الوضع الوبائي في تونس
الحالات
96٬251
الوفيات
3٬219
مريضة حاليا
23٬408
حرجة
299
الحالات التي شُفيت
69٬624
أخر تحديث بتاريخ 11/30/2020 الساعة 12:20 م

فلسطينيو 48 والتجمعات الفلسطينية: من الدعم إلى المشاركة

على رغم معاناتهم من الاحتلال والتمييز العنصري واللامساواة والتهميش، إلا ان تهمة “الأسرلة” التي وجهت لهم بسبب حملهم الجنسية الاسرائيلية، بقيت تلاحقهم إلى أن جاء يوم الأرض عام 1976 وأعلن بدء العد العكسي لتغير وجهات النظر الخاطئة تجاههم. فبات صمودهم فوق أرضهم، وتمسكهم بانتمائهم الفلسطيني والعربي، ونضالهم ضد نظام الفصل العنصري، ومشاركتهم في تقديم مختلف أشكال الدعم المعنوي والمادي للفلسطينيين في الضفة والقطاع ( في تظاهراتهم التضامنية مع انتفاضة الأقصى في العام 2000 سقط منهم 13 شهيدا على يد القوات الإسرائيلية) ، مثار إعجاب وتقدير الفلسطينيين والعرب. وقد لعبت نخبهم الثقافية والسياسية دورأ مهماً في تصحيح الصورة المشوهة التي أخذت عنهم، وإعادة تسليط الضوء عليهم ، مكاناً ومكانة. وساهم في ذلك أيضاً زيادة الوعي الفلسطيني بطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني وأبعاده، وإدراك ما يشكله بقاء الفلسطينيين فوق أرضهم من أهمية استراتيجية في هذا الصراع. وبات ينظر إليهم اليوم، من قبل كثيرين، على أنهم، هم الحلقة المركزية في مواجهة المشروع الصهيوني. فكيف يمكن دعم فلسطينيي 48 في صراعهم مع هذا المشروع، وتعزيز صمودهم في مواجهة الدولة الصهيونية وممارساتها العنصرية؟ للاجابة على هذا السؤال، لا بد من التعرف على رؤية القوى الفلسطينية وقياداتها للصراع مع المشروع الصهيوني، وموقع فلسطينيي 48 في هذه الرؤية. والتوقف عند خصوصية التجمعات الفلسطينية المختلفة.

بعد تهميش دور اللاجئين الفلسطينيين في الشتات بفعل هزيمة المقاومة الفلسطينية العسكرية وخروجها من لبنان عام 1982، وخيارات القيادة الفلسطينية التسووية التي توجت باتفاق أوسلو، انتقل مركز ثقل العمل الوطني الفلسطيني إلى الضفة والقطاع. وجاءت الانتفاضتان الأولى والثانية لتعززا هذا الدور. لكن القيادة الفلسطينية تعاملت مع فلسطينيي 48 كورقة لتوظيفها في التأثير على الانتخابات الإسرائيلية لصالح الطرف الإسرائيلي الذي أرادت القيادة الفلسطينية التفاوض معه. كما تعاملت مع موضوع اللاجئين أيضاً كورقة أبدت استعدادها لرميها في نهاية المفاوضات، أي عند قيام الدولة الفلسطينية الموعودة. لقد نص اتفاق أوسلو على إقامة سلطة حكم ذاتي لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات في الضفة وغزة، على مساحة فعلية تقدر بحوالي 5% من مساحة فلسطين، يعقبها إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967 أي على 22% من مساحة فلسطين. وبذلك، تكون اتفاقات أوسلو قد قسمت الأرض والشعب، وقالت جهاراً أو مواربة، إن اللاجئين هم شأن عربي، وفلسطينيي 48 شأن إسرائيلي، أي إنهاأاسقطت من الحل هذين المكونين ( أكثر من 8 ملايين، أي حوالي ثلثي الشعب الفلسطيني) الأمر الذي شكل صدمة لهم، وأثار مخاوفهم وهواجسهم، وولد مشاعر الإحباط لديهم. أما بالنسبة للقوى الإسلامية، لاسيما حركة حماس،
فقد ساهمت رؤيتها الدينية للصراع مع المشروع الصهيوني، ليس فقط في تشويه جوهر الصراع، وتعزيز الانقسام في المجتمع الفلسطيني، بل وفي إعطاء الشرعية لما يستند له المشروع الصهيوني من رواية توراتية، وليهودية الدولة التي تتبناها إسرائيل وتدافع عنها. كما ساهمت في تصاعد قوة الحركات الصهيونية الدينية الأكثر تطرفاً في المجتمع الإسرائيلي. وكان لكل ذلك انعكاساته السلبية على نضال فلسطينيي 48 ضد إسرائيل وممارساتها العنصرية.

إن تقديم الدعم والمساندة لفلسطينيي 48 لا يكون فقط بإشعارهم بأنهم جزء من الشعب الفلسطيني، بل بتجسيد ذلك من خلال البرامج والممارسات السياسية للقوى الفلسطينية. فالدعم الحقيقي لفلسطينيي 48، يكون بتبني خيار استراتيجي يقوم على وحدة الأرض والشعب، والتمسك بالحقوق التاريخية للفلسطينيين، كخيار الدولة الواحدة على سبيل المثال. لكن ذلك لا يعني إهمال أهمية التضامن مع فلسطينيي 48 وتقديم مختلف أشكال الدعم الممكنة لهم. فمن خلال التفاعل والتنسيق مع قواهم السياسية والمدنية، يمكن المشاركة في العديد من فعالياتهم، كما هو الحال مع الفعاليات التي تدعو لها حركة مقاطعة إسرائيل (BDS). وفضلاً عن المساهمة في التغطية الإعلامية لتلك الفعاليات، فبالإمكان القيام بفعاليات موازية، كالاستمرار في عادة إحياء ذكرى يوم الأرض على سبيل المثال. كما أن تنظيم حوارات وندوات وورشات عمل، بمشاركة فلسطينيين من أراضي 48، ومن كافة التجمعات الفلسطينية الأخرى، هي مسألة في غاية الأهمية. وبإمكان الفلسطينيين المتواجدين في أوروبا وأميركا وغيرها من بلدان المهجر، مخاطبة الرأي العام، ووضعه في صورة ما يعانيه فلسطينيو 48 من ممارسات إسرائيل العنصرية. فكسب معركة الرأي العام العالمي، يساهم في الضغط على إسرائيل، ويعطي دفعاً لنضالات فلسطينيي 48.

لكن من المهم التأكيد على أن هزيمة المشروع الصهيوني العنصري تتطلب أكثر من الدعم المتبادل والتضامن بين التجمعات الفلسطينية المختلفة. إنه يتطلب الانتقال من الدعم إلى التشبيك في المهام والرؤى، والقناعة بوحدة المشروع ووحدة المصير. وتوحيد الخطاب والاستراتيجية، وصياغة مشروع وطني تحرري وحدوي يشمل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ويهدف إلى استعادة كامل الحقوق الفلسطينية. إن الانتقال من الدعم إلى المشاركة، هو الشعار الذي يجب أن يرفعه الفلسطينيون، ويلتفوا حوله، ويعملوا على تجسيده، في كافة تجمعاتهم. ومن نافل القول، ان هزيمة المشروع الصهيوني، تتطلب أيضاَ، التفاعل والتناغم والتكامل بين نضال الفلسطينيين الوطني التحرري، وكفاح الشعوب العربية للخلاص من أنظمتها المستبدة والظفر بالحرية والديمقراطية والعدالة.

جدل العلاقة بين المشروع الوطني وخصوصية التجمعات الفلسطينية
أدت نكبة 48 وقيام دولة إسرائيل إلى تحولات عميقة في الواقع الديمغرافي للفلسطينيين. حيث تم تهجير أكثر من ثلثي الفلسطينيين (حوالي 800 آلف) توزعوا في الضفة الغربية وقطاع غزة، والأردن وسورية ولبنان وغيرها من الدول العربية. وجاءت نكسة حزيران 67 لتكمل الاحتلال الاستيطاني لكامل فلسطين التاريخية.
تشير الاحصائيات إلى أن عدد الفلسطينيين اليوم قد وصل إلى نحو ( 13.5 مليونا) يعيش نصفهم تقريباً في فلسطين التاريخية (حوالي 2 مليون في أراضي 48 ونحو 5 ملايين في أراضي 67) والنصف الآخر( حوالي 6.5 ملايين) في الشتات. صحيح أن تعداد الفلسطينيين والعامل الديمغرافي لهما أهمية كبيرة في الصراع مع إسرائيل، لكن ما لا يقل أهمية عنهما هو كيف ينظر الفلسطينيون من مواقعهم الجغرافية المختلفة إلى هذا الصراع؟ هل لديهم رؤية واحدة، ام رؤى متعددة ومتباينة؟

تحيلنا الأسئلة السابقة إلى الحديث عن الخصوصية التي تتميز بها التجمعات الفلسطينية، داخل فلسطين وخارجها، من ناحية المهام وظروف الحياة. فسياسات إسرائيل العنصرية تجاه فلسطينيي 48 وممارساتها الهادفة إلى تهميشهم وطمس هويتهم وثقافتهم وذاكرتهم، تجعل من مواجهة نظام الأبارتهايد والتمسك بهويتهم الفلسطينية والعربية، وتعزيز لحمتهم المجتمعية، وتوحيد جهود قواهم السياسية، هي المهمات الأساسية لفلسطينيي 48. وبينما يواجه فلسطينيو الضفة الغربية، الاستيطان والمستوطنين، يخوض فلسطينيو غزة معركة كسر الحصار ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. أما في الشتات، فيصر اللاجئون الفلسطينيون، ليس فقط على التمسك بحقهم في العودة، بل وعلى استعادة حضورهم ودورهم في المشروع الوطني الفلسطيني. ويمكن الاضافة والقول، إذا كان قدر الفلسطينيين في سورية قد وضعهم في مواجهة مع ممارسات النظام الأسدي السياسية والقمعية، التي ضيقت الخناق عليهم وعلى فعالياتهم الوطنية، ووصلت حد تدمير مخيماتهم في أعقاب اندلاع الثورة السورية في العام 2011، فإن قدر الفلسطينيين في لبنان هو الكفاح من أجل تحسين ظروف حياتهم، وانتزاع حقوقهم في المساواة ومنها حقهم في العمل.

لكن تلك الخصوصية، لا تعني بحال، إلغاء حق الفلسطيني في أي تجمع كان، في التعبير عن رأيه في القضايا التي تخص التجمعات الأخرى. ويجب ألا تصبح خصوصية التجمعات الفلسطينية ذريعة للتنصل من مهام تمس المشروع الوطني برمته. فيعاد استنساخ منطق القوى الفلسطينية التي أدارت ظهرها للشعوب العربية ولطموحاتها في الخلاص من أنظمتها المستبدة، بذريعة الخصوصية الفلسطينية التي تستوجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية! إن التدخل المتبادل بين التجمعات الفلسطينية، هو كالدعم المتبادل، يعزز من وحدة الشعب، ويؤكد على وحدة الهدف، ووحدة المصير. فالاقرار بالخصوصية، لا يتعارض مع وحدة المشروع الوطني، ولا مع الوعي الجمعي للفلسطينيين بجوهر قضيتهم وأهدافهم.

إن انتماء الفلسطيني لتجمع ما لا يعني بالضرورة أنه أكثر إخلاصاً للمهام التي يطرحها ذلك التجمع، من فلسطيني يعيش في تجمع آخر. مثال ذلك التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، الذي أدى إلى اعتقال وتصفية العديد من الناشطين الفلسطينيين. و تكريس سلطتي رام الله وغزة لحالة الانقسام، التي انعكست سلباً على اوضاع الفلسطينيين في الضفة وغزة. ومشاركة جماعة أحمد جبريل في الجرائم التي ارتكبها النظام الأسدي بحق الفلسطينيين في مخيم اليرموك، وتأييد قيادات سياسية، من فلسطينيي 48 والشتات، لاتفاق أوسلو، رغم أنه كما أشرنا، أسقط من حساباته فلسطينيي 48 واللاجئين.