الوضع الوبائي في تونس
الحالات
89٬196
الوفيات
2٬862
مريضة حاليا
22٬488
حرجة
297
الحالات التي شُفيت
63٬846
أخر تحديث بتاريخ 11/23/2020 الساعة 7:49 م

عامٌ على حكم قيس سعيّد: رئيس شعبوي أم متمرد؟

لم يكن فوز المرشح المستقل قيس سعيّد بالرئاسة التونسية في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 13 أكتوبر/تشرين الأول من العام 2019، حدثاً عادياً، فقد شكّل هذا الفوز مفاجأةَ، ليس على المستوى المحلي فقط، وإنما أيضاً في أرجاء كبيرة من المنطقة العربية. الأستاذ الجامعي، الذي تسلم الحكم رسمياً في 23 أكتوبر من العام نفسه، لم ينخرط يوماً في حزبٍ سياسي، ولم يقم بحملة انتخابية عادية، ولم تقف وراءه لوبيات مالية واقتصادية لدعمه، ومع ذلك فقد جرّ وراءه أعداداً كبيرة من التونسيين، انتخبته بشكل واسع، وعلّقت عليه بالتالي آمالاً كبرى.

خرج سعيّد عن المألوف، وفاجأ التونسيين بسلوك رئاسي غير تقليدي

وعلى امتداد عام أول من ولايته الرئاسية التي بقيت منها أربعة أعوام، خرج سعيّد من دون شكّ عن المألوف، وفاجأ التونسيين بسلوك رئاسي أقل ما يُقال فيه إنه غير تقليدي، وتسببت خطاباته ومواقفه، شكلاً ومضموناً، بصدمات متلاحقة، خصوصاً للفاعلين السياسيين. فالرئيس التونسي لا يتوقف عن الحديث عن مؤامرات في الظلام تستهدف البلاد، يهدد بكشفها، وعن “منصات صواريخ” سيطلقها عندما يحين وقتها في اتجاه المناوئين. كما يرفض سعيّد التعامل مع الأحزاب السياسية، ولا يلتقيها حتى بمناسبة تشكيل الحكومات، ويواصل السير في اتجاه المناطق التي صوّتت له بكثافة، بعيداً عن فضاءات الممارسة السياسية التقليدية، وكأنه يتحاشى أيّ تماسٍ ممكن مع المساحات التي تتحرك فيها النظم السياسية الكلاسيكية.
لكن يتضح أيضاً أن الساحة السياسية كانت متوجسة من الصعود الصاروخي لهذا الوافد الجديد، خصوصاً أنه يبقى مجهولاً سياسياً بالنسبة إليها، ولا يمكن تحديده، ولا تبيان أفكاره ونواياه بوضوح. ولذلك توفر مناخ مناوئ لسعيّد، وجرت محاولات واضحة لعزله، بدل محاولة الاقتراب منه، قابلها بدوره بهجمات متكررة، يرى البعض أنها حمائية فقط، ويدافع الرئيس من خلالها عن وجوده، ويعتبرها آخرون مقدمة حقيقية لبرنامج يهدف لتغيير سياسي عميق. 

وتبدو شخصية سعيّد غير تقليدية، وهو ما يزعج خصومه كثيراً، وهو يبدو كمن يقترب من اليسار الاجتماعي أحياناً، وأحياناً أخرى يبدو شخصية شديدة المحافظة، ويقف إلى يمين حركة “النهضة” بوضوح، على غرار ما تبيّن في دفاعه عن عقوبة الإعدام مثلاً. ولكن حصيلة العام الأول لسعيّد، أظهرت وكأنه يبحث عن نفسه في “سيستم” يبتلع داخليه ويقولبهم، ويبدو أنه يضيق على سعيّد الذي يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الجديد المتحرر من القواعد، بينما يقف على رأس هذا النظام بنواميسه وتقاليده، ويكتشف مع الأيام ضروراته التي لا سبيل لتجاوزها. ويعني ذلك أن هناك صراعاً بين الرئيس وأسلوب النظام والحكم، لا يعرف لمن ستكون الغلبة فيه.

ووجهت اتهامات كثيرة بالشعبوية لقيس سعيّد: فالرئيس يجلس في مقهى حيّه الأول قبل انتقاله مضطراً إلى قصر الرئاسة، يشتري بنفسه خبزه على الرغم من إشاعة محاولة تسميمه، يحمل أكياس الإعانات ليلاً لمتضررين متشبهاً بالخليفة عمر بن الخطاب، تخرج خطاباته السياسية عن المألوف، وغيرها من الاتهامات. لكن أبرز ما نسب للرئيس الرغبة في تغيير النظام السياسي، إيماناً منه بانتهاء دور الأحزاب، ما يفسر محاولة تهميشها المتواصل بحدّ زعمها، كما اتهم بمحاولة السيطرة على الحكومة، مع إلياس الفخفاخ ثم هشام المشيشي، ووجهت حملات قوية ضد رئيسة ديوانه، نادية عكاشة، بشكل مبالغ في كثير من الأحيان. لكن سعيّد يبقى رغم ذلك، في صدارة نوايا التصويت ومنسوب الثقة لدى التونسيين في مختلف عمليات سبر الآراء.

وبعد عام من الحكم، سادته صراعات قوية بين جميع الأفرقاء السياسيين، لا تزال متواصلة، تختلف التقييمات لأداء الرئيس سعيّد. ويرى الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، أن وصول سعيّد للرئاسة بعد منافسته لنبيل القروي (حزب “قلب تونس”) شكّل انتصاراً لقيم الثورة والديمقراطية، ورفضاً للمنظومة القديمة ورموز الفساد، لكنه اعتبر أن “الشعبية الواسعة التي نالها هذا المرشح الذي أصبح رئيساً، كان يمكن أن تجعله صوت التوازن السياسي وصوت العقل، ومنصتاً لمشاغل الناس وقادراً على التدخل في الوقت المناسب لمنع الانحرافات السياسية، لكن شيئاً فشيئاً أصبح هو بدوره جزءاً من الصراع السياسي، ودخل إلى مربع المناكفات السياسية دون أن يكون له حزب سياسي و لا خبرة لإدارة هذه الصراعات”. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد الشابي في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الأمل لا يزال قائماً، ليتدارك الرئيس ويصلح أداءه”، داعياً إياه لـ”مغادرة مربع صراعات السياسة والنفوذ، فالجميع ملتزم بالدستور وبأحكامه وصلاحياته، ومن الديمقراطية أن تتعاون السلطات رغم اختلاف القائمين عليها، وأن تعمل في إطار وحدة التونسيين.

توفر مناخ مناوئ لسعيّد، وجرت محاولات واضحة لعزله، بدل محاولة الاقتراب منه

ويعتبر الشابي أن تأكيد سعيّد على وجود دولة واحدة ورئيس واحد، يعني وجوب أن يكون أداؤه في مستوى اللحظة التاريخية، مضيفاً أن تقييماً عاماً للمنظومة الحاكمة في تونس، رئيساً وبرلماناً وحكومات، جاء عكس الآمال التي علّقها التونسيون على الانتخابات من أجل تحسين أوضاعهم. وبحسب رأيه، فإن المنظومة فشلت في قيادة البلاد، وأثبتت عجزها عن توفير الاستقرار الحكومي، ودخلت في صراعات مدمرة، حيث بدا كل طرف وكأنه قسّم الدولة إلى مقاطعات، فهناك صراعات بين قصري قرطاج وباردو (الرئاسة والبرلمان)، ومع قصر الحكومة في القصبة، وحتى قصر العدالة، ما أدخل السلطة القضائية أيضاً في مربع التجاذبات.

ويتحدث الأمين العام للحزب الجمهوري عن وجود “قلقٍ واضح بعد عام على الانتخابات، فلا رئيس الجمهورية ولا أي من السلطات، تمكنت من القيام بالإصلاح المطلوب”، مضيفاً أن العودة البرلمانية “كرّست الانحطاط الأخلاقي، فيما يتهاوى الاقتصاد، وتستمر موجة وباء كورونا في الارتفاع دون استعداد لتوفير المستلزمات”. ويرى الشابي في هذا الإطار، أن هناك “خشية على تماسك الدولة التونسية المهددة بالتفكك”. وفي ظلّ ذلك، يؤكد الشابي أن الأقدر على القيام بالمبادرة هو رئيس الجمهورية، باعتباره المؤتمن على وحدة الدولة، ومن واجبه أن يتوجه للتونسيين بخطاب مغاير لمفرداته السابقة، وبعيد عن الصراع لإعادة الاعتبار للدولة ولإنقاذ الأرواح المهددة.

من جهته، يرى المحلل السياسي، حمزة المؤدب، أن آمالاً كثيرة كانت معلّقة على سعيّد، وهو ما أظهرته نتائج الانتخابات، لكن الحصيلة يمكن اعتبارها مخيبة للآمال، خصوصاً في ما يتعلق بالدور الذي لعبه الرئيس في ترشيد الممارسة السياسية. وفي هذا الصدد، يُبين المؤدب في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الأداء السياسي لسعيّد تأثر بالوضع الحزبي والانقسامات، ولعب الرئيس أيضاً دوراً في ذلك، برز بالخصوص خلال تشكيل الحكومات. وبرأيه، فإن قصر قرطاج “لم يكن إطاراً لخلق توافقات، بل بالعكس، كانت علاقة سعيّد متوترة برئيس البرلمان، ثم مع الحكومة، خصوصاً بعد تعيين المشيشي”. ويوضح المحلل السياسي أن تقييم أداء سعيّد يتم بالعودة إلى صلاحياته، وإن كان شكّل عنصر استقرار أم لم يفعل، أما الإجابة فهي أنه صحيح أن الرئيس لم يكن عنصر تشويش، ولكن كان بإمكانه أن يلعب دوراً ترشيدياً، وأفضل.
وحول مكامن الإخفاق، يتحدث المؤدب عن “وجود سوء إدارة وارتباك في المجال الدبلوماسي الذي هو من صميم صلاحيات الرئيس”، مقدماً مثالاً على ذلك “ما حصل في نيويورك في مجلس الأمن، ما يعكس فشل سعيّد في إعطاء دفع جديد للدبلوماسية التونسية”. أما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، فيرى المحلل السياسي “غياب أي نظرة استشرافية للرئاسة في علاقة تونس بمحيطها، كما لم تلعب رئاسة الجمهورية بصفتها العقل الاستراتيجي للدولة، دورها المنتظر، وفي الوقت الذي بدت فيه الطبقة السياسية منغمسة في إدارة الأزمات اليومية، لم نر سعيّد يلعب دور المفكر الاستراتيجي، وحتى هياكل رئاسة الجمهورية بدت وكأنها تتخبط بسبب نقص الخبرة وغياب وضوح الرؤيا”. وحول تقييم السنة الأولى لرئاسة سعيّد، فهو بنظر المؤدب، مخيب للآمال، لأن الرئيس “انغمس في الشأن الداخلي في ما له علاقة بتعيين رئيس الحكومة، وحتى الوزراء، أكثر من اهتمامه بالسياسة الخارجية والملفات الكبرى”.

وجود سوء إدارة وارتباك في المجال الدبلوماسي الذي هو من صميم صلاحيات الرئيس

يذكر أن منظمة “أنا يقظ” (منظمة رقابة تونسية غير ربحية) دأبت على تقييم أداء رؤساء الجمهورية والحكومات، وهي أطلقت منصة “سعيّد ميتر”، لتقييم مدى تنفيذ الرئيس لتعهداته. ويقول عضو المنظمة، مهدي الداهش، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن التقييم لأداء قيس سعيّد كان بحسب الالتزامات والوعود الانتخابية التي أطلقها خلال حملته وفي المناظرة الرئاسية، وخلال خطاب أداء اليمين أمام البرلمان. ويبيّن الداهش، في هذا الإطار، أنه يوجد 32 وعداً لسعيّد، وبعد مضي قرابة العام، فإن هناك وعوداً لم تتحقق، وأخرى في طور الإنجاز، يؤمل أن تتحقق. ويؤكد عضو منظمة “أنا يقظ”، أن الرئيس كان أطلق وعداً بتغيير قانون الطوارئ، لكن هذا الوعد لم يتحقق، مشيراً إلى وعود أخرى مرتبطة بالحقوق والحريات لا تزال متناقضة، حيث وعد سعيّد بتدعيم هذه الحقوق والحريات، في حين أنه مع قانون “زجر الاعتداءات على الأمنيين”، على الرغم من مسّه وتهديده للحريات. كما يقدم الداهش مثالاً آخر، يتعلق بوعد سعيد بمقاومة التهميش في المناطق الداخلية ودعم التنمية والتشغيل، لكن لغاية اليوم لا وجود لأي مبادرة في هذا الصدد، وذلك اعتماداً على التقارير المنشورة.

ويلاحظ الداهش أن تقييم الأداء يعتمد أيضاً على الأوامر والقرارات الرئاسية والمبادرات التي يقدمها الرئيس إلى مجلس النواب، لكن يمكن القول إنه لغاية اليوم، لم يقدم سعيّد أي مشروع قانون لمجلس الشعب. ويرى أنه “أمر مؤلم بعد عام على هذه الرئاسة، وأن تكون أغلب المشاريع التي طرحت هي قبل الحكومات”. أما الوعود التي هي في طور الإنجاز، فيعدد أن هناك ما تعلق بالملف الليبي، حيث قال سعيّد إن تونس ستكون منصة حوار للشعب الليبي، مذكراً بلقاءات الرئيس مع عدد من الشخصيات الليبية، وتباحثه مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول الوضع الليبي.
ويذكّر الداهش أخيراً، بأن الرئيس وعد بالترفيع في مرتبات العسكريين الذين استشهدوا أثناء أداء الواجب، والتدرج في السلم الوظيفي، وصدر في الرائد الرسمي إسناد أوسمة لضحايا وشهداء المؤسسة العسكرية والأمن الرئاسي. أما الوعد الذي تحقق، فهو بحسب عضو منظمة “أنا يقظ”، النأي بالمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية”، مبيناً أن هناك مجالات بعيدة عن صلاحيات رئيس الجمهورية تهم المجال الاقتصادي ودعم القدرة الشرائية للمواطن ومقاومة ظاهرة انتحار الأطفال والتي أطلقها سعيّد ضمن وعوده، لكنها لم تنفذ، وكان يمكن تقديم مشاريع قوانين حولها.