الوضع الوبائي في تونس
الحالات
94٬980
الوفيات
3٬153
مريضة حاليا
22٬601
حرجة
299
الحالات التي شُفيت
69٬226
أخر تحديث بتاريخ 11/29/2020 الساعة 7:59 م

الآفاتار… مغني عصر كوفيد أم نجم المستقبل؟

لا شيء سيكون كما كان قبل كوفيد 19. إن تعلّق الأمر بالاقتصاد أم بالسياسة، بالصحة العامة أم بالعادات الخاصة، بالعلوم أم بالفنون، بالرياضة أم بالموسيقى. كل الآراء وجميع الخبراء من بين أولئك الأكثر تفاؤلاً باتوا يتفقون على أن العشرية المقبلة ستشهد تغيّرات جذرية في معاشنا وملبسنا ومنامنا، وفي أدبنا وإبداعنا، وبالأساس والمنطلق، في فهمنا للحياة وللعالم من حولنا.

لأجل الحقيقة، فإن ظاهرة “الآفاتار” في عالم موسيقى البوب قد سبقت موسم كورونا بقرابة العقد على الأقل. أبطالها كانوا شخصيات محض كرتونية، غدوا نجوماً في سماء الإنترنت، وصار لهم عشاق ومتابعون، كالشخصية اليابانية هاتسوني ميكو Hatsune Miku.

وكلمة الآفاتار مستوردة أصلاً من اللغة الهندية السنسكريتية القديمة، وتعني استمرار حلول روحٍ إلهية، بحسب مُعتقد التناسخ الهندوسي، في جسد أرضي يُطوَّب للناس مُعلماً ومرشداً. وعليه، يرتبط المصطلح بفكرة التجسُّد أولاً، سواءً كان مروراً للروح بفناء الجسد، أو دخول عقيدة بوجدان إنسان آمن بها فجسّدها وتماهى بها فكراً ومسلكاً وممارسة.

أما آفاتار ما بعد كوفيد، فقد صار حلول صوت الفنان النجم أو لغة جسده، في جسم رقميّ مبرمج يسكن عالماً افتراضياً. تضاريسه تشمل منصات إلكترونية، كـ تيك توك، وتطبيقات ثلاثية الأبعاد، كـ جادو Jadu. تُتيح هذه التطبيقات للمغني، كما للاعب كرة القدم في لعبة فيديو، أن يُمثّل بشخصية خيالية قد تُشبهه أو لا تشبُهه، تتميز عن نظيرتها الواقعية بإمكانيات تفاعل المُستمع معها، سواءً بمشاهدتها أو بولوج فضائها للرقص لمراقصتها، أو حتى إسقاطها أشباحاً هولوغرامية عبر شاشة جوال أو لوح حاسوبي (تابلت)، يلتقط مشهداً لغرفة أو حديقة، أو يؤسس كوناً موازياً.

أثر فيروس كوفيد في المعادلة الجديدة لا يعدو كونه الشرارة أو الزناد؛ حيث تقاطعت التكنولوجيا الوليدة مع مصير كرب أخذ يتهدد العديد من الفنانين الصاعدين طريقَ النجومية، وقد خسروا للتو موسماً من الحفلات الحية كان من المفترض أن يجولوا بها مدن العالم، لولا إجراءات الحظر والحجر والعزل والإغلاق التي فُرضت في كل مكان، وعلى حين غرة، حتى أمست تُهدد مشوارهم الفنّي نحو الجماهيرية وهم لا يزالون في أول الخُطى.

لذا، كان اللجوء إلى وسائط حديثة مبتكرة بغية الوصول إلى الجمهور في عقر داره عن طريق الفيديو المُنتج خصيصاً لرواد تيك توك، والمصور في غرف خضراء معزولة تسكنها الكاميرات وحاملات الإضاءة. بداخلها يُلتقط الفنان وهو يرقص ويُغني، ثم تُضاف عليه في ما بعد أجواء افتراضية، كرتونية أو فضائية، تُبقي على حيّز من شخصيته، أو في بعض الحالات، تُبددها كلياً.

مفتوناً بالأغنية، مستلهماً تصميماتها الراقصة، يعمد المعجب على تيك توك بدوره إلى انتحال شخصية المغني المعجب به، أو بالأحرى أغنيته، عن طريق ما بات يُعرف بالمحاكاة Meme، فيُصوّر نفسه بجوّاله في المنزل وفي الحديقة العامة. يحرك شفتيه كما لو كان هو من يغني، يرقص مُلبساً صورته صوت الأغنية الأصلية ليدخُل مسابقات على الإنترنت يُنافس بها معجبين آخرين، يحظى الفائز بها بأكبر نصيب من اللايكات والتعليقات، في ما بات يُعرف بـ “تحدّي تيك توك”.

على مستوى أكثر تقدماً، يطرح تطبيق جادو أمام مشاهير الغناء تقنية “الفيديو الحجمي” Volumetric Video التي، وخلافاً للتصوير التقليدي الذي لطالما اعتمد الإطار المسطح والكاميرا الساكنة فضاءَ المشهد، تُنصب مئات الكاميرات الصغيرة، أو “الكُميْرات”، على هيكل قبة تلتقط المغني والراقصين عن بعد مداري من كل الزوايا والجهات، لتجعل منهم حجوماً نافرة ثلاثية الأبعاد يمكن إسقاطها إما في بيئات افتراضية غرائبية أو حميمية منزلية من خلال مختلف أنواع الشاشات، كما يمكن لعين المشاهد أيضاً التموضع والتجوال المكاني في الأرجاء وبين وحول الشخوص المُمثّلة في الصورة.

القيمة المضافة للإنتاج عبر جادو تكمن في تمكين مستخدمي التطبيق من التفاعل مع النجم، سواءً بهيئته الشخصية أو “الأفاتارية”؛ فتراهم يرقصون مع فنانيهم المفضلين على مسارح متخيلة أو واقعية في ظل غياب العروض الحية على خشبات المسارح الحقيقية، بحيث يستطيع كل من المعجب والمعجب به، من خلال حلول “الواقع المزيد” Augmented Reality، ولوج عالم الآخر أو عوالم أخرى مصطنعة. حالٌ جديدة من زوال الحدود الشخصية والزمكانية بين المشهور والمغمور، بين الصانع والمستهلك، وبين المُبدع والمُتّبع.

بيد أن المستجد الأهم والمستحدث الأبرز يبقى على الصعيد النفسي والمجتمعي؛ إذ تبدو ظاهرة الآفاتار وكأنها لا تمدّ الفنان المبدع بالجماهيرية بقدر ما باتت تمد المشاهد المستمع بالنجومية. للمرة الأولى في تاريخ الصناعة الترفيهية عموماً والموسيقية على وجه الخصوص، بات بمقدور شخص المُستهلِك أن تتصدّر موضوع المُستهلَك. وذلك بتفاعلها معه وتماهيها به ودخولها عليه عاملاً حاسماً وذلك من أبواب عدة فَتحت أمام كل من المعجَب والمُعجب به ما أوصده الفيروس العتيد.

أحد تلك الأبواب يبدأ بحساب المُعجَب على واحدة من منصّات السوشال ميديا، كـ فيسبوك وأخواتها؛ فكلُ واحدٍ منّا اليوم، وإن لم يع ذلك بالضرورة، قد غدا نسبياً في عداد المشاهير. لكلّ منّا جمهور كبُر أم صغُر، هم متابعونا. يقرأون ما نكتب، تعاظم شأنه أم تهافت. يشعرون بما نشعر ويتفكرّون في ما نفكّر فيه – أو بما نريد لهم أن يعتقدوا في ما نشعر ونفكر. يشاهدون صوراً لنا في بيوتنا ومشاغلنا وأسفارنا أينما حللنا وارتحلنا. يضحكون لنكاتنا، يبتسمون لأفراحنا، ويبكون على أحزاننا ومآسينا.

الباب الأول يقود إلى الثاني الذي يقتضي مرور الفنان إلى الشهرة عبر شهرة كل واحد من معجبيه المقيمين في أرجاء السوشال ميديا؛ فالتفاعل بإبداء الإعجاب والتعليق والمشاركة share لإحدى أغانيه على صفحة أحد المُتابعين أصبحت تتجاوز في قيمتها السوسيو- سيكولوجية أثر ارتياد الحفل الحي أو شراء التذكرة أو حتى اقتناء السي دي.

إذ إن في فعل “الإعجاب” أو “المشاركة” وجه من وجوه الاعتراف والمصادقة على وجود أحدهم على الساحة الفنية انطلاقاً من وجود معجبين له على الإنترنت؛ وكأن حضور أنا المبدع لا يتم إلا من خلال حضور أنا المُتابع، فيما كان مرتادو الحفلات ومقتنو السي ديهات في الماضي مجهولي الذوات ومحض مؤشرات وأرقام مبيعات.

في هذا السياق، تروي الكاتبة والناقدة الموسيقية أليسيا بروزنياك في مقالتها الفارقة في موقع “ذي رينغر” The Ringer بعنوان “ما الفرق بين أحد المشاهير والآفاتار” كيف أن مغنية البوب الصاعدة كوكي Cookiee ذات الـ 147 ألف متابع لصفحتها على إنستغرام، قد اضطرت بعد أن أنتجت أغنيتها Vibe بصيغة آفاتار إلى أن تكتب لكل واحد من معجبيها تعليقاً تُذكره به بأنها صاحبة الأغنية، التي انتشرت محاكاتها على تيك توك بين مئات الآلاف من المتابعين، ليختلط الحابل بالنابل.

الباب الثالث هو إمكانية اضطلاع المعُجب فعلياً بدور البطولة في أغنية المُعجب به، وذلك عبر الوسائط المحدثة آنفة الذكر. سواءً بموجب صناعة الفيديو كليب التفاعلي أو تقنية المحاكاة Meme، أو أنماط التركيب المختلفة كاقتطاع رأس النجم واستبداله برأس المتابع، أو استبدال جسد النجم والاستعاضة عنه ببرمجة جسم المتفاعل.

من هنا، يبدو أن بمقدور جمهور اليوم الاستيلاء على المنتج الفني كلياً والتحكم فردياً كماً وجماعياً ببيئته ومساره. من هنا أيضاً، لم يعد استهلاك أغنية البوب يقتصر على سماعها والرقص على أنغامها وحسب أو حتى مشاهدتها مصورة على شاشة التلفزيون أو الجوال، وإنما آل الفنان الجماهيري بحد ذاته محض علامة تجارية Brand تُلصق على مُنتج تفاعلي يُسوّق إلى المستهلك، موفراً له فرصة الولوج به كلعبة فيديو.

وعليه، لم تعد الأغنية أو المقطع المصوّر وسيلة الفنان لاجتذاب الجمهور، وإنما وسيلةٌ غايتها اقتياد كل من الفنان والجمهور معاً إلى فضاء الإنترنت المُربح والمُدر في كل الظروف… في ضوء الشاشة وفي ظل الحجر.