الوضع الوبائي في تونس
الحالات
93٬770
الوفيات
3٬106
مريضة حاليا
22٬200
حرجة
290
الحالات التي شُفيت
68٬464
أخر تحديث بتاريخ 11/28/2020 الساعة 2:42 ص

تلوث الأنهر… خطر صحي محدق بسكّان العراق

يوماً بعد آخر، يفقد نهرا دجلة والفرات جانباً كبيراً من صفاء مياههما، خاصة في المدن العراقية الكبيرة التي يمرّان منها، حيث تتزاحم عليهما أنابيب مياه الصرف الصحي الثقيلة والمنشآت الصناعية المشيّدة بالقرب منهما، وبدا ذلك أخيراً واضحاً بفعل تراجع مستويات النهرين، بعد سلسلة مشاريع السدود التي شيّدتها تركيا، وتحويل إيران مجرى عدد من روافد دجلة بشكل يحول دون وصولها إلى النهر، في إجراء اعترضت عليه بغداد، من دون أن يحرّك ذلك في الأزمة شيئاً يذكر.
وفي الوقت الذي يؤكّد فيه مسؤولون عراقيون أنّ معدلات السرطان المتصاعدة في البلاد ليست نتيجة الحرب وآثار الأسلحة فقط، بل لها أسباب بيئية أيضاً، منها ما هو متعلّق بالمخلّفات التي تُرمى يومياً في دجلة والفرات، تقرّ وزارة الصحة العراقية بأنّ مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي الثقيلة وغير المعالجة تصبّ يومياً في نهري دجلة والفرات، مؤكّدة، في إيجاز صحافي سابق لها، أنّ ملف الصرف الصحي والمخلّفات في نهري دجلة والفرات بات مشكلة تؤرق المؤسسات الصحية المختصّة بشكل كبير.
وتكمن خطورة مياه الصرف الصحي في تهالك محطّات تصفية مياه الشرب واستخدام مياه الأنهر في الزراعة، وفقاً لما يؤكّده خالد الشيخلي، الخبير في وزارة الصحة العراقية لـ”العربي الجديد”، ويضيف أنّ “سكّان بغداد يتأثّرون بالفعل من الأمر، رغم اعتماد غالبيتهم على المياه المعبّأة للشرب والطبخ، لكن هناك شريحة فقيرة تشرب من مياه الإسالة الحكومية، وهذه الفئة أكثر عرضة لمشاكل صحية بفعل المخلّفات الثقيلة التي تُرمى في الرافدين (دجلة والفرات)”.
ولفت إلى أنّ العراق بحاجة إلى محطّات لمعالجة الصرف الصحي ومياه المعامل والمصانع والمستشفيات وغيرها، كونها الأخطر على النهرين، لكن هذا كله يُرمى يومياً في النهر من دون معالجة.
وأضاف أنّ سكّان المدن التي تقع عند نقطة دخول دجلة والفرات إلى العراق أقلّ عرضة للسرطان من سكان تلك التي هي داخل العراق، كما في مدن أعالي الفرات في الأنبار ودهوك والموصل، كما يلاحظ أنّ الثروة السمكيّة باتت مهدّدة بشكل غير مسبوق بفعل هذه المخلّفات، التي صارت تقتل الكائنات الحيّة في الأنهر.
يُعتبر حيّ الكريعات، شمالي العاصمة بغداد، أحد الأحياء المكتظة التي تطلّ على نهر دجلة. هناك ينصح آباء أبناءهم بعدم السباحة في النهر بعد أن تأكّدوا من أنّ السباحة فيه تسبّبت بإصابة مواطنين بأمراض.
يتحدّث مناف عياش (57 عاماً) عن إصابة ولده بمرض جلدي تسبّب له ببثور في مختلف أنحاء جسده، مؤكداً أنه نتيجة السباحة في النهر.
يقول عياش لـ”العربي الجديد”: “رائحة النهر أحياناً تزكم الأنوف بسبب الملوّثات التي يحملها، نرى بأعيننا بقعاً من الزيت تطفو على سطح النهر ومواد بلاستيكية وحيوانات نافقة”.
وأضاف: “لهذا السبب لم يعد العديد من الناس يتنزّهون عند ضفاف الأنهر، حتى هواة صيد السمك لم نعد نراهم بأعداد كبيرة مثل السابق”.

مختصّون يتّهمون الحكومات المتعاقبة، خاصة التي تولّت حكم البلاد منذ 2003، بأنّها فشلت في إنقاذ الأنهر من مخلّفات عديدة، تسبّبت بما وصفوها بـ”الكوارث”.
يقول عبد الرحمن الزبيدي، الخبير البيئي لـ”العربي الجديد”، إنّ أبرز معالم العراق الاقتصادية والسياحية والبيئية باتت تمثّل خطراً كبيراً على الإنسان بالدرجة الأولى. ويتحدّث الزبيدي عن الأنهر التي تحوّلت، وفق قوله، إلى مصدر موت بعد أن كانت مصدر حياة.
وتابع حديثه قائلاً: “هناك ملوّثات تصبّ في الأنهر، على امتدادها بالبلاد، وكلّما شقّ النهر طريقه داخل أراضي العراق زادت نسبة تلوّثه”. وأكّد أنّ “دراسات عديدة تطرّقت لما تعانيه الأنهر، خاصة دجلة والفرات وشطّ العرب”.
ويمتدّ نهر دجلة الذي ينبع من تركيا ويعبر الحدود السورية – التركية، بطول 50 كلم، وفي العراق على مسافة تصل إلى أكثر من 1400 كلم، وتصب خمسة روافد فيه بعد دخوله الأراضي العراقية وهي: الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير والعظيم وديالى.
أمّا نهر الفرات الذي ينبع من تركيا ويخترق الأراضي السورية أيضاً، فيبلغ طوله حوالي 2940 كلم، منها 1160 كلم في الأراضي العراقية، في حين أنّ نهر شطّ العرب يتكوّن من التقاء نهري دجلة والفرات في البصرة، جنوبي العراق، ويمتدّ على مسافة 200 كلم، ليصبّ في مياه الخليج العربي.

 

ووفق الزبيدي، فإنّ منسوب المياه انخفض كثيراً منذ أكثر من عشر سنوات، بسبب بناء السدود في كلّ من تركيا وإيران، ما أثّر على موارد العراق المائية، مضيفاً أن “هناك إهمالاً كبيراً من ناحية إصلاح منظومات المياه ومعالجات مياه الصرف الصحي، وتصريف مخلّفات المصانع والمستشفيات، وهذا يعود إلى أكثر من ثلاثين عاماً”.
وأضاف: “ما يحصل الآن وقبل سنوات، هو أنّ كميّات المخلّفات غير الصحية وغير المعالجة التي تُرمى يومياً في الأنهر، لم تنقص، في حين أنّ مياه الأنهر العذبة تنقص باستمرار وبشكل كبير، وهو ما تسبّب بتلوث خطير للأنهر انتقل تأثيره السلبي على الإنسان والثروة السمكية كما النباتات”.
يأسف الزبيدي لعدم استغلال الجهات المسؤولة “الميزانيات الضخمة التي عرفتها البلاد منذ أكثر من عشرة أعوام، لإنشاء منظومات صحية وبيئية حديثة، كانت ستسهم في انتشال الواقع الزراعي”.
وكما هي العادة، صوّبت أصابع الاتهام كلّها، في تدهور حال الأنهر في البلاد، إلى “الفساد”. وبحسب قول الزبيدي، فإنّه “نتيجة الفساد الحكومي، لم تقم مشاريع تسهم في دفع العراق إلى الأمام في أيّ قطاع من القطاعات”.
ومع تداعيات تغيّر المناخ، بالإضافة إلى المشاريع المائية التي تقيمها تركيا، تقدّر وزارة الموارد المائية العراقية أنّ العراق سيواجه نقصاً بحوالي 10.5 مليارات متر مكعب من المياه بحلول 2035.
وقال وزير الموارد المائية العراقي، مهدي راشد الحمداني، في مقابلة مع أسوشيتد برس، في يوليو/ تموز الماضي، “شهد هذا العام أيضاً تراجعاً في هطول الأمطار السنوية بنسبة 50 بالمائة، مقارنة بعام 2019”. 
بدوره يقول المسؤول في وزارة الزراعة، أحمد رعد، لـ”العربي الجديد” إنّ نسبة التلوث كبيرة في الأنهر، والسبب وفق قوله هو “ما يتم  صبّه فيها من مياه آسنة أو تصريف مياه المجاري، وكلّما اقتربنا من المدن، زاد التلوّث أكثر وقد يصل إلى 80%”.

سيواجه العراق نقصاً بحوالي 10.5 مليارات متر مكعب من المياه بحلول 2035

وبحسب رعد، فإنّ تلوث الأنهر يتطلّب “اتخاذ إجراءات من جانب واضعي السياسات في المدن، على الصعيد الوطني والدولي”. وأفاد بأنّ “ضفاف الأنهر تحوّلت إلى مكبّ للنفايات، وارتفعت نسبة ملوحة المياه إلى أكثر من 50%، الأمر الذي  سيولّد نفوق الأسماك والكائنات الحية فيه، فضلاً عن تأثيرها السلبي على الزراعة”. ويعتقد رعد أنّ “السيطرة على التلوث أمر في غاية الصعوبة”.
ووفق قوله فإنّ “أغلب الأنهر ملوثة، وذلك بسبب قلّة الواردات المائية الواصلة من دول منابع دجلة والفرات، ويلاحظ أيضاً تدهور في نوعية المياه الواصلة إلى العراق نتيجة لقيام دول الجوار برمي مياه مبازل مشاريعها الزراعية ومياه الصرف الصحي في مجاري الأنهر”. 
وتابع: “هنالك عدّة مصادر رئيسية تسبّب تلوّث الأنهر، منها مياه الصرف الصحي، النفايات الصحية ونفايات المستشفيات، المواد النفطية، الفضلات الصناعية، مخلفات ومواد القطاع الزراعي والفضلات السائلة والصلبة البديلة المختلفة التي ترمى مباشرة في الأنهر”.
وأضاف: “تظهر بعض الدراسات أنّ هناك زيادة في أعداد البكتيريا الموجودة في المياه، وهي تظهر بشكل واضح في المواقع التي تمتاز بكثافة سكانية عالية”.
وبحسب إحصاءات الحكومة، يستهلك سكّان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة، 71 مليار متر مكعب من المياه سنوياً.
وفي 2035 سيصل عدد السكان إلى أكثر من 50 مليوناً، ومن المتوقع أن تنخفض المياه السطحية إلى 51 مليار متر مكعب سنوياً، بعد إكمال كلّ المشاريع خارج الحدود.
وفي أغسطس/ آب الماضي، حذّر العراق من تبعات الانخفاض الكبير في تدفق مياه نهري “سيروان” و”الزاب الأسفل” (شمال شرق) القادمين من إيران.

 

جاء ذلك في تصريح للمتحدّث باسم وزارة الموارد المائية، عوني ذياب، لوكالة الأنباء الحكومية في البلاد، مشيراً إلى أنّ تدفّق نهر “سيروان” انخفض من 47 إلى 37 متراً مكعباً في الثانية.
وانخفض تدفّق نهر “الزاب الأسفل”، شمالي العراق، إلى مترين مكعبين، من دون الإشارة إلى كمية التدفق الأولى، وهذا يعني تقريباً “القطع الكامل” للمياه من جانب إيران، بحسب ذياب.
وأوضح أنّ ذلك أثّر بشكل كبير على المخزون المائي لسدّي “دربنديخان” و”دوكان” (في السليمانية يساهم في رفد نهر دجلة بالمياه) وعلى المواطنين في حوض النهرين.
واعتبر أنّ “قطع المياه من جانب إيران يعدّ مخالفة، وسيتسبّب بضرر كبير للعراق، خاصة في محافظات كركوك وديالى والسليمانية”.
وفي صيف 2018، ضربت أزمة صحية كبيرة مدينة البصرة (جنوب)، سبّبتها المياه الملوثة وأُصيب أكثر من 12 ألف شخص، أغلبهم من الأطفال.
وليس سكان المناطق الشمالية والغربية التي تدخلها الأنهر أولاً أفضل حالاً، فهم يعانون أيضاً من تلوث مياه الأنهر، وهو ما يؤكّده الناشط البيئي، خيري الجبوري، الذي يقضي كثيراً من وقته في نهر دجلة حيث يعمل في صيد الأسماك.

ويقول الجبوري لـ”العربي الجديد” إنّ “نهر دجلة أصبح مكباً للنفايات والتخلّص من مخلّفات المستشفيات ومياه الصرف الصحي في مدينة الموصل”. وأشار إلى أنّ هذه المخلّفات “تؤثر على سكّان جنوب الموصل، ومياه الشرب بالدرجة الأولى وعلى المزارع والبساتين بالإضافة إلى الطيور والأسماك”.
يذكر الجبوري عدّة منشآت تتسبّب بدمار كبير للنهر، أبرزها “معامل الحصى والرمل، ومعمل إسمنت حمام العليل ومعمل الطاقة الحرارية الكهربائية ومعمل كبريت المشراق وآبار النفط”.
وأشار إلى أنّ المواقع التي ذكرها تستفيد من مياه النهر في عملها من جهة بينما تتخلّص من مخلفاتها برميها في النهر، من جهة أخرى.
ولفت الجبوري النظر إلى أنّ “طوفان الحيوانات النافقة التي تتوقف في أماكن راكدة بالنهر، تؤثّر على مشاريع المياه، بالإضافة إلى أنها تبقى أحياناً لفترة طويلة، تركن قرب مشاريع وقرى مأهولة بالسكّان”، مؤكداً أنّ “هذه المشاكل قديمة جداً ولم تحلّ حتى الآن”.