضع الوبائي في تونس
الحالات
90٬213
الوفيات
2٬935
مريضة حاليا
21٬975
حرجة
287
الحالات التي شُفيت
65٬303
أخر تحديث بتاريخ 11/25/2020 الساعة 8:40 ص

قراءة في كتاب "اليسار والإسلام السياسي أو النزاع العالق- حول حركة 18 أكتوبر 2005" لهشام عبد الصمد – ترجمة فتحي بالحاج يحي

صدرت منذ فترة وجيزة الترجمة العربية لكتاب “اليسار التونسي والإسلام السياسي او النزاع العالق –حول حركة 18 أكتوبر 2005- لمؤلفه هشام عبد الصمد، وقد صاغ الترجمة التي حملت بين طيّات اللغة هذا الايقاع المتناغم فتحي بن الحاج يحي، وصدر الكتاب في اطار مجموعة “كلمات عابرة” وهي منشورات جمعية “نشاز”.

يقدم هشام عبد الصمد في كتابه قراءة هامة لحركة 18 أكتوبر 2005 ارتكزت على مقاربتين اثنتين، أولهما مقاربة السياقات التي تنزلت فيها الحركة ومنها بالأساس الأرضية السياسية والحقوقية التي اتسمت بها العشرية التي سبقت سقوط النظام السابق والاحداث المفصلية التي شابت المواجهة بين نظام بن علي و المعارضة بشقيها اليساري والإسلامي في تلك الفترة وكذلك ما يطلق عليه الكاتب اسم “الوعد الديمقراطي” الذي حملته تلك اللحظة من التآلف الاجتماعي والسياسي المناهض للاستبداد.

 وثانيهما تلك المقاربة المسائلة والمراجعة لخيارات اليسار التونسي بالأساس، يضعها الكاتب على محك السؤال الملّح محاولا استبيان انتصاراتها كما اخفاقاتها وصولا لما آلت اليه اليوم وذاهبا الى حد اعتبار  “اليسار المؤسساتي” الممثل في البرلمان بعد الثورة مصابا بعمى الألوان فلم يبصر تلك الحركات الاجتماعية وتلك التعبيرات السياسية والثقافية الجديدة مبتعدا بالتالي عن مواقع الصراع الاجتماعي وقائلا برؤية تشوبها الواقعية غداة انتخابات 2014 انه “لا مناص اليوم من التسليم بأنّ اليسار قد انهزم.. ربما لأمد طويل” ومتسائلا هل نحن اليوم أمام موت سريري لليسار، وهل يجب أن نسلّم بحتمية الاستقطاب الثنائي بين تياري الهووية والفكر الليبرالي؟

هذا فضلا عن النفس النوستالجي “الكوندري” -نسبة الى الكاتب التشيكي ميلان كوندرا- الملازم للنص، اذ نعدد استعمال الكاتب لأكثر من 4 نعوت لتوصيف حركة 18 أكتوبر ومنها “الذكرى العظيمة” و”التراث الديمقراطي” و”الجمهورية المصغرة” و”برج بابل” الى جانب المعجم الشعري الذي يشير الى “الخيمياء” و”الحلف المقدس” و”المنحى الملحمي” و”سعادة سيزيف” و”بركان تونس المنسي” و”العود الابدي” و”الزوابع مابعد ثورية” مع اطلالات عدد من المفكرين على غرار جاك رونسيار وبول ريكور وجيل دولوز طوال النص.

عن حركة 18 أكتوبر2005 التي تشكلت تزامنا مع انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات، يقول هشام عبد الصمد أنها حملت طابعا مزدوجا، فهي الاضراب الذي مثّل “لحظة أساسية” في مسار المعارضة الديمقراطية لنظام بن علي، وهي أيضا الائتلاف الذي طرح على نفسه إرساء الحوار بين كل من المكونات العلمانية والإسلامية للمعارضة. أوّلا الاضراب عن الطعام الذي مثّل تاريخ 18 أكتوبر 2005 ضربة بدايته بمكتب محاماة الأستاذ العياشي الهمامي بمشاركة أحمد نجيب الشابي وحمة الهمامي ولطفي الحاجي وسمير ديلو وروؤف العيادي ومختار اليحياوي ومحمد النوري ثم ثانيا تاريخ 4 ديسمبر عندما قرر المضربون بمساندة جزء من المعارضين ونشطاء المجتمع المدني انشاء هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات، هذه الهيئة التي تواصل نشاطها الى غاية نهاية سنة 2009.

وفي نفس السياق، يوضح الكاتب أنه ثمّة “بين الاضراب والهيئة ثمة تواصل وقطيعة في الآن ذاته”، ساعيا الى الربط بين اللحظات الثلاث: “لحظة الاضراب ووعوده ولحظة الهيئة وسوء الفهم الذي حفّ بها ولحظة مابعد الثورة بصفتها مجال تجربة توافق تاريخي جديد”.

كما يتساءل عبد الصمد عن الأسباب التي جعلت من أغلب الفاعلين السياسيين اليوم يرمون التقاءهم الأصلي ضمن حركة 18 أكتوبر 2005 “في غياهب النسيان حتى باتت توّظف كمشهد بدائي ومتخيّل، قلما تُستحضر وغالبا ما تُغيّب تماما”، ومن بين هذه الاسباب تحوّل حلفاء الامس الى خصوم واستحالة التحادث بنفس اللغة السياسية ومحاولة التخلص من عقدة الذنب وتنامي منسوب الأوهام الشعبوية وقوة الجذب الى الوراء والسعي الى “محاكاة المثال الديمقراطي” وتفشي النزيف الهووي وتغيّر الرهانات والاطماع التي اتسمت بها الحقبة التي تلت الثورة.

في المؤلف أيضا اشتغال مقارن حول دلالية خطابي التيار الإسلامي واليسار فـ”كلمات الإسلام السياسي مثلا تعبّر عما يؤمن به الشعب وتمد له مرآة ليرى فيها نفسه ممجدا معظما في حين يجهد اليسار عبثا في تهجئة أبجدية صراع طبقي لا يؤمن به احد سواه” وفق عبارة عبد الصمد.

وفي خضم كلّ هذه التغيرات الطارئة على اليسار التونسي، يكتب هشام عبد الصمد عن تموقع اليسار واليساريين، في لحظة تتأرجح بين الصفاء والوعي، ما يلي “فأن نكون أقليين لا يجب أن يأخذ بمعيار النجاح والتميز او الفشل والخيبة في امتحان الديمقراطية التمثيلية بل نعني بذلك أننا في وضع يشكل شرطا انتروبولوجيا، ان جاز التعبير، الا وهو الإقرار بالمفارقة التي تلازمنا وبالهشاشة التي تستند اليها هويتنا التحررية والمسكونة بالهاجس الجمعي في الآن ذاته، والحريصة كذلك عل التمفصلات الهشة بين الدولة واللادولة، وبين الفرد والمجتمع، وبين التراث والابداع. فاليسار يسكن هذا المفترق الذي تضيع فيه جميع البوصلات، وهو الواقف دوما على شفا المأزق”.

يقدم كتاب “اليسار والإسلام السياسي او النزاع العالق- حول حركة 18 أكتوبر 2005” اضاءات أساسية حول ما اكتنف الحراك السياسي والحقوقي الذي شهدته تونس انطلاقا من سنة 2005 مع تساؤلات جوهرية حول واقع ومآلات اليسار.

هذا وقد أصدرت جمعية “نشار” في الفترة الأخيرة مجموعة قيّمة من الكتب نذكر من بينها: مجتمع المقاومة لماهر حنين واليسار التونسي نحو آفاق جديدة (نصوص لمالك الصغيري ومحمد سليم بن يوسف ومجد مستورة وماهر حنين ومطاع امين الواعر)، وعندما تلتقي التجارة الموازية مع النوع الاجتماعي (محمد علي بن زينة بمشاركة روضة القدري وامال الفرجي)… والديمقراطية الآن.. قراءة في ظاهرة قيس سعيّد لخليل عباس و التعبيرات الشبابية والديمقراطية الثقافية (فاتن مبارك وياسين اغلالو) وظاهرة السباب السلفي (فتحي الرقيق).

livres achez - قراءة في كتاب "اليسار والإسلام السياسي أو النزاع العالق- حول حركة 18 أكتوبر 2005" لهشام عبد الصمد – ترجمة فتحي بالحاج يحي

شيراز بن مراد