الوضع الوبائي في تونس
الحالات
93٬770
الوفيات
3٬106
مريضة حاليا
22٬200
حرجة
290
الحالات التي شُفيت
68٬464
أخر تحديث بتاريخ 11/28/2020 الساعة 11:44 ص

"عايدة" لياسميلا زبانيتش: تشذيبٌ باهرٌ للأصل الحكائي

 

في اللقطة الأولى من “إلى أين تذهبين يا عايدة؟” (2020)، تظهر عائلة بوسنية صغيرة، تجتمع في شقّة متواضعة، تقع في أحد أحياء مدينة “سربنيتسا”. الكاميرا تتحرّك ببطء. تلتقط صورة مقرّبة لوجوههم الأربعة. التبطيء التوليفيّ اللاحق يُقلِّل، أكثر فأكثر، من سرعتها، فتبدو كأنّها صورة فوتوغرافية ثابتة، تدبّ الحياة فيها بفعل قوّة إيقاع أنغام آلة “تشيلّو”، تصاحب حركتها. يرتفع الإيقاع حتى وصول الكاميرا إلى وجه عايدة، مركّزة عدستها على عينيها المفتوحتين باندهاش. النظرة المذعورة تعلن خوفاً داخلياً من شرّ مقبل، تريد منع حدوثه. بعد هذه اللقطة مباشرة، هناك مشهد دبابات تدخل الأحياء القديمة للمدينة، مُعلنة عن اجتياح الجيش الصربي لها.

يُكثِّف الانتقال بين لقطة الافتتاح والمشهد التالي لها أسلوب المخرجة ياسميلا زبانيتش (1974)، في الابتعاد مسافةً عن الحدث التراجيدي، مُفضّلةً عليه الذهاب أولاً إلى الأشخاص/ الضحايا، فهؤلاء يستحقّون سرد حكاياتهم، ومن مآسيهم يمكن العبور إلى مَشاهد الحروب، وعرض فظاعاتها. يسهل قول الابتعاد مسافةً، ومعاينة الأحداث، والتجرّد من الشخصيّ في نقل القصص المروّعة إلى الشاشة، فالصعوبة كامنةٌ في التطبيق. المخرجة البوسنية خبيرة عملياً بجدوى المعاينة المتريّثة لتراجيديات حرب البلقان. يبدو أنّها لن تحيد عنها، حتّى في أكثر قصصها صعوبة، كقصّة المترجمة عايدة، التي يُزيد من تعقيدها أنّها حقيقية، إذْ إنّها منقولة بتصرّف عن القصّة الواقعية للمترجم البوسني هسن نوهانوفيتش. لذا، عليها مراقبة نصّها، وتشذيبه بحذر من التوثيق الذي فيه.

مُعسكر الوحدة الهولندية، التابعة للأمم المتحدة، حيث تعمل عايدة مُترجمة فورية، يغدو، صيف 1995، مصيدةً لآلاف البوسنيين الذين لقوا حتفهم على يديّ الجنرال الصربي راتكو ملاديش، على بعد أمتار منه (المعسكر)، تحت أنظار بعض جنود الوحدة. لا تغفر ياسميلا زبانيتش للقادة سلوكهم وجبنهم. تُعيد التذكير بتخاذلهم، وبكذب وعودهم بحماية المدنيين الهاربين من المذبحة، التي تلوح أمام عينيّ المترجمة، مُستحكمةً لا فرار منها. عليها إنقاذ عائلتها (زوجها وولداها الشابان) بما تملك من قوّة ونفوذ وظيفي. لا تُجمّل زبانيتش أنانية الأم، ولا تُفسّرها. تضعها أمام الكاميرا، وتتركها تتجسّد كفعل غريزي، ينشد احتماءً من دوائر موت تضيق على سكّان “سربرنيتسا”.

 

 

نص “إلى أين تذهبين يا عايدة؟” (سيناريو زبانيتش) يدفع إلى مراقبة الحدث من فوق، أعلى من مستوى النظر. هناك، عن بُعد، ترى الحشود المُساقة إلى مصيرها تتّخذ شكل دائرة، تتراصّ الأجساد داخلها. التراص الجسدي فعلٌ غريزيّ، ينشد حماية الذات من التلاشي، ويدفع الضحايا، لحظة ضعفهم، إلى سدِّ كلّ فراغٍ أو ثغرة بينهم. قبل ذلك، في مجرى سير الأحداث، لا ينتبه الضحايا إلى دوائر الموت التي يرسمها الجنرالات، ويجرّونهم إليها من دون علمهم. جزءٌ كبيرٌ من اشتغال زبانيتش مُكرّس لرؤية تلك الدوائر المجرّدة، وكيف تقع المنظمة الأممية في بيروقراطيتها، وقلّة حيلتها إزاء القوي المتفوّق على استحكامها.

الدوائر المتقلّصة تتداخل فيها حيوات، لا بدّ من رصدها. هذا تنقله مَشَاهد “استراحات” المحاربة/ الأم. بعد كلّ خطوة بسيطة، تطمئنّ فيها على سلامة عائلتها، تنتقل الكاميرا إلى مشهد حياتي يسبق المجزرة، تلازمه إيقاعات آلة “تشيلّو”، التي تطغى لحظتها على الأصوات المستغيثة للبشر (موسيقى مذهلة لأنتوني كوماسا ـ لازاركيفيتش). قبل وصول الجيش الصربي، هناك حياة عادية في “سربرنيتسا”. حينها، تعمل عايدة مُدرّسة كزوجها، وتعيش معه على أمل تحقيق ما يصبو إليه ولداهما مستقبلاً. الذهاب إلى ذلك الزمن وسط المجزرة، يحقّق تناقضاً يُوصل قهراً إلى حياةٍ منتهية، يحلّ محلّها خرابٌ. وأمام عينيها، ترى عايدة هذا، وتركض هنا وهناك للتفلّت منه.

ليس جديداً أنْ تُعنى ياسميلا زبانيتش بالمرأة، فالمرأة دائماً مركز أحداث أفلامها، خاصة تلك التي تُعيد قراءة تاريخ التطهير العرقي لسكّان “البوسنة والهرسك”. يتكرّر هذا في “غربافيتسا: بلاد أحلامي”، الفائز بـ”الدبّ الذهبي” في “مهرجان برلين السينمائي” عام 2006، وفي “لهؤلاء الذين لا يبوحون بالحكايات” (2013).

في “إلى أين تذهبين يا عايدة؟” ـ الفائز بجائزتي أفضل ممثلة لياسنا ديوريسيتش، و”نجمة الجونة الذهبية” للروائي الطويل، في الدورة الـ4 (23 ـ 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020) لـ”مهرجان الجونة السينمائي” ـ تتوسّط المرأة بؤرة الحدث، وتكون الأكثر توجّعاً منه. اختيار الأبطال موضع إدهاش يتكرّر مع “عايدة”. وعلى أداء بطلتها، يرتهن تحقيق رؤية زبانيتش للّحظة التاريخية، التي تتواطأ فيها وحدات أممية مع جنرال فاشي لتصفية عرق بشري بدم بارد. وعلى قوّة تجسيدها ديمومة الحياة، والتوافق مع شروط استمرارها، تُراهن على تخفيف قسوة فكرة عودتها إلى مَدرسَتها وبلدتها وحيدةً، تُرافقها ذكريات مجازر مروّعة، وأصوات موسيقى تتداخل فيها، هذه المرّة، إيقاعات “كمان” مع “تشيلّو”، لتذكيرها بحياتين تعيشهما، وتعرف ياسميلا زبانيتش، ببراعة، كيف تجسِّدهما في زمن سينمائي واحد.