الوضع الوبائي في تونس
الحالات
90٬213
الوفيات
2٬935
مريضة حاليا
21٬975
حرجة
287
الحالات التي شُفيت
65٬303
أخر تحديث بتاريخ 11/25/2020 الساعة 5:25 ص

Gorillaz… كأن ليس هنالك غد

قبل أيام، أصدرت فرقة Gorillaz البريطانية ألبوماً جديداً حمل عنوان Song Machine, Season One: Strange Timez؛ وهو الألبوم الرسمي السابع في مسيرة الفرقة الافتراضية التي تشتهر من خلال شخصياتها الكرتونية، التي تجسد جميع كليبات الفرقة وتعبّر من خلالها عن آرائها وتوجهاتها. كذلك فإن الألبوم هو الجزء الأول من سلسلة ألبومات ستطرحها الفرقة Gorillaz ضمن مشروعها الموسيقي الجديد، الذي طُرح ورُوِّج له في بداية العام، والذي يحمل عنوان Song Machine.

إن افتتاح مشروع Song Machine جاء من خلال قطعة موسيقية قصيرة، لا تتعدى مدتها 23 ثانية، حملت اسم Song Machine Theme Tune، يرافقها فيديو يكشف الصورة البصرية الجديدة للفرقة، التي تبدو وكأنها قد خاضت رحلة افتراضية جديدة خرجت فيها من عالم الأنيميشن نحو عالم ألعاب الفيديو.

وعقب طرح الفيديو، أصدرت “غوريلاز” بياناً صحافياً لتشرح مشروعها الجديد، الذي قد يمتد لأعوام، وورد فيه: “Song Machine هي طريقة جديدة تماماً للقيام بما كنا نقوم به، لكسر القالب المعروف لـ Gorillaz، لأن القالب أصبح قديماً. العالم يتحرك بشكل أسرع من جسيم فائق الشحن، لذلك علينا أن نبقى مستعدين لإسقاطه. لا نعرف حتى من الذي قد يخطو عبر الاستوديوهات بعد ذلك. تتغذى Song Machine على المجهول، وتعمل على خلق فوضى خالصة؛ لذا، بغضّ النظر عن الأمور القادمة، نحن مستعدون وجاهزون للإنتاج، سننتج وكأنه ليس هناك غد”.

وقبل أن تطرح الفرقة الألبوم الجديد، نشرت سلسلة موسيقية مكونة من ست حلقات، سلسلة تبدو غريبة الشكل، يبدو هدفها الأعلى إعادة ابتكار قالب فني موسيقي يتلاءم مع روح العصر، أكثر مرونة من الألبومات بشكلها السابق لعصر السوشال ميديا، وأكثر تماسكاً من الأغاني المنفردة التي تبدو مفتقرة إلى السياق. وذلك ما أوحى إلى أن شكل الطرح هذا سيرافق الفرقة بمشاريعها القادمة، وأنه ما كان تقصده Gorillaz في تصريحاتها الإعلامية السابقة للألبوم. لكن طرح الألبوم الجديد، والتشديد على أنه الجزء الأول من مشروعها، جعل الأمور تبدو أكثر تعقيداً، وأكثر تناغماً مع بيانها الأخير، الذي بدا أقرب إلى مانيفستو يشير إلى ولادة حركة فنية جديدة.

هناك الكثير من التغييرات التي طرأت على الفرقة خلال هذه السنة، فبدا واضحاً أنها تسعى لإيجاد صيغة فنية جديدة لفيديوهاتها، فكان شكل ألعاب الفيديو الـ”تو دي”، أحد تلك الأشكال وأكثرها بساطة، وكان أيضاً شكل فيديو الواقع المعزز هو الأكثر تمرداً على قالبها القديم وأكثرها لفتاً للأنظار. وقد استخدمت هذا الشكل من الفيديو أول مرة بالأغنية الرئيسية من الحلقة الأولى بسلسلتها الموسيقية، أي أغنية Momentary Bliss؛ وأعادت استخدام الشكل ذاته في جميع الأغاني الرئيسية بالحلقات الست، وبعض هذه الأغاني كان لها أكثر من فيديو ينتمي إلى ذات النمط، مثل الفيديو الرئيسي للحلقة الثانية “Désolé”؛ التي استُبدِلَت فيها اللغة الإنكليزية بالفرنسية من دون أن يؤثر هذا التبديل اللغوي بسير السلسلة الغريبة.

وبالنسبة إلى الألبوم الجديد، فهو يضمّ إحدى عشرة أغنية رئيسية، يُضاف إليها ست أغانٍ بالنسخة الموسعة، وفي الألبوم تُستخدَم تقنيات فيديو الواقع المعزَّز ضمن إطار أكثر غرابة، من خلال إقحام شخصيات Gorillaz الكرتونية الأربع ضمن صور للفضاء الخارجي.

ويبدأ العرض بأغنية Strange Timez، التي تضيع فيها حدود الحقيقة والخيال والعلم، ليبدو أن الشكوك البشرية والأسئلة الوجودية الكلاسيكية التي تُطرَح عادةً، والتي يُعاد طرحها بالأغنية لم يعد بالإمكان التعبير عنها بنحو صحيح دون مواجهتها مع تقنيات حديثة كالواقع المعزز، التي تبدو استهزاءً بكل الفلسفات القديمة.

تلازم الثيمة الموسيقية القصيرة “Song Machine Theme Tune”، التي طرحتها Gorillaz قبل أشهر، معظم أغاني ألبوم الجديد؛ إذ إن نغماتها الإلكترونية الشبيهة بموسيقى ألعاب الفيديو في الثمانينيات تشكل المقطع الافتتاحي لجميع الأغاني. ومنها تنتقل إلى أنماط موسيقية مختلفة تعتمد بالغالب على موسيقى إلكترونية أكثر حداثوية، ولا يفصل بينها سوى لحظات من الصمت. وبفضل تقنيات الواقع المعزز، التي تستخدمها بجميع الأغاني أيضاً، تتمكن شخصيات Gorillaz الافتراضية من اقتحام أجواء نجوم ومغنين آخرين، لتقدم أغاني جماعية ليس لها شبيه في مجمل مسيرة الفرقة.

وفي الأغنية الثانية، “The Valley Of The Pagans”، التي يشارك بها بيك، تستخدم Gorillaz الصور النمطية المستهلكة بالسينما عن آلية عمل آلة الزمن لتنتقل شخصياتها إلى فضاء ألعاب الفيديو مجدداً، لنجدها داخل سيارة تتنقل بشوارع مدينة افتراضية، على غرار ما يحدث بلعبة “GTA”، وتتصل بالمغني بيك من خلال شاشة جهاز موبايل بزاوية الشاشة، يظهر بها بيك وكأنه من يحرك اللعبة، بأسلوب عرض شبيه بفيديوهات “يوتيوب” التي يبثها الغيمرز. لتبني من خلال هذه الأشكال المتعددة علاقة معقدة، لا تزيدها الكلمات سوى غرابة؛ إذ يرد في الأغنية: “أهلاً بك في الأرض التي لا تغيب عنها الشمس؛ حيث تذبل الأزهار ليبقى المستقبل مشرقاً. كل الزواحف على الطرق السريعة ستشعر بأنها بحالة جيدة.

الرحلة باتجاه واحد، للعود إلى هوليوود الغربية. دعونا نذهب”. وكأن المستقبل المتخيل الذي نتوق لإيجاد السبل للوصول إليه هو مستقبل شبيه بعوالم ألعاب الفيديو الجامدة التي نمر بها للمرح فقط، والطريق البلاستيكي المبسط الذي حدد مساره الإجباري بدقة لن يقود سوى للمتعة؛ لتقدم الأغنية صورة سوداوية عن المستقبل ضمن المنظار الأكثر ابتهاجاً وإشراقاً.

ومع اختلاف الشركاء تتبدّل بنية الموسيقى بشكل كامل، ففي الأغنية الثالثة “The Lost Chord”، التي يشارك بها لي جون، تشعر بأن الرومانسية تتمكن من كسر القيود التي تفرضها الموسيقى الإلكترونية نسبياً، ولكن ذلك لا يتحقق بشكل تام، فيرد بالأغنية: “الموسيقى عالقة في ذهني”، وكأن تجاوز الإيقاع الميكانيكي بالحياة هو أمر لم يعد يسيراً، وأن الوتر المفقود الذي يبحثون عنه معاً هو الرومانسية.

ومع الأغنية الرابعة “Pac-Man” التي يشارك بها سكول بوي كيو، تصل Gorillaz إلى ذروة إبداعها؛ فالشخصيات الحقيقية والافتراضية التي تقف أمام ماكينات ألعاب الفيديو التجارية، تنصهر معاً في بوتقة واحدة لتنعدم الحدود بين الواقع والخيال. ومع الإيقاع الإلكتروني الساحر، تردد Gorillaz: “يمكنك استعارة يدي وإخباري بأنني لست هنا. أنا باك-مان مجنون يعيش في عالمٍ مسطح، وفي كل مكان أذهب إليه لا أعرف أين أكون. أنا أضغط الأزرار، أنا أشعر بالتوتر”. ولا يزيد مقطع الراب الذي يغنيه سكول بوي كيو الأغنية سوى سحر، ويرد فيه: “كيف أثق بالحقيقة.. لقد حطمت معتقداتي لأخرج من قوقعتي.. لقد مت وما زلت حياً”.

وفي الأغنية الخامسة “Chalk Tablet Towers”، تعود Gorillaz إلى الفضاء، من حيث بدأت، برحلة تبدو أكثر اقتراناً بالطبيعة وانفلاتاً منها؛ لتبدو تلك المسافات الفاصلة بين لحظات الذروة والتي نقضي بها معظم أوقاتنا هي مسافات حتمية؛ فيرد بالأغنية: “غادرت ربيعاً إلى نجمٍ بعيد، لكن لم أستطع العودة”.

ويبدو أن بعض الشراكات الفنية التي عقدتها Gorillaz بألبومها تمكنت من جرفها نحو مساحات غريبة عنها؛ وهو الأمر الذي يبدو واضحاً للغاية في الأغنية السادسة “the pink phantom”، التي يبدو فيها حضور إلتون جون هو الطاغي، لا شيء ممكن أن يضاهيه، لا تفلح بذلك حتى آلة البيانو التي أقحمت كوسيط لمقاربة الأنماط المختلفة وإيجاد التوازن؛ فعلياً هي الأغنية الأكثر غرابة عن السياق وشذوذاً عن النسق، وكأنها لحظة التضاد الفني التي يخلقها شكسبير بمسرحياته؛ شكسبير الذي يرد في الأغنية عنوان واحدة من أعظيم مسرحياته الكوميدية “حلم ليلة منتصف الصيف”.

لكن هذه الأغنية التي تبدو انحرافاً بالنسق، تحمل في صلبها الخط الأخير الذي تسير بقية أغاني الألبوم محتذيةً به؛ إنه خط الأحلام والتهيؤات، لتوجد Gorillaz به روابط منطقية تدمج العوالم المتضاربة من خلاله. إلا أن ذلك يقتل جزءاً من المتعة التي بدت في أوجها بأغنية “Pac-Man”.